تتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة بصورة خطيرة، مع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الغذاء والمساعدات والمواد الأساسية، وسط تحذيرات من توقف المخابز المتبقية خلال 48 ساعة، وانهيار الخدمات الحيوية في المستشفيات، في مشهد يعكس تصاعد أزمة الأمن الغذائي وتداعيات ما يصفه مسؤولون محليون بسياسة «هندسة التجويع» التي تحرم السكان من أبسط مقومات الحياة.
وتتزامن أزمة الخبز المتسارعة مع نقص حاد في الخضروات والسلع الغذائية، وتراجع الإمدادات الإنسانية إلى مستويات لا تلبي سوى 30% من الحد الأدنى لاحتياجات السكان، في وقت تواجه فيه المؤسسات الصحية خطر فقدان مصادر الكهرباء اللازمة لتشغيل أقسامها الحيوية، ما يضاعف معاناة المواطنين المحاصرين في القطاع.
7 مخابز في غزة مهددة بالتوقف خلال 48 ساعة
وحذّر رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، الخميس، من توقف نحو سبعة مخابز لا تزال تعمل في القطاع خلال الساعات الـ48 المقبلة، نتيجة نفاد مخزون الطحين وعدم السماح بإدخال شحنات جديدة، الأمر الذي ينذر بتفاقم أزمة الخبز وحرمان أعداد إضافية من السكان من مصدر أساسي للغذاء.
وأوضح العجرمي، في تصريحات صحفية، أن عدداً من المخابز العاملة بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، والتي تحصل على دعم بالوقود، توقفت بالفعل في مناطق غزة والمحافظة الوسطى والجنوب، بعدما استنفدت كميات الطحين المتاحة لديها.
وأشار إلى أن إغلاق معبر كرم أبو سالم لفترات متواصلة، قبل إعادة فتحه بصورة متقطعة عقب عطلة الأعياد اليهودية، لم يفضِ إلى إدخال الكميات المطلوبة من الطحين المخصص للمخابز، رغم المحاولات والاتصالات التي استمرت حتى ساعات متأخرة من مساء الأربعاء.
وأكد أن استمرار منع توريد الطحين يهدد بتعطيل ما تبقى من خطوط إنتاج الخبز، في ظل غياب مؤشرات على قرب إدخال شحنات جديدة، ما يضع آلاف الأسر أمام مزيد من الصعوبات في تأمين احتياجاتها الغذائية اليومية.
قيود إسرائيلية على السلع تعمّق سياسة هندسة التجويع
وفي سياق متصل، كشف رئيس جمعية شركات النقل الخاص في قطاع غزة، ناهض الشحيبر، عن أزمة متصاعدة في توفير المواد الغذائية والخضروات الأساسية، مؤكداً أن السلطات الإسرائيلية تتحكم في أصناف البضائع التي يسمح بإدخالها عبر المعابر، دون مراعاة الأولويات الغذائية الملحة للسكان.
وأوضح الشحيبر أن الأسواق تعاني نقصاً شديداً في أصناف رئيسية، بينها البطاطا والبصل والخيار والطماطم، بالتزامن مع تفاقم أزمة الطحين وتوقف عدد من المخابز عن العمل.
وبحسب الشحيبر، تمنح السلطات الإسرائيلية الأولوية لإدخال الشوادر والخيام والفحم ومستلزمات أخرى، بينما تفرض قيوداً على توريد المواد الغذائية والخضروات التي يحتاجها المواطنون بصورة يومية.
وأشار إلى أن شركات النقل والتجار لا يمتلكون حرية تحديد أصناف البضائع المطلوبة، إذ تقتصر مهمتهم على التعامل مع القوائم التي توافق عليها السلطات الإسرائيلية، ما يحول دون الاستجابة الفعلية لاحتياجات الأسواق.
واعتبر الشحيبر أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتعميق الأزمة الإنسانية وتجويع السكان، في ظل فقدان كثير من الأسر القدرة على تخزين المواد الغذائية، واضطرارها إلى شراء احتياجاتها بصورة يومية بسبب الظروف المعيشية وتضرر البنية التحتية.
وتبرز خطورة ما يوصف بـ«هندسة التجويع» في التحكم بنوعية الغذاء وكمياته ومواعيد دخوله، بحيث لا تقتصر الأزمة على نقص الإمدادات، بل تمتد إلى إضعاف قدرة الأسواق والمخابز والمؤسسات الإغاثية على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان.
مساعدات لا تغطي سوى 30% من الاحتياجات الإنسانية
من جانبها، حذرت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة من اتساع الأزمة الإنسانية والغذائية، مع استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات وتراجع أنشطة المؤسسات الإغاثية الدولية والأممية.
وقالت المتحدثة باسم الوزارة، عزيزة الكحلوت، إن المساعدات والمواد الأساسية التي تدخل القطاع حالياً لا تتجاوز 30% من الحد الأدنى للاحتياجات الإنسانية، وهي نسبة غير كافية لتلبية المتطلبات المعيشية للسكان.
وأوضحت أن حجم الإمدادات المسموح بدخولها خلال فترة إغلاق المعابر انخفض إلى 3% فقط من الاحتياجات، قبل أن يرتفع لاحقاً إلى نحو 30%، دون أن ينعكس ذلك بصورة كافية على حجم النقص في المواد الضرورية.
وأشارت إلى أن تقليص البرامج الإغاثية وتوقف أنشطة عدد من المؤسسات الإنسانية يزيدان من هشاشة الوضع المعيشي، خصوصاً مع تراجع توفر الغذاء والمواد الأساسية واستمرار القيود على حركة الإمدادات.
وتكشف هذه المعطيات عن اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية لسكان غزة والكميات المتاحة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من عجز الأسر الأكثر احتياجاً عن تأمين غذائها اليومي، مع استمرار تعطل المخابز وشح السلع في الأسواق.
مستشفيات غزة تواجه خطر انقطاع الكهرباء وانهيار المولدات
ولا تقتصر الأزمة الإنسانية على الغذاء، إذ حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة، الخميس 22 أكتوبر 2026، من توقف قسري ومفاجئ للمولدات الكهربائية في المستشفيات، بسبب النفاد التام لزيوت التشغيل الضرورية لاستمرار عملها.
وأكدت الوزارة أن المولدات تعمل منذ آلاف الساعات في ظروف هندسية شديدة التعقيد، ودون توفر الزيوت والصيانة اللازمة، ما جعل محركاتها عرضة للتلف المباشر والاحتراق الكامل.
وأوضحت أن الفرق الهندسية تواصل محاولاتها للإبقاء على تشغيل المولدات وتأمين الكهرباء للأقسام الحيوية، إلا أن الاستنزاف المتواصل دفع المعدات إلى مرحلة حرجة تهدد بفقدان القدرة على تشغيلها بصورة نهائية.
وشددت على أن احتراق محركات المولدات نتيجة نقص الزيوت قد يؤدي إلى خروجها من الخدمة بشكل دائم، حتى في حال توفير مستلزمات التشغيل لاحقاً.
وتتجاوز احتياجات مستشفيات القطاع الشهرية 2500 لتر من زيوت تشغيل المولدات، في وقت دعت فيه وزارة الصحة الجهات المعنية إلى تدخل عاجل لحماية ما تبقى من مصادر الطاقة وضمان استمرار الخدمات الطبية المنقذة للحياة.
غزة أمام أزمة إنسانية متعددة الجوانب
وتعكس التحذيرات المتزامنة من توقف المخابز وانقطاع الكهرباء عن المستشفيات وتراجع المساعدات الغذائية حجم التدهور الذي يواجهه قطاع غزة، حيث تتداخل أزمات الغذاء والصحة والإمدادات الأساسية مع استمرار القيود المفروضة على المعابر.
وتزيد السيطرة على نوعية البضائع وكميات الغذاء المسموح بدخولها من صعوبة مواجهة الأزمة، خصوصاً مع محدودية المخزون لدى المخابز والأسواق، وتراجع قدرة المؤسسات الإغاثية والخدماتية على الاستمرار في تقديم خدماتها.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو الساعات المقبلة حاسمة بالنسبة إلى المخابز المتبقية، بينما تواجه المستشفيات تهديداً موازياً بفقدان مصادر الكهرباء، ما يضع حياة السكان واحتياجاتهم الأساسية تحت ضغوط متزايدة.





