نتنياهو من معارضة اليسار لمعارضة مؤسسات الدولة

بنيامين نتنياهو
بنيامين نتنياهو

تعتبر انتخابات الكنيست الإسرائيلي، اليوم، مهمة جدا، بل ربما كانت واحدة من اهم انتخابات البرلمان الإسرائيلي، وذلك لعدة اعتبارات، منها ما له علاقة باللحظة الحالية الفارقة، التي تجري، ومنها ما له علاقة بما هو متوقع من نتيجتها، التي تكاد تؤكد الخروج بحالة من التوازن بين معسكرين متنافسين على تشكيل الحكومة القادمة، ليس هما معسكري اليمين واليسار التقليديين، ولكنهما رغم ذلك يؤكدان حالة من الانقسام الداخلي، التي تتجاوز كثيرا ما كان عليه الحال في ثمانينيات القرن الماضي، من انقسام سياسي، الى انقسام مجتمعي حول طبيعة الدولة، كذلك هناك ما يمكن اعتباره بانتظار النتائج، انه اهم إنجاز عربي، حيث من المتوقع أن تحصل قائمتان عربيتان، على ما بين 14 ـــ 16 مقعدا، وهذا أمر غير مسبوق أولا، وثانيا يقترب كثيرا من التمثيل المفترض للمجتمع العربي داخل إسرائيل، الذي يشكل 20% من السكان، بما يعني أن انعكاس هذه النسبة في الكنيست يجب أن يكون ما بين 20 ـــ 25 عضو كنيست. 

وأيا تكن نتيجة الانتخابات، فإنه يمكن القول، إن اليمين الحاكم رغم انه نجح في إكمال ولايته المنتهية، إلا انه يخسر هذه الانتخابات، بالنظر الى أن استطلاعات الرأي تعلن منذ وقت طويل عن التقارب بين معسكري الائتلاف الحاكم والمعارضة، دون العرب، وبما يقارب من 50 مقعدا لكل منهما، اكثر او أقل بما بين 2 ـــ 4 مقاعد، ويبدو أن كلا المعسكرين متأكد من هذه النتيجة، مع نسبة خطأ لا تتجاوز 5%، فبنيامين نتنياهو الذي اعتاد أن يقاتل في كل انتخابات سابقة حتى اللحظة الأخيرة، وكان وبالضد من التوقعات يؤكد انه سيفوز، وهذا ما حصل على الأقل في الانتخابات السابقة، لكنه هذه المرة، وقبل أيام معدودة من يوم الاقتراع، حذر في لقاء مع القناة 14 العبرية من تشكيل حكومة برئاسة أفيغدور ليبرمان، لكنه لم يستبعد تشكيل حكومة بالتناوب مع غادي آيزنكوت، وإن كان اعتبر مثل تلك الحكومة، بمثابة حكومة شلل، لن تكون قادرة على اتخاذ القرارات، وهو يقصد بالطبع، تلك الخاصة بمواصلة الحرب الإقليمية على طريق إقامة إسرائيل الكبرى، التي تتطلب حكومة حرب مثل الحكومة المنتهية ولايتها، أي مشكلة من اليمين واليمين المتطرف. 

بالطبع أن يحصل الائتلاف الحالي على 50 ـــ 52 مقعدا بعد أن كان في الكنيست الخامس والعشرين قد حصل على 68 مقعدا، هذا يعتبر تراجعا كبيرا، وبالنظر الى أن شريكي «الليكود»، الحريديم من جهة واليمين المتطرف من جهة ثانية، من المتوقع أن يحصلا على ما يقارب عدد مقاعدهما في الكنيست المنتهية ولايته، فإن الخاسر الأكبر هو «الليكود»، الذي كان قد حصل على 32 مقعدا، قبل أربعة أعوام، فيما من غير المتوقع أن يتجاوز عدد مقاعده هذه المرة العشرين مقعدا بكثير، ما يعني أنه قد خسر ثلث قوته البرلمانية، وأنه في طريقه للتآكل، كما حدث مع منافسه السابق حزب العمل، وذلك بعد مواصلة نتنياهو بالتحديد جر إسرائيل ناحية اليمين، ومن ثم لليمين المتطرف، وبالتالي نقل الدولة من دولة «الاشكناز» الليبرالية الغربية الى إسرائيل الكبرى، دولة الشرق الامبراطورية، وهذا يتعاكس مع طبيعة «الليكود» الذي تأسس كحزب اشكنازي يميني لبيرالي.

من ضمن القراءات اللافتة للاهتمام، كانت نسبة من حسموا أمرهم فيما يخص التصويت، وكانت 60%، مع 28% يمكن أن تتنقل أصواتهم بين أحزاب المعسكر الواحد، أي أن 88% من الإسرائيليين تقف في إطار احد المعسكرين، وهذا يؤكد حالة الانقسام الداخلي، رغم أن المعسكرين لا يختلفان كثيرا لا فيما يخص برامجهما السياسية الخارجية، سواء تلك المتعلقة بالحرب، او بالعلاقة مع الجانب الفلسطيني، ولا فيما يخص السياسة الداخلية، مع العلم أن كل معسكر يجمع متناقضات، فالائتلاف الحاكم، يضم «الليكود»، وهو طالما كان يعتبر يمينيا ليبراليا غربيا، وهو الذي وقع اتفاقيات كامب ديفيد، وفكك مستوطنة «ياميت» في سيناء، وانسحب من جانب واحد من قطاع غزة 2005، ومن مستوطنات شمال الضفة الفلسطينية، ويضم كذلك اليمين المتطرف، حزب المستوطنات، وإن كان على صورة حزبي «اليهودية الصهيونية» و»القوة اليهودية»، إضافة للحريديم، الذين ليس لهم مواقف سياسية حادة، لا داخليا ولا خارجيا، وفقط هم يثيرون حنق معظم الناخبين بعدم تجنيد طلاب التوراة في الجيش، وهذا أمر ملح بالنسبة لدولة تخوض حروبا متواصلة، خاصة الحرب الحالية المستمرة منذ 3 سنوات، ويريد نتنياهو أن يواصلها.

كذلك الأمر بالنسبة لأحزاب المعارضة، التي هي خليط بين أحزاب يمينية تقليدية، مثال «إسرائيل بيتنا»، ويمين الوسط مثل حزب «معا»، المكون من حزب وسطي ومن بقايا حزب «البيت اليهودي» بقيادة نفتالي بينيت، إضافة الى حزب آيزنكوت الذي يجمع أعضاء يمينيين وقادة جيش سابقين، وفقط هناك الحزب الديمقراطي، المكون ممن تبقى من حزبي «العمل» و»ميرتس»، والذي يمكن اعتباره قد بات حزب يسار الوسط، ومقابل كل هؤلاء الذين لا يؤيدون حل الدولتين، ويؤيدون مواصلة الحرب بدرجة او بأخرى، ومتابعة الاستيطان في الضفة الفلسطينية وان بدرجة اقل حدة، كذلك مواصلة فرض الانقسام الفلسطيني، واقتراح تسليم الضفة للأردن لإدارتها، والبحث عن طرف عربي لإدارة غزة، كما قال ليبرمان قبل أسابيع، هناك فقط العرب بقائمتيهما، اللتين تجتمعان على إسقاط نتنياهو، فيما توافق إحداهما على مشاركة المعارضة في التشكيل الحكومي القادم، بينما توافق الأخرى على تقديم شبكة أمان للحكومة البديلة لحكومة نتنياهو. 

بالمجمل، يمكن النظر الى أن حصيلة الأربع سنوات الأخيرة، هي التي تسببت في تشكل الحالة السياسية الإسرائيلية، التي يمكن القول، إنها قد انتقلت من حالة الانقسام السياسي الى الانقسام المجتمعي، خاصة سنوات الحرب الثلاث، وحتى نقترب من الصورة اكثر، علينا أن نتذكر أن الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل قد بدأت عهدها بشن حرب على مؤسسات الدولة «الاشكنازية»، حيث كانت تواجه بتظاهرات متواصلة في المدن الصناعية، وذلك حين بدأت بشن الحرب على القضاء، بعد أن قوضت بمجرد تشكيلها صلاحيات مؤسسات الدولة، أي الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية، وذلك بتسليم الأمن الداخلي لإيتمار بن غفير، وتقسيم صلاحيات الجيش بين وزيره السابق الليكودي يوآف غالانت وبتسلئيل سموتريتش، وكان واضحا ان إسرائيل تنقسم في الشارع بين جمهور الدولة الليبرالية الغربية، وجمهور دولة المستوطنين التي تسعى لإقامة إسرائيل الكبرى، الى أن وقعت عملية طوفان الأقصى، حيث تحررت حكومة اليمين المتطرف من عبء المواجهة الداخلية، وأطلقت حرب إسرائيل الكبرى التي ما زالت متواصلة. 

لكن عدم تحقيق النصر، وإن كان الجيش قد حقق إنجازات تكتيكية، أبقى هذا الهدف معلقا، يحتاج لمواصلة الحرب على أقل تقدير، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، مشاركة أميركية مستمرة فيها، ذلك أن إسرائيل وحدها غير قادرة على إنجاز هدف الحرب الإقليمية، وهو تحطيم ايران، وفرض إسرائيل الكبرى باحتلال أراضٍ شاسعة على حساب سبع دول عربية، وبالضد من الدول الإسلامية السنية، أي تركيا وباكستان، ولأن نتنياهو بات مدركا بأن السيطرة الأميركية على العالم في حالة أفول، فهو مضطر لإنجاز هذه المهمة خلال ما تبقى من ولاية ترامب، وهو نجح أولا بالمراهنة على ترامب للفوز في الانتخابات الأميركية 2024، ثم بالمراهنة على دفعه لمشاركته في الحرب، وذلك في فصلها الأخير الخاص بإيران. 

على أي حال، يمكن القول، إن مساحة المناورة لدى نتنياهو بالتحديد قد ضاقت كثيرا، فهو يراهن داخليا على عدم قدرة المعارضة على تشكيل حكومة، وهذا يبقيه فترة إضافية كرئيس حكومة تسيير أعمال حتى انتخابات أخرى تالية، ويراهن على عدم قدرة الحزب الديمقراطي الأميركي على الفوز بنتيجة كبيرة، تمكنه من تكبيل يدي ترامب في حرب الشرق الأوسط، والأهم أن خيوط اللعبة لم تعد بين يديه وحده على الأقل، ولم يعد كل ما يريده يتحقق، لذلك هو سيظل يحاول لآخر لحظة، ولن يقر بالهزيمة، ليس الانتخابية، بل السياسية، أي هزيمة مشروعه الخاص بإسرائيل الكبرى. من خلال إلحاق الهزيمة الانتخابية بهم في انتخابات الكنيست أولا، ومن ثم بإفقاد الحزب الجمهوري لأغلبيته البرلمانية، لإخراج ترامب من دائرة تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، ثم بعد ذلك من خلال تجميع قوى الشرق الأوسط العسكرية والسياسية، مع إرادة العالم كله باستثناء نتنياهو وترامب، اللذين في حالة هزيمتهما الانتخابية، سيفقدان قدرتهما على مواجهة العالم، وذلك لفرض وقف الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط أولا، ومن ثم لفرض حل الدولتين ثانيا، والذي سيكون ثمرة النظام العالمي قيد التشكل، الذي سيخلف النظام العالمي الأميركي الذي تورط بحرب الإبادة في آخر عهده سيئ الذكر والصيت والسمعة.