نتنياهو يغيّر روايته بشأن زيارة عباس كامل قبل 7 أكتوبر.. إقرار متأخر يفتح ملف التحذيرات المصرية

نتنياهو خلال لقاء جمعه بعباس كامل، أيار 2021 (GPO).jpg

نتنياهو يقرّ بزيارة سرية لرئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه.. تحذيرات مبكرة تعيد فتح ملف الإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي

بعد تحقيق أميركي كشف وصول عباس كامل إلى إسرائيل قبل الهجوم بـ11 يوماً، نتنياهو يؤكد الزيارة ويطالب بمعرفة المسؤولين الذين التقوا به، وسط تقارير عن تحذيرات مصرية متكررة من هجوم واسع لحماس، وتناقض في روايات القيادة السياسية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

أقرّ رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن رئيس المخابرات العامة المصرية السابق عباس كامل زار إسرائيل سراً قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنه نفى لقاءه أو التحدث معه، مدعياً أنه لا يعرف هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين استقبلوه، في تطور جديد يعيد الجدل بشأن التحذيرات الاستخباراتية التي سبقت الهجوم، ومدى اطلاع القيادة الإسرائيلية عليها.

وجاء إقرار نتنياهو خلال مقابلة مع برنامج «هَباتريوتيم» على القناة 14 الإسرائيلية، المقربة من معسكره السياسي، بعد نحو أسبوعين من تحقيق نشرته مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية، كشف أن كامل وصل إلى مطار بن غوريون في 26 سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل الهجوم بأحد عشر يوماً، حاملاً تحذيراً من احتمال تنفيذ حركة حماس عملية عسكرية كبيرة انطلاقاً من قطاع غزة.

وبحسب ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن المقابلة، أكد نتنياهو وجود رئيس المخابرات المصرية في إسرائيل خلال تلك الفترة، لكنه قال إنه كان يشارك في مراسم لإحياء ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي، نافياً أن يكون قد اجتمع بكامل أو تلقى منه تحذيراً مباشراً. 

ويكتسب إقرار نتنياهو أهمية خاصة بعدما أثارت التحقيقات الأميركية والإسرائيلية تساؤلات متزايدة حول مصير التحذيرات التي وصلت قبل الهجوم، وما إذا كانت المعلومات قد انتقلت إلى مكتب رئيس الحكومة أو توقفت عند مستويات أخرى داخل الأجهزة الأمنية.

نتنياهو: مع من التقى عباس كامل؟

وخلال المقابلة، طالب نتنياهو الأجهزة الأمنية والجهات المختصة بكشف هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقوا رئيس المخابرات المصرية خلال زيارته القصيرة.

وقال إن كامل وصل إلى إسرائيل ومكث لفترة وجيزة، متسائلاً عن الجهات التي استقبلته، ومؤكداً أنه يريد معرفة حقيقة ما جرى.

واتهم نتنياهو جهات لم يسمها بمحاولة تحميله مسؤولية اللقاء، مطالباً بالعودة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة والوثائق المرتبطة بالزيارة لتحديد المسؤولين الذين التقوا كامل.

ونفى أن يكون قد التقى المسؤول المصري خلال الزيارة أو تحدث معه هاتفياً، مستغرباً الحديث عن اجتماع رئيس جهاز استخبارات أجنبي برئيس حكومة.

غير أن هذا التبرير يثير تساؤلات في ضوء لقاءات سابقة جمعت نتنياهو برؤساء أجهزة مخابرات أجنبية، بينها لقاء موثق مع عباس كامل نفسه عام 2021، نشرت له وسائل إعلام إسرائيلية صوراً رسمية.

وأوردت صحيفة «جيروزاليم بوست»، في تغطيتها للتحقيق الأميركي المنشور في 26 سبتمبر الماضي، صورة رسمية تجمع نتنياهو وكامل تعود إلى 30 يونيو/حزيران 2021، ما يؤكد أن لقاءات من هذا النوع سبق أن جرت بينهما. 

ولا ينفي ذلك بحد ذاته رواية نتنياهو بشأن عدم لقائه كامل في سبتمبر 2023، لكنه يتعارض مع الانطباع الذي قد يتركه حديثه عن عدم اعتياد عقد لقاءات بين رؤساء الحكومات ورؤساء أجهزة المخابرات.

«ذا أتلانتيك»: زيارة سرية قبل الهجوم بـ11 يوماً

وكان تحقيق نشرته «ذا أتلانتيك»، في 26 سبتمبر 2026، قد كشف تفاصيل زيارة غير معلنة أجراها عباس كامل إلى إسرائيل في 26 سبتمبر 2023، استناداً إلى سجلات حركة الطيران وإفادات مسؤولين إسرائيليين ومصريين وعرب وأميركيين وأوروبيين.

ووفق التحقيق، وصلت طائرة صغيرة من طراز «سيسنا» مرتبطة بالمخابرات المصرية إلى مطار بن غوريون، وتوجهت إلى منطقة مخصصة للزيارات الأمنية والدبلوماسية الحساسة.

وأظهرت سجلات الطيران، بحسب المجلة، أن الطائرة بقيت في المطار نحو 67 دقيقة قبل مغادرتها عائدة إلى القاهرة.

وخلال الزيارة، نقل كامل تحذيراً من مؤشرات على استعداد حماس لتنفيذ عملية عسكرية كبيرة، مشدداً على أن الوقت المتاح لتجنب تصعيد خطير في غزة أصبح محدوداً.

غير أن التحذير، بحسب التحقيق، لم يتضمن موعداً محدداً للهجوم أو معلومات تفصيلية عن أهدافه وطبيعته، وإنما ركز على مؤشرات التصعيد واحتمال وقوع مواجهة واسعة.

ونقلت المجلة عن مسؤول إسرائيلي سابق اطلع على تفاصيل الزيارة أن مجرد وصول رئيس المخابرات المصرية شخصياً لتوجيه تحذير عاجل كان ينبغي أن يمثل رسالة بالغة الأهمية للقيادة الإسرائيلية.

وأكدت الصحافية الأميركية فيفيان سلامة، التي أجرت التحقيق، أن المعلومات استندت إلى مصادر متعددة وسجلات رحلات الطيران، مشيرة إلى أن السؤال الأساسي الذي بقي دون إجابة هو مصير الرسالة المصرية بعد وصولها إلى إسرائيل. 

تضارب الروايات الإسرائيلية بشأن زيارة كامل

وتبرز أهمية تصريحات نتنياهو الجديدة في أنها تتعارض مع مواقف سابقة صدرت عن مكتبه وجهات أمنية إسرائيلية بشأن الزيارة المصرية.

ففي 26 سبتمبر الماضي، رفض مكتب نتنياهو نتائج تحقيق «ذا أتلانتيك»، واعتبر المعلومات المتعلقة بالتحذير المصري مزاعم غير صحيحة، مؤكداً أن رئيس الحكومة لم يلتق كامل أو يتحدث معه خلال الأشهر التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.

كما نفى رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق تساحي هنغبي، في إفادته للمجلة الأميركية، حصول الزيارة نفسها أو تسليم تحذير مصري بهذا الشأن.

لكن نتنياهو أقرّ الثلاثاء بوصول كامل إلى إسرائيل، وحصر نفيه في عدم عقد لقاء شخصي معه أو تلقيه معلومات مباشرة منه.

ووصفت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية الموقف الجديد بأنه تغيير في الرواية، مشيرة إلى أن مكتب رئيس الحكومة كان قد نفى سابقاً علمه بوصول الطائرة المصرية، قبل أن يؤكد نتنياهو الزيارة خلال المقابلة التلفزيونية. 

أما صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فأبرزت التناقض بين استغراب نتنياهو لقاء رئيس حكومة مع مسؤول استخباراتي أجنبي، وبين توثيق لقاء جمعه بعباس كامل عام 2021، ونشرت صورة من اللقاء السابق. 

ويعزز اختلاف الروايات التساؤلات بشأن مستوى التنسيق بين مكتب رئيس الحكومة والأجهزة الأمنية، ومدى اطلاع نتنياهو على الزيارة المصرية ومضمون الاتصالات التي جرت خلالها.

تحذيرات مصرية متكررة قبل 7 أكتوبر

ولم تقتصر المعلومات المنشورة بشأن التحذيرات المصرية على زيارة عباس كامل في سبتمبر 2023.

فقد أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في تحقيق نُشرت تفاصيله أواخر سبتمبر 2026، بأن القاهرة وجهت عدة تحذيرات إلى إسرائيل خلال الأشهر التي سبقت الهجوم.

ونقلت الصحيفة عن مصادر رسمية أن كامل اتصل بنتنياهو في مطلع أكتوبر 2023، محذراً من مؤشرات على هجوم محتمل من قطاع غزة، بعد تحذيرين مصريين سابقين.

وبحسب الرواية التي نشرتها الصحيفة، بدأت التحذيرات المصرية منذ يونيو/حزيران 2023، وكانت في مراحلها الأولى تتعلق باحتمال تصاعد التوتر في غزة، قبل أن تصبح أكثر إلحاحاً مع اقتراب موعد الهجوم. 

وكانت «يديعوت أحرونوت» قد نشرت في التاسع من أكتوبر 2023، بعد يومين من الهجوم، معلومات منسوبة إلى مصدر استخباراتي مصري تفيد بأن القاهرة حذرت إسرائيل من تطور عسكري كبير، وأن الجانب الإسرائيلي لم يتعامل مع التحذير بالجدية المطلوبة.

وفي المقابل، تمسك مكتب نتنياهو بنفي تلقي رئيس الحكومة تحذيراً من كامل، مستنداً إلى نفي مصري رسمي صدر في 11 أكتوبر 2023 بشأن الإبلاغ المسبق عن الهجوم.

ولم تتوصل التقارير المنشورة إلى إثبات مستقل وحاسم بأن نتنياهو تلقى شخصياً تحذيراً محدداً يتضمن موعد عملية السابع من أكتوبر أو تفاصيلها.

تحذيرات إماراتية وتحقيقات في الإخفاق الأمني

وتزامنت المعلومات المتعلقة بالتحذيرات المصرية مع تقارير أخرى تناولت اتصالات سبقت الهجوم، بينها ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن تحذير منسوب إلى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان خلال اتصال مع نتنياهو.

ووفق التغطيات الإسرائيلية للتحقيق الأميركي، تناول التحذير احتمال استعداد حماس لعملية عسكرية كبيرة، لكن مكتب نتنياهو نفى تلقي مثل هذه المعلومات.

كما كشفت تقارير إسرائيلية عن وثائق لاجتماعات أمنية عقدها نتنياهو قبل الهجوم، ناقشت التوتر في غزة وإمكانية التوصل إلى تفاهمات مدنية واقتصادية مع حماس بهدف احتواء التصعيد. 

وأعادت هذه التقارير الجدل بشأن التقديرات الأمنية والسياسية التي سادت إسرائيل قبل هجوم السابع من أكتوبر، ومسؤولية المستويين السياسي والعسكري عن التعامل مع المؤشرات والتحذيرات المتاحة في حينه.

وتزداد حساسية هذه التسريبات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري، في ظل استمرار مطالبة عائلات ضحايا الهجوم وقوى سياسية بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لفحص الإخفاقات التي سبقته ورافقته. 

أسئلة مفتوحة حول المسؤولية والمحاسبة

ورغم إقرار نتنياهو بوصول رئيس المخابرات المصرية إلى إسرائيل، فإن هوية المسؤولين الذين التقوا كامل، والمعلومات التي تلقوها منه، وما إذا كانت قد نُقلت إلى مكتب رئيس الحكومة، لا تزال مسائل غير محسومة بصورة مستقلة.

كما أن اختلاف المدة التي ذكرها نتنياهو للزيارة، وهي نحو 59 دقيقة، عن سجلات الطيران التي أوردها تحقيق «ذا أتلانتيك» والبالغة 67 دقيقة، لا يغير جوهر التساؤلات المتعلقة بطبيعة الزيارة ومضمون التحذير.

ويعني الإقرار الإسرائيلي الجديد أن الجدل لم يعد يقتصر على صحة وصول المسؤول المصري، بل انتقل إلى تحديد الجهة التي استقبلته، وكيفية التعامل مع المعلومات التي حملها، والمسؤولية عن عدم ترجمة التحذيرات إلى إجراءات تمنع الهجوم.

وبين إصرار نتنياهو على نفي علمه الشخصي بالتحذيرات، وما تنشره الصحافة الأميركية والإسرائيلية عن اتصالات استخباراتية سبقت الهجوم، يبقى ملف الإخفاق الأمني والسياسي في السابع من أكتوبر مفتوحاً، مع تصاعد المطالب بكشف الوثائق وإجراء تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات.


نتنياهو يقرّ بزيارة سرية لعباس كامل قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه، فيما تكشف تقارير أميركية وعبرية تحذيرات مصرية مبكرة وتناقضات في الرواية الإسرائيلية.

 


 

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس