كشف تحقيق صحفي نشره موقع "دروب سايت نيوز" (Drop Site News) الأميركي، الاثنين، عن تصاعد هجمات تنفذها مجموعات فلسطينية مسلحة عميلة مدعومة من إسرائيل ضد العائلات النازحة في قطاع غزة، خصوصًا في المناطق القريبة من "الخط الأصفر"، حيث وثق التحقيق شهادات عن اقتحامات للمنازل واعتداءات بالضرب وعمليات احتجاز وترهيب للمدنيين، بالتزامن مع استمرار تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي وتوسيع مناطق سيطرتها داخل القطاع.
واستند التحقيق، الذي أعده الصحفيان عبد القادر صباح وشريف عبد القدوس، إلى شهادات ميدانية لنازحين في مخيم جباليا شمالي القطاع وحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، إلى جانب صور ومقاطع مصورة ومواد تتعلق بمواقع انتشار المجموعات المسلحة في المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال.
وأشار الموقع إلى أن هجمات هذه المجموعات ازدادت خلال العام الذي أعقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وتركزت على المناطق السكنية القريبة من الخط الفاصل بين مناطق سيطرة الاحتلال والمناطق التي يقيم فيها الفلسطينيون.
اقتحام منزل في مخيم جباليا واعتداء على عائلة نازحة
ووثق التحقيق اقتحام مجموعة مسلحة منزل الفلسطيني يوسف الشيخ في مخيم جباليا، فجر 24 سبتمبر/أيلول الماضي، بينما كان نائمًا مع زوجته وأطفاله الثمانية داخل غرفة في مبنى تعرض لأضرار جسيمة خلال الحرب.
وقال الشيخ إن نحو سبعة مسلحين ملثمين اقتحموا المنزل قرابة الساعة الثانية فجرًا، وهم يرتدون ملابس ومعدات عسكرية ويحملون بنادق هجومية ومصابيح قوية، قبل أن يوجه أحدهم سلاحه نحوه ويبدأ باستجوابه بشأن وجود أسلحة أو متفجرات وصلته بفصائل المقاومة.
وأضاف أنه نفى امتلاك أي أسلحة أو ارتباطه بنشاط عسكري، إلا أن المسلحين اعتدوا عليه بالضرب المبرح أمام زوجته وأطفاله، ثم قيدوا يديه خلف ظهره وتركوه على الأرض.
وأوضح أن اثنين من أصدقائه، وهما معتصم العرجا وحسام طافش، تعرضا بدورهما للاعتداء بعد دخولهما لمحاولة التدخل، حيث ضربهما المسلحون بأعقاب البنادق وقيدوا أيديهما.
وبحسب شهادته، اتهم المسلحون أحد الرجلين بالانتماء إلى المقاومة بعد العثور على قميص أسود بين متعلقاته، قبل أن يواصلوا الاعتداء عليه ويغطوا وجهه بالقميص بطريقة تسببت في اختناقه.
وأشار الشيخ إلى أن المسلحين فتشوا المنزل وعبثوا بمحتوياته وصادروا الهواتف المحمولة، فيما هدد أحدهم بإطلاق النار على أفراد العائلة إذا لم يتوقف الأطفال عن البكاء والصراخ.
وأضاف أن المسلحين التقطوا صورًا له ولاثنين من أقاربه وأرسلوها عبر تطبيق "واتساب"، قبل أن يتلقوا اتصالًا سمحوا بعده بإطلاق سراحهم.
وفي الوقت نفسه، اقتاد مسلحون قريبًا ثالثًا للعائلة يدعى سعيد عكاشة، بعد الاعتداء عليه في الطابق العلوي من المبنى، ولم تتضح وجهته أو مصيره وفق المعلومات التي أوردها التحقيق.
وقال الشيخ إنه علم لاحقًا من شهود عيان أن قوة أكبر تضم قرابة 30 مسلحًا كانت تحاصر المبنى من الخارج، فيما أكد اثنان من سكان المنطقة، في شهادتين منفصلتين للموقع، وقوع الاقتحام في تلك الليلة.
مجموعات مسلحة تعمل قرب مواقع الاحتلال
وبحسب التحقيق، تعمل خمس مجموعات فلسطينية مسلحة على الأقل انطلاقًا من مواقع داخل مناطق تخضع لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، استنادًا إلى صور أقمار صناعية ومقاطع مصورة منشورة.
وأشار إلى أن بعض قادة هذه المجموعات سبق أن ارتبطوا بأنشطة إجرامية أو تنظيمات مسلحة، فيما ينتمي آخرون إلى أجهزة أمنية فلسطينية سابقة.
وأوضح الموقع أنه لم يتمكن من تحديد المجموعة المسؤولة عن اقتحام منزل يوسف الشيخ بصورة قاطعة، لكنه أشار إلى أن موقع الحادثة يقع بالقرب من أحد مقار مجموعة تعرف باسم «القوات الشمالية» أو «الجيش الشعبي»، الموجودة في بيت حانون شمالي القطاع.
واستند التحقيق إلى تقرير صادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، يفيد بأن هذه المجموعة تأسست في سبتمبر/أيلول 2025، ويقودها أشرف المنسي، الذي سبق أن واجه اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات وقضايا أخرى.
وأضاف أن المجموعة تضم عشرات المسلحين وتدعي فرض سيطرتها على مناطق في جباليا.
وذكر التحقيق أن مجموعات مسلحة تنفذ اقتحامات ميدانية داخل الأحياء السكنية القريبة من «الخط الأصفر»، فيما أورد معلومات عن تقديم قوات الاحتلال دعمًا عسكريًا لبعض عملياتها، بما يشمل الإسناد المدفعي والجوي خلال الهجمات واسعة النطاق.
النازحون في نادي خدمات جباليا بين القصف والمجموعات المسلحة
وركز التحقيق على الأوضاع الإنسانية المحيطة بمقر نادي خدمات جباليا، الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي بدعم من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، قبل أن يتعرض للتدمير خلال الحرب.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال استخدمت النادي فترةً ثكنة عسكرية ومركزًا للتحقيق خلال اجتياح مخيم جباليا في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قبل انسحابها إلى مواقع قريبة من «الخط الأصفر» بعد اتفاق وقف إطلاق النار.
ولجأت عشرات العائلات النازحة إلى المباني المتضررة ومحيط النادي بحثًا عن مأوى، رغم انتشار الركام وغياب الخدمات الأساسية ومحدودية وصول الغذاء والمياه.
وقال النازح أحمد حماد إن السكان يعيشون وسط دمار واسع، في ظل إطلاق نار شبه يومي وتحليق طائرات مسيرة وقصف متكرر.
وأضاف أن المنطقة تفتقر إلى المياه الكافية والمساعدات والخدمات، فيما تنتشر القوارض بين الأنقاض، مؤكدًا أن العائلات تشعر بأنها تُركت لمواجهة المخاطر دون حماية أو دعم إنساني كافٍ.
من جانبها، قالت الفلسطينية صفاء البسيوني إن شاحنات المياه لا تستطيع الوصول إلى المنطقة، ما يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة للحصول على احتياجاتهم.
وأوضحت أن المساعدات الغذائية المقدمة عبر المطابخ الخيرية لا تصل إلى العائلات المقيمة قرب النادي، في حين تتساقط شظايا القصف وإطلاق النار في محيط أماكن إيوائها.
وأضافت أن العائلات تواجه خطرين متزامنين، يتمثلان في اعتداءات قوات الاحتلال وهجمات المجموعات المسلحة.
وقالت البسيوني إن عائلتها لجأت إلى المبنى المتضرر اعتقادًا بأن الاحتماء تحت سقف خرساني سيكون أكثر أمانًا من الخيام، لكنها وجدت نفسها أمام المخاطر ذاتها، إلى جانب انتشار الحشرات وانعدام الخدمات.
وأكدت أن القرب من «الخط الأصفر» يجعل السكان عرضة للخطر المستمر، في ظل عدم وجود مكان آمن يمكنهم الانتقال إليه.
اقتحامات ليلية واحتجاز فلسطينيين
وفي شهادة أخرى، قال النازح عرفات علي إن المجموعات المسلحة تنفذ هجمات متكررة على المناطق المحيطة بنادي خدمات جباليا، تشمل إطلاق النار واقتحام أماكن إيواء العائلات واحتجاز شبان فلسطينيين.
وأوضح أن هذه المجموعات تتحرك غالبًا خلال ساعات الليل، وتستخدم طائرات مسيرة خلال عملياتها، مشيرًا إلى تعرض أربعة شبان للضرب واحتجاز أحدهم خلال هجوم حديث.
وأضاف أن السكان لا يعرفون آلية عمل هذه المجموعات أو الجهات التي تقرر تحركاتها، مؤكدًا أن الاقتحامات المفاجئة وإطلاق النار والاعتقالات تثير حالة مستمرة من الخوف بين النازحين.
ولفت التحقيق إلى غياب إحصاءات موثوقة بشأن أعداد الفلسطينيين الذين احتجزتهم هذه المجموعات، وعدم توفر معلومات مؤكدة بشأن أماكن احتجازهم أو مصيرهم.
أما يوسف الشيخ، فقال إن آثار الاعتداء الذي تعرض له لا تزال تؤثر في حياته وحياة أفراد أسرته، وإنه يعاني اضطرابات نفسية شديدة منذ اقتحام منزله والاعتداء عليه أمام أطفاله.
توسع "الخط الأصفر" وتهجير جديد في الشجاعية
وتناول التحقيق أيضًا التغيرات التي طرأت على مناطق سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأوضح أن خرائط جيش الاحتلال أظهرت في البداية سيطرته على نحو 53% من مساحة القطاع شرقي «الخط الأصفر»، قبل أن تتوسع مناطق سيطرته تدريجيًا لتقترب من 70%، وفق تقديرات أوردها التحقيق.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال دفعت مناطق انتشارها باتجاه الغرب، وأقامت قواعد عسكرية وطرقات ومواقع محصنة في المناطق التي سيطرت عليها، بدلًا من تنفيذ انسحاب تدريجي وفق ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تقدمت قوات الاحتلال داخل حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ونقلت كتلًا خرسانية صفراء تستخدم لتحديد مناطق سيطرتها مسافة تصل إلى نحو 200 متر باتجاه المناطق السكنية، ما تسبب بحالة من الذعر ونزوح عائلات جديدة.
وقال الفلسطيني أسامة مشتهى (50 عامًا) إن "الخط الأصفر" كان يبعد نحو 200 متر عن مكان إقامته، قبل أن يصبح على مسافة عشرة أمتار فقط بعد تحريك الكتل الخرسانية.
وأفاد شهود بأن قوات الاحتلال استخدمت إطلاق النار والقصف خلال تقدمها، فيما اضطرت عائلات إلى جمع ما تبقى من أمتعتها والانتقال مجددًا بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا.
وقال أنيس حرز الله (30 عامًا) إن السكان يتعرضون بصورة متكررة لإطلاق النار والقصف من مواقع الاحتلال القريبة من الخط، بما يشمل استخدام الطائرات المسيرة والدبابات والطائرات الحربية.
وأضاف أن استمرار هذه الاعتداءات جعل البقاء في المنطقة أمرًا بالغ الخطورة، ودفع السكان إلى مغادرة منازلهم وأماكن إيوائهم.
وأشار التحقيق إلى أن الكتل الخرسانية التي تحدد الخط باتت قريبة من شارع صلاح الدين، أحد الشوارع الرئيسية التي تمتد على طول قطاع غزة، بما يضع المزيد من المناطق السكنية في نطاق انتشار قوات الاحتلال والمجموعات المسلحة.
عائلات تغادر إلى المجهول
ورصد التحقيق مشاهد لعائلات فلسطينية في حي الشجاعية وهي تغادر أماكن إقامتها بعد تقدم قوات الاحتلال، حاملة الفرش والأغطية والحقائب القليلة التي تمكنت من جمعها.
وقالت الفلسطينية سارة الرملاوي (33 عامًا) إنها نزحت مع عائلتها مرات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، وانتقلت بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتًا في الشجاعية، لكنها اضطرت إلى النزوح مجددًا بعد اقتراب «الخط الأصفر».
وأوضحت أن العائلات تغادر دون معرفة الوجهة التي ستصل إليها، في ظل الدمار الواسع وصعوبة العثور على أماكن صالحة للإقامة.
وأكدت أن النازحين لا يطالبون بمنازل جديدة في الوقت الحالي، بل بمساحة آمنة من الأرض يمكنهم نصب خيامهم عليها.
مخاوف من تكريس السيطرة العسكرية
وخلص التحقيق إلى أن التوسع المتواصل لمناطق سيطرة الاحتلال داخل قطاع غزة، بالتزامن مع نشاط المجموعات الفلسطينية المسلحة المدعومة من إسرائيل، يضاعف المخاطر التي يواجهها السكان، خصوصًا العائلات النازحة المقيمة قرب «الخط الأصفر».
وأشار إلى أن الفلسطينيين يعيشون داخل مساحة تتقلص تدريجيًا، فيما تتواصل عمليات الهدم والتجريف وإنشاء المواقع العسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
ورأى التحقيق أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار وإمكانية تنفيذ الانسحاب العسكري المنصوص عليه فيه، في ظل استمرار الهجمات والنزوح وتدهور الظروف الإنسانية للسكان.