تشهد مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً منذ مساء الجمعة وحتى فجر السبت، وسط نزوح قسري لمئات العائلات من منازلها، وإغلاق شامل للطرق والمداخل، بالتزامن مع حملة اقتحامات ومداهمات واعتقالات طالت مناطق متفرقة من الضفة الغربية.
وأفادت مصادر محلية بنزوح أكثر من 200 عائلة فلسطينية من منازلها في منطقة الجلدة بمدينة الخليل، عقب إجبارها على الإخلاء من قبل قوات الاحتلال، التي كثفت انتشارها العسكري في أحياء سكنية عدة، وفرضت قيوداً مشددة على حركة السكان، وسط مخاوف من اتساع عمليات الهدم والإخلاء خلال الساعات المقبلة.
وفي ظل تزايد أعداد النازحين، أعلنت محافظة الخليل وبلدية المدينة فتح مركز إسعاد الطفولة لإيواء العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، فيما أعلنت البلدية حالة الطوارئ لمتابعة احتياجات النازحين وتوفير المساعدة العاجلة لهم.
وبادرت عائلات وعشائر فلسطينية في الخليل إلى فتح منازلها ودواوينها وشققها المفروشة لاستقبال الأسر النازحة، في تحرك أهلي لتأمين المأوى للعائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها خلال ساعات الليل.
إخلاء مئات المنازل وتحويل أحياء الخليل إلى مناطق عسكرية
وقالت محافظة الخليل إن المنطقة المستهدفة بالعملية العسكرية الإسرائيلية تمثل نحو ثلث مساحة المدينة، مؤكداً أن قوات الاحتلال توغلت في قلب الأحياء السكنية، وشرعت بإخلاء مئات المنازل.
وشملت أوامر الإخلاء مناطق الجلدة وعين دير بحة ومحيطهما، حيث داهمت قوات الاحتلال منازل الفلسطينيين وأجبرت عدداً من العائلات على مغادرتها، بالتزامن مع محاصرة منزل أحد منفذي عملية إطلاق النار التي وقعت صباح الجمعة عند المدخل الشمالي للمدينة.
وأفادت مصادر محلية بأن جنود الاحتلال اعتدوا بالضرب على عدد من السكان خلال عمليات الإخلاء في منطقة الجلدة، وأبلغوا العائلات بضرورة ترك أسماء أصحاب الشقق السكنية وأرقام هواتفهم، لإمكان استدعائهم مجدداً عند الحاجة.
كما أغلقت قوات الاحتلال الطريق عند مفرق خباب، ومنعت المركبات من الوصول لنقل العائلات النازحة، ما أجبر عدداً منها على مواصلة طريقها سيراً على الأقدام، وسط انتشار الجنود والآليات العسكرية.
وأكدت تقارير ميدانية فلسطينية دخول قوات كبيرة من جيش الاحتلال، ترافقها جرافات وآليات عسكرية، إلى مناطق الجلدة ودير بحة ونمرة، وإجبار سكان على إخلاء منازلهم، في إطار العملية التي أعلن الجيش أنها ستستمر عدة أيام.
اعتقالات ومداهمات وإغلاق شامل لمحافظة الخليل
وبالتزامن مع عمليات الإخلاء، واصلت قوات الاحتلال اقتحام أحياء مدينة الخليل وبلداتها، وداهمت منازل فلسطينيين في حلحول وصوريف ومناطق أخرى بالمحافظة.
وأفادت مصادر محلية باعتقال رئيس مجلس عائلة النتشة، نبيل النتشة، وعضو مجلس بلدية الخليل السابق المحامي عبد الكريم فراح، ضمن حملة اعتقالات وتحقيقات ميدانية طالت عدداً من السكان.
كما أغلقت قوات الاحتلال الشارع المحاذي لمدخل مخيم الفوار جنوب الخليل باستخدام إطارات المركبات وقطع خشبية، إلى جانب إغلاق البوابات الحديدية والحواجز العسكرية على مداخل المحافظة.
وامتدت الإغلاقات إلى طرق رئيسية تربط الخليل ببلداتها ومخيماتها، من بينها دورا وبني نعيم وسعير وترقوميا والعروب، ما أدى إلى تعطيل حركة الفلسطينيين وشل قطاعات واسعة من الحياة اليومية.
وأعلنت مؤسسات تعليمية تعليق الدوام السبت، فيما أعلنت نقابة النقل والمواصلات تعطيل حركة المركبات في المحافظة، حفاظاً على سلامة السائقين والركاب في ظل الإغلاقات العسكرية.
جيش الاحتلال يعلن عملية عسكرية تستمر عدة أيام
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أعلن، مساء الجمعة، بدء عملية عسكرية وأمنية في الخليل، بمشاركة قوات الجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» وحرس الحدود، عقب عملية إطلاق النار التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، واستشهاد منفذيها.
وبحسب البيان الإسرائيلي، تستهدف العملية المناطق التي يقول الجيش إن المنفذين انطلقا منها، وتشمل تفتيش المنازل والبحث عن أسلحة وإجراء تحقيقات مع عشرات الفلسطينيين، إلى جانب إجراءات هندسية قد تسبق هدم منازل.
وأضاف جيش الاحتلال أن مغادرة السكان المناطق المشمولة بالعملية ستتم عبر ثلاثة منافذ محددة، بعد إخضاعهم للتفتيش والاستجواب الأمني.
وفي موازاة ذلك، نفذت قوات الاحتلال عمليات هدم في منطقة فرش الهوى غرب الخليل، طالت عمارة سكنية ومنشآت تجارية وممتلكات فلسطينية، بذريعة البناء دون ترخيص أو وجود ما تصفه سلطات الاحتلال بمخاطر أمنية.
وأكدت وسائل إعلام إسرائيلية بدء أعمال الهدم، فيما أظهرت مشاهد مصورة إجبار سكان على إخلاء مبانٍ قبل وصول الجرافات إليها.
اقتحامات متزامنة في نابلس وتحويل مبنى إلى مركز تحقيق
وفي شمال الضفة الغربية، شهدت مدينة نابلس اقتحامات واسعة لقوات الاحتلال، التي دفعت بآليات عسكرية إلى عدد من أحياء المدينة، وداهمت منازل ومنشآت سكنية وتجارية.
وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال اقتحمت أحياء رأس العين ورفيديا والمعاجين وشارع تل، وداهمت منزلاً قرب مدرسة كمال جنبلاط، إضافة إلى تفتيش مخزن داخل عمارة سكنية.
وفي حي النور غرب المدينة، استولت قوات الاحتلال على بناية سكنية وحولتها إلى مركز للتحقيق الميداني، فيما اعتقلت ضياء البلبيسي، وهو سائق إسعاف متقاعد، عقب مداهمة منزله في شارع التعاون.
كما صدمت آلية عسكرية إسرائيلية مركبة فلسطينية خلال اقتحام حي رفيديا، فيما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بورين جنوب نابلس، وداهمت عدداً من المنازل.
وكانت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» قد أفادت باقتحام قوات الاحتلال مدينة نابلس وانتشار آلياتها في عدد من الأحياء، بالتزامن مع المداهمات العسكرية.
حملة اعتقالات في جنين ورام الله وطوباس
وامتدت الاقتحامات إلى محافظة جنين، حيث انتشرت قوات الاحتلال في بلدة قباطية جنوب المدينة، واقتحمت بلدة برقين جنوب غرب جنين، وداهمت عدداً من المنازل واعتقلت فلسطينياً على الأقل.
وفي محافظة رام الله والبيرة، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم الجلزون شمال المدينة، ونفذت حملة مداهمات واعتقالات، كما اعتقلت شاباً عقب مداهمة منزله في حي الإرسال بمدينة رام الله.
وفي محافظة طوباس، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة طمون جنوب المدينة، وداهمت أحد المنازل، بالتزامن مع عمليات عسكرية طالت مناطق أخرى من المحافظة.
كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة قفين شمال طولكرم، وفتشت منازل وعبثت بمحتوياتها، فيما شهدت مدينة بيت لحم ومحيطها مداهمات عسكرية.
وفي محيط القدس المحتلة، اقتحمت قوات الاحتلال بلدتي كفر عقب وبدو، وسط انتشار عسكري وتحركات للآليات في الشوارع.
إغلاقات في الضفة واعتداءات على قاطفي الزيتون
وترافق التصعيد العسكري مع إغلاق عشرات المداخل والحواجز والبوابات الحديدية في محافظات الضفة الغربية، ما تسبب في تعطيل حركة التنقل بين المدن والقرى والبلدات الفلسطينية.
وشملت الإغلاقات مداخل رئيسية في بيت لحم ورام الله وسلفيت ونابلس وجنين وقلقيلية، إلى جانب تشديد الإجراءات على حاجز قلنديا شمال القدس المحتلة.
وفي سياق متصل، تواصلت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وأراضيهم خلال موسم قطف الزيتون، إذ أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان رصد 21 اعتداء نفذها مستوطنون وقوات الاحتلال ضد قاطفي الزيتون وأراضيهم في ست محافظات خلال الجمعة.
وشملت الاعتداءات مهاجمة المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم وسرقة ثمار الزيتون وإتلاف أشجار مثمرة، فيما سجلت إصابات خلال هجمات للمستوطنين في بلدة بورين جنوب نابلس.
مخاوف من استمرار النزوح واتساع العمليات العسكرية
وتأتي التطورات في وقت أعلن فيه جيش الاحتلال أن عمليته في الخليل ستستمر عدة أيام، من دون تحديد موعد لإنهائها، وسط مخاوف من توسيع إجراءات الإخلاء وهدم المنازل والمنشآت الفلسطينية.
ومع استمرار النزوح القسري من أحياء الخليل، تواجه العائلات المتضررة ظروفاً إنسانية صعبة، في ظل إغلاق الطرق وتقييد حركة السكان وصعوبة الوصول إلى المساكن والممتلكات.
وتضع التطورات المتلاحقة المؤسسات المحلية والجهات الإغاثية أمام تحديات متزايدة لتوفير أماكن إيواء ومستلزمات أساسية للأسر النازحة، بالتزامن مع اتساع نطاق الاقتحامات والاعتقالات في محافظات الضفة الغربية.















