الفصائل تعود إلى طاولة القاهرة بعد تأجيل الانتخابات.. هل تنهي الانقسام؟

مركزية فتح تناقش القضايا والمستجدات وترحب بقرار اللجنة التنفيذية والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات.jpg

حوار القاهرة أمام اختبار إنهاء الانقسام.. الفصائل تبحث إعادة بناء النظام السياسي بعد تأجيل الانتخابات وسط أزمة الشرعية

فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية تبحث استعادة الوحدة وإصلاح منظمة التحرير، في جولة تمهيدية تتزامن مع ترحيب قيادة فتح بتأجيل الانتخابات إلى 2027، وانتقادات فلسطينية ودولية لاستمرار تعطيل تجديد الشرعية الديمقراطية.

تتجه الأنظار، الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث تبدأ جولة جديدة من الحوارات بين عدد من الفصائل الفلسطينية الرئيسية، لبحث إنهاء الانقسام الداخلي وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، في وقت يثير فيه قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى سبتمبر/أيلول 2027 جدلاً سياسياً واسعاً بشأن مستقبل الشرعية والتمثيل الوطني.

وأفادت مصادر فلسطينية لقناة «الجزيرة» بأن اللقاءات، المقرر استمرارها حتى الخميس، ستضم قيادات من حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وستتناول سبل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، إلى جانب بحث انضمام حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير، وصولاً إلى التوافق بشأن الانتخابات الفلسطينية.

وتأتي الاجتماعات ضمن مشاورات تمهيدية تستهدف الإعداد لحوار وطني أشمل، بعد سنوات من تعثر اتفاقات المصالحة، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي، في ظل تحديات غير مسبوقة تواجه القضية الفلسطينية بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتصاعد العمليات العسكرية والاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

وأكد المتحدث باسم حركة فتح، عبد الفتاح دولة، في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول، أن القاهرة تستضيف لقاءات تمهيدية بين الفصائل تسبق الحوار الوطني الشامل، فيما أشارت تقارير صحفية إلى استمرار الاتصالات المصرية والفلسطينية لترتيب جدول أعمال الاجتماعات والمشاركين فيها. 
 
لقاءات ثنائية بين الفصائل الأربع

وبحسب المصادر الفلسطينية، من المقرر أن تبدأ اللقاءات بصيغة ثنائية، قبل الانتقال إلى بحث القضايا المشتركة المتعلقة بالبرنامج السياسي والشراكة الوطنية وإصلاح المؤسسات التمثيلية.

ومن المتوقع أن يترأس وفد حركة فتح عضو لجنتها المركزية جبريل الرجوب، فيما يشارك وفد من حماس برئاسة القيادي زاهر جبارين، ووفد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين برئاسة نائب أمينها العام جميل مزهر، إلى جانب ممثلين عن حركة الجهاد الإسلامي.

وأفادت المصادر بأن وفد الجبهة الشعبية سيعقد لقاء مع وفد حماس، ضمن سلسلة اجتماعات تهدف إلى تقريب المواقف وتحديد الملفات التي يمكن التوافق عليها قبل عقد اللقاء الوطني الشامل.

وتتركز المباحثات المرتقبة على معالجة الخلافات المتعلقة بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وآليات مشاركة القوى غير المنضوية فيها، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، إضافة إلى تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وتجديد المؤسسات السياسية والاتفاق على برنامج وطني موحد.

ولا تعني اللقاءات التمهيدية التوصل مسبقاً إلى اتفاق بشأن هذه القضايا، إذ لا تزال مسائل التمثيل السياسي والبرنامج المشترك وآليات اتخاذ القرار من أبرز الملفات الخلافية التي عرقلت جولات المصالحة السابقة.

تأجيل الانتخابات يعيد أزمة الشرعية إلى الواجهة

وتنعقد جولة القاهرة بعد أربعة أيام من إصدار الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة في 11 سبتمبر/أيلول 2027، بدلاً من الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وبررت الرئاسة الفلسطينية القرار بالظروف السياسية والأمنية والميدانية، والقيود الإسرائيلية التي تحول دون ضمان إجراء انتخابات حرة وشاملة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن الأوضاع الإنسانية في القطاع وتعثر ترتيبات إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي.

وأكد المرسوم أن التأجيل يهدف إلى إتاحة المجال أمام حوار وطني شامل يعالج الخلافات السياسية ويهيئ الظروف اللازمة لتجديد المؤسسات الفلسطينية. 

لكن القرار أعاد الجدل بشأن استمرار غياب الانتخابات العامة، إذ لم يشهد الفلسطينيون انتخابات رئاسية منذ عام 2005، ولا انتخابات تشريعية منذ عام 2006، ما يثير تساؤلات متزايدة بشأن العلاقة بين التوافقات الفصائلية وحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم عبر صناديق الاقتراع.

وبينما ترى القيادة الفلسطينية أن الظروف الاستثنائية تفرض إعادة جدولة الاستحقاق الانتخابي، يعتبر منتقدون أن التأجيل المتكرر يعمق أزمة الشرعية ويجعل مستقبل العملية الديمقراطية رهناً بالتفاهمات السياسية بين الفصائل.

فتح ترحب بالتأجيل وتدعو إلى إنجاح الحوار

وفي أحدث موقف رسمي للحركة، رحبت اللجنة المركزية لفتح، خلال اجتماع عقدته الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بقرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمرسوم الرئاسي المتعلق بتأجيل الانتخابات.

وقالت اللجنة إن استمرار اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين، والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس، والظروف الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، تشكل عقبات جدية أمام ضمان إجراء الانتخابات في أجواء حرة ونزيهة.

وشددت على ضرورة توفير الظروف التي تضمن مشاركة الفلسطينيين في جميع الأراضي الفلسطينية، مؤكدة أهمية استمرار الحوار الوطني الشامل مع مختلف القوى والفصائل، وإعطاء الجهود الجارية فرصة لتحقيق الوحدة الوطنية والحفاظ على وحدة الأرض والقرار السياسي الفلسطيني.

وجاء موقف اللجنة المركزية في بيان نشرته حركة فتح، مساء الثلاثاء، عقب اجتماع ناقش أيضاً المستجدات السياسية والميدانية وعدداً من القضايا التنظيمية الداخلية. 

ويضع هذا الموقف حركة فتح أمام اختبار سياسي يتمثل في ترجمة تأييدها للحوار إلى توافقات مؤسساتية قابلة للتنفيذ، خصوصاً أن قرار التأجيل منح الفصائل فترة إضافية لمعالجة الخلافات التي حالت دون تجديد المؤسسات المنتخبة.

حماس تعتبر التأجيل فرصة لإعادة بناء المؤسسات

في المقابل، رحبت حركة حماس بقرار تأجيل الانتخابات، معتبرة أنه يوفر فرصة لتهيئة الظروف اللازمة لحوار وطني شامل وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.

وقال رئيس الحركة في الضفة الغربية زاهر جبارين، في مقابلة مع «الجزيرة» نُشرت الأحد 11 أكتوبر، إن التأجيل يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، داعياً إلى معالجة الملفات السياسية والمؤسساتية بصورة متكاملة، وليس الاكتفاء بتغيير موعد الاقتراع.

وشدد جبارين على ضرورة التوافق على برنامج سياسي ونضالي مشترك لمواجهة الاحتلال، إلى جانب إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، واستكمال إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني من خلال الانتخابات حيثما أمكن، والتوافق على آليات تمثيل مناسبة في المناطق التي يتعذر إجراء الانتخابات فيها. 

وتأتي هذه المواقف بعد مشاورات بين عدد من الفصائل بشأن تأجيل الاقتراع، في ظل خلافات حول تشكيل القوائم الانتخابية، ومشاركة مختلف القوى السياسية، ومستقبل إدارة المؤسسات الفلسطينية.

وكانت وكالة «أسوشيتد برس» قد نقلت، قبل صدور المرسوم الرئاسي، عن مسؤولين في الفصائل وجود توجه لتأجيل الانتخابات بهدف إتاحة مزيد من الوقت لمعالجة الخلافات السياسية واللوجستية، خصوصاً تلك المتعلقة بقطاع غزة والقدس. 

الجبهة الشعبية تدفع نحو شراكة وطنية أوسع

ومن جانبها، طرحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مبادرة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير آليات التمثيل فيها.

وتؤكد الجبهة، وفق المواقف الواردة في المادة، أهمية التوصل إلى توافق سياسي شامل يسبق الانتخابات، بما يضمن عدم إعادة إنتاج الخلافات السابقة، ويتيح مشاركة مختلف القوى والتيارات في المؤسسات الوطنية.

ورحبت الجبهة بتأجيل الانتخابات في سياق توفير الفرصة للحوار، مع التشديد على أهمية الوصول إلى استحقاقات ديمقراطية شاملة ومتزامنة.

وتبرز قضية إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني باعتبارها أحد أبرز الاختبارات أمام حوار القاهرة، بعدما تعثرت الإجراءات المتعلقة باختيار ممثلين عن الساحات الخارجية إثر اعتراضات فصائلية على آليات التمثيل.

ويفتح ذلك النقاش مجدداً بشأن إمكانية إجراء انتخابات للمجلس الوطني في المناطق التي تسمح ظروفها بذلك، واعتماد التوافق في المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع، وصولاً إلى معالجة ملف انضمام حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير.

اعتراض دولي يضع الحوار أمام اختبار إضافي

وفي تطور سياسي متزامن، أعرب وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة، في بيان مشترك صدر الثلاثاء 13 أكتوبر، عن أسفهم الشديد لتأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى سبتمبر 2027.

وحذر الوزراء من أن التأجيل يحرم جيلاً كاملاً من الفلسطينيين من فرصة اختيار ممثليهم، ويهدد بمزيد من تراجع الثقة العامة بالمؤسسات الديمقراطية.

وطالب البيان السلطة الفلسطينية بإعادة النظر في القرار واتخاذ الخطوات اللازمة لإجراء الانتخابات دون مزيد من التأخير، مع الإقرار بوجود عقبات جدية تعترض العملية الانتخابية، ودعوة إسرائيل إلى الامتناع عن عرقلة مشاركة الفلسطينيين فيها.

وفي المقابل، شددت الدول الأربع على موقفها الرافض لمشاركة حماس في الحكم الفلسطيني مستقبلاً، وهو موقف يتعارض مع المساعي الفصائلية المطروحة في القاهرة لتوسيع الشراكة السياسية ومناقشة إدماج الحركة في مؤسسات منظمة التحرير. 


ويضيف هذا التباين بعداً دولياً إلى مناقشات القاهرة، إذ تواجه الفصائل تحدي التوصل إلى صيغة وطنية مشتركة، في ظل اشتراطات سياسية خارجية تتعلق بمستقبل الحكم الفلسطيني والإصلاح المؤسسي.

فتح تدعو إلى تحرك دولي لمواجهة سياسات الاحتلال

وفي موازاة الجهود الرامية إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وجّه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمفوض العام للعلاقات الخارجية، ياسر عباس، نداءً إلى قادة الأحزاب والقوى السياسية العربية والدولية، دعا فيه إلى توسيع التحرك السياسي والشعبي لمواجهة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي.

وحذر عباس، في رسالته، من تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة القدس ومقدساتها، ومحاولات تغيير طابعها التاريخي والديني، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون.

ودعا إلى توفير الحماية للمزارعين، وممارسة الضغط الدولي لوقف الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والتهجير القسري، إلى جانب ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والشروع في إعادة الإعمار.

كما طالب بتوسيع التعاون مع الأحزاب والنقابات والمؤسسات الحقوقية والحركات الشعبية الدولية لتشكيل جبهة أوسع للدفاع عن الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي. 

وتعكس هذه التحركات سعي حركة فتح إلى الجمع بين إدارة الخلافات السياسية الداخلية وتوسيع الجهود الدبلوماسية الخارجية، في وقت تتزايد فيه المطالب بربط النشاط السياسي بإصلاح المؤسسات وتجديد شرعيتها.

اتفاقات المصالحة السابقة.. اختبار التنفيذ لا التوقيع

وتعيد جولة القاهرة إلى الواجهة سلسلة من اتفاقات المصالحة الفلسطينية التي لم تنجح في إنهاء الانقسام المستمر منذ عام 2007، رغم تعدد الحوارات والوساطات الإقليمية.

فقد شهدت السنوات الماضية اتفاقات وتفاهمات في القاهرة والدوحة والجزائر وبكين، تناولت تشكيل حكومات توافق وطني، وإجراء انتخابات عامة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية.

غير أن الخلافات بشأن البرنامج السياسي، وإدارة قطاع غزة، والأجهزة الأمنية، وآليات اتخاذ القرار، حالت دون تنفيذ معظم التفاهمات بصورة شاملة.

وتأتي الجولة الجديدة وسط معطيات أكثر تعقيداً، أبرزها الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وتصاعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، واستمرار الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، فضلاً عن تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية.

وتتمثل المسألة الأساسية في مدى قدرة الفصائل على تحويل الحوار من تفاهمات سياسية عامة إلى إجراءات محددة، تشمل تشكيل المؤسسات وتجديد التمثيل وإقرار جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاقات.

بين الوحدة وصناديق الاقتراع.. ماذا يمكن أن تحقق القاهرة؟

وتضع التطورات الأخيرة الفصائل الفلسطينية أمام معادلة سياسية معقدة؛ فمن جهة، تؤكد الأطراف المشاركة أهمية إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والبرنامج الوطني، ومن جهة أخرى، أدى تأجيل الانتخابات إلى تجدد التساؤلات بشأن جدوى التوافقات السياسية إذا لم تقترن بتجديد التفويض الشعبي.

ومن المتوقع أن تركز الجولة التمهيدية على تحديد القضايا التي يمكن التوافق عليها وآليات متابعة الملفات الخلافية، قبل الانتقال إلى حوار وطني أوسع يشمل بقية الفصائل والقوى الفلسطينية.

ولم يُعلن حتى الآن عن اتفاق نهائي بشأن انضمام حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير، أو آليات تشكيل المجلس الوطني، أو موعد محدد لعقد اللقاء الوطني الشامل.

وبين الترحيب الفصائلي بالتأجيل والانتقادات الداخلية والدولية لتعطيل الانتخابات، تصبح اجتماعات القاهرة اختباراً جديداً لقدرة القوى الفلسطينية على تجاوز الانقسام، وتقديم مسار سياسي واضح لا يجعل الحوار بديلاً مفتوحاً عن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة