الأمم المتحدة: الإبادة مستمرة في غزة وجرائم ضد الإنسانية بالضفة

تقرير تقرير أممي يكشف جرائم الإفناء والتعذيب والتهجير في فلسطين

مشيعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة  بمستشفى الشفاء في مدينة غزة، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026. (صورة: محمد صالحة)
مشيعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة بمستشفى الشفاء في مدينة غزة، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026. (صورة: محمد صالحة)

تقرير أممي يتهم إسرائيل بمواصلة الإبادة في غزة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية بالضفة 

لجنة التحقيق الدولية تكشف تصاعد القتل والتهجير والعنف الجنسي وتوسع السيطرة على الأراضي الفلسطينية رغم وقف إطلاق النار، وتطالب بإنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

كشف تقرير جديد للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أن الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تقتصر على عمليات عسكرية متفرقة، بل تشكل، وفق استنتاجات اللجنة، نمطاً واسعاً ومنهجياً من الجرائم الدولية، يشمل الإبادة الجماعية في قطاع غزة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية، في ظل استمرار قتل المدنيين وتهجيرهم وتدمير ممتلكاتهم وتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية.

وخلصت اللجنة، في تقرير قدمته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى أن السلطات الإسرائيلية وجيش الاحتلال ارتكبا جرائم ضد الإنسانية، شملت الإفناء والاضطهاد والتعذيب والاغتصاب وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، مؤكدة أن استهداف الفلسطينيين يجري على أسس تمييزية مرتبطة بالجنسية والعرق والانتماء الإثني والجنس والعمر.

ويقدم التقرير قراءة تتجاوز توثيق الانتهاكات الفردية إلى تحليل السياسات التي تقف وراءها، إذ يربط بين استخدام القوة العسكرية والتهجير القسري وتوسع السيطرة على الأرض، معتبراً أن هذه الممارسات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لإضعاف الوجود الفلسطيني وتقويض مقومات الحياة والاستقرار.

غزة.. الإبادة مستمرة رغم وقف إطلاق النار

في قطاع غزة، خلصت اللجنة إلى أن قوات الاحتلال واصلت ارتكاب أفعال ذات طابع إبادي حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/أكتوبر 2025، مشيرة إلى استمرار استخدام الذخائر الثقيلة والطائرات المسيّرة والمدفعية ونيران القناصة في مناطق مكتظة بالسكان.

واعتبرت اللجنة أن استمرار العمليات العسكرية وسقوط الضحايا المدنيين وتدمير مقومات الحياة يمثل مؤشراً على أن وقف إطلاق النار لم ينهِ الممارسات التي سبق أن صنفتها في تقاريرها باعتبارها أفعال إبادة جماعية.

ولفت التقرير إلى أن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي قُدم باعتباره خطاً مؤقتاً للفصل بين مناطق انتشار القوات، تحول تدريجياً إلى حدود فعلية داخل القطاع، مع توغل السيطرة الإسرائيلية إلى مناطق إضافية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل وحدة أراضي غزة وإمكانية استعادة الفلسطينيين السيطرة على مناطقهم.

وقال رئيس اللجنة، سرينيفاسان موراليدار، إن توسيع إسرائيل سيطرتها على أراضي قطاع غزة يواصل التسبب في مقتل وإصابة فلسطينيين يقتربون من الخط الأصفر أو يعبرونه.

وتبرز هذه النتائج تناقضاً جوهرياً بين الهدف المعلن لوقف إطلاق النار، المتمثل في حماية المدنيين ووقف العمليات القتالية، وبين الوقائع التي وثقتها اللجنة بشأن استمرار استخدام القوة وتوسيع السيطرة الميدانية.

الضفة الغربية.. من الاقتحامات إلى جرائم ضد الإنسانية

وفي الضفة الغربية، رصد التقرير تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع تصاعد الغارات الجوية والقتل والاعتقال وهدم المنازل والتهجير، بالتزامن مع استمرار اعتداءات المستوطنين.

وكشفت اللجنة عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد الفلسطينيين الذين استشهدوا جراء القصف الجوي في الضفة الغربية، إذ بلغ عددهم 254 شهيداً بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 أيلول/سبتمبر 2026، مقارنة بستة شهداء فقط خلال الفترة الممتدة من عام 2008 حتى 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد زيادة في أعداد الضحايا، بل تشير إلى تغير واضح في حجم استخدام القوة العسكرية الجوية داخل الضفة الغربية، وانتقال أدوات قتالية ثقيلة إلى مناطق مأهولة بالسكان.

وخلصت اللجنة إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، المدعومة بعنف مستمر من المستوطنين، تشكل هجوماً واسع النطاق ومنهجياً ضد السكان المدنيين الفلسطينيين.

كما وثقت ارتكاب جرائم تعذيب وعنف جنسي واضطهاد، بما في ذلك انتهاكات استهدفت الأطفال، معتبرة أن بعض هذه الممارسات استخدمت لإخضاع الفلسطينيين وترهيبهم ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم.

التهجير القسري.. إعادة تشكيل الواقع السكاني

ويضع التقرير التهجير القسري في صلب السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية التي بدأت في الضفة الغربية مطلع عام 2025 تسببت بأكبر موجة نزوح فلسطيني منذ احتلالها عام 1967.

وبحسب اللجنة، ظل 34,176 فلسطينياً نازحين عن منازلهم حتى آب/أغسطس 2026، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتدمير المساكن والبنية التحتية.

ويرى التقرير أن القتل وتدمير المنازل وفرض ظروف معيشية قاسية ليست إجراءات منفصلة، بل ممارسات مترابطة تؤدي إلى إفراغ مناطق فلسطينية من سكانها وإضعاف قدرتهم على البقاء فيها.

وأكد موراليدار أن القتل المتعمد للمدنيين الفلسطينيين وإصابتهم وتدمير مساكنهم، إلى جانب استمرار إسرائيل في التنصل من المسؤولية، تشكل مجتمعة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إفناء الفلسطينيين وتهجيرهم وفرض ظروف حياة لا يمكن تحملها.

جذور تاريخية لسياسة السيطرة والتهجير

ولم يحصر التقرير استنتاجاته بالفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بل تناول الجذور التاريخية للسياسات الإسرائيلية، وخلص إلى أن التوسع الجغرافي وتهجير الفلسطينيين باستخدام العنف يمثلان نهجاً ممتداً منذ حرب عامي 1947 و1948.

واعتبرت اللجنة أن الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي مع تقليص الوجود الفلسطيني عليها يرتبط بسياسات إسرائيلية تاريخية، انعكست على أنماط استخدام القوة والتمييز والتهجير عبر أجيال متعاقبة.

ويمنح هذا الاستنتاج التقرير بعداً سياسياً وقانونياً يتجاوز توصيف الحرب في غزة والتصعيد في الضفة الغربية، إذ يعيد وضع الانتهاكات الراهنة ضمن سياق أوسع يتعلق بالاحتلال والاستيطان وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير.

انتقادات للسلطة الفلسطينية

ولم تقتصر انتقادات اللجنة على الممارسات الإسرائيلية، إذ تناول التقرير أيضاً انتهاكات منسوبة إلى السلطة الفلسطينية، شملت استهداف معارضين سياسيين ومدنيين والتضييق على حرية التعبير.

وانتقدت اللجنة عدم إجراء تحقيقات سريعة وفعالة ومستقلة في انتهاكات طالت صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، مؤكدة ضرورة مساءلة جميع الأطراف المسؤولة عن انتهاكات حقوق الفلسطينيين.

إسرائيل ترفض الاتهامات وتطالب بحل اللجنة

في المقابل، رفضت إسرائيل استنتاجات التقرير، واعتبرت بعثتها لدى الأمم المتحدة في جنيف أن اللجنة تنخرط في حملة تضليل تستهدف تشويه صورتها وتقويض شرعيتها.

كما اتهمت السلطات الإسرائيلية اللجنة بتجاهل ما تصفه بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وطالبت بحلها، في استمرار لموقفها الرافض لاستنتاجات التحقيقات الأممية بشأن الإبادة الجماعية والانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

غير أن اللجنة تستند في استنتاجاتها إلى تحقيقات في أنماط القتل والإيذاء الجسدي والنفسي والتهجير، وتؤكد ضرورة التعامل مع هذه الانتهاكات باعتبارها مسائل تستوجب المساءلة القانونية، لا مجرد تداعيات جانبية للعمليات العسكرية.

توصيات أممية.. إنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين

وفي توصياتها، دعت اللجنة إسرائيل إلى الامتثال للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، وإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإخلاء المستوطنين وإزالة المستوطنات.

وطالبت بوقف مصادرة الممتلكات الفلسطينية والاستيلاء على الأراضي لأغراض عسكرية، وإعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها الفلسطينيين، إلى جانب اتخاذ خطوات تضمن وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتضع هذه التوصيات المجتمع الدولي أمام اختبار جديد لمدى استعداده لتحويل نتائج التحقيقات والتوثيق القانوني إلى إجراءات عملية تحمي الفلسطينيين وتمنع استمرار الجرائم.

وبينما تتراكم التقارير الأممية التي توثق الانتهاكات وتحدد أنماطها والجهات المسؤولة عنها، تبقى الفجوة الأبرز بين حجم الأدلة المعلنة وغياب إجراءات دولية كافية لوقفها. وهي فجوة تجعل من المساءلة، لا مجرد إصدار تقارير إضافية، الاختبار الحقيقي لفاعلية منظومة حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.