نتنياهو في مواجهة معسكر المعارضة وتشكيل الحكومة دون عرب الداخل

غسان مصطفى الشامي.jpg
غسان مصطفى الشامي


قلم: د. غسان مصطفى الشامي
[[email protected]][email protected]
انتهت الانتخابات الإسرائيلية للكنيست في دورتها السادسة والعشرين، بعد أطول حرب خاضها الكيان في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على الأرض والسكان-  ولكن لم تُنته المعركة السياسية برمتها ولم تحسم تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة داخل الكيان.
إن صناديق الاقتراع لم تحسم معركة رئاسة الوزراء الإسرائيلية، ولم تستطع إزاحة بنيامين نتنياهو، آخر (ملوك إسرائيل)، من منصبه وترحيله من المشهد السياسي الإسرائيلي برمته، وعلى عكس كافة التوقعات واستطلاعات الرأي والرهانات التي سادت قبل الاقتراع، اقترب حزب الليكود بزعامة( نتنياهو )ومعسكر اليمين المتطرف بمقاعده من معسكر المعارضة بزعامة رئيس الأركان السابق( غادي آيزنكوت)، الأمر الذي يجعل مهمة تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة مهمة شبه مستحيلة دون اللجوء إلى أحد خيارين، وكلا الخيارين صعب ومُر بالنسبة لنتنياهو.
ويرى كاتب المقال أن الخارطة التي أفرزتها صناديق الاقتراع الإسرائيلية الأخيرة تؤكد أن المجتمع الإسرائيلي ما زال منقسماً عمودياً بشكل حاد، ولا يستطع معسكر اليمين بقيادة( نتنياهو) يستطيع امتلاك أغلبية كبيرة مثل التي حصدها في الانتخابات السابقة لتمكينه من تشكيل حكومة يمينية خالصة ومستقرة، ولا يستطع معسكر المعارضة بقيادة( آيزنكوت) و(يائير لابيد )و(بيني غانتس ) العمل على  تشكيل حكومة إسرائيلية صهيونية بديلة.
هذا التعادل السلبي في الحقيقة يمثل حلقة صعبة ومعقدة تضع نتنياهو أمام مأزق حقيقي، فهو مضطر للاختيار بين الائتلاف مع جزء من المعارضة، أو الذهاب إلى عرب الداخل - فلسطينيي 48 - والمقاعد التي حصلت عليها القوائم العربية، وهي كتلة تؤهله لتشكيل حكومة قوية، وهذا خيار صعب وعسير أمام الزعيم الإسرائيلي نتنياهو.
وعند الحديث عن الخيار الأول، يتضح أن أي تشكيل لحكومة وحدة مع المعارضة، يبدو نظرياً ممكناً، لكنه عملياً يمثل انتحاراً سياسياً لنتنياهو، خاصة أن حلفاء نتنياهو في الأحزاب الإسرائيلية السياسية الأخرى، مثل حزب الصهيونية الدينية بزعامة( بتسلئيل سموتريتش)، وحزب العظمة اليهودية بزعامة (إيتمار بن غفير)، لن يقبلوا بأي حكومة تتخلى عن المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية الكبرى مثل مشروع الضم، وشرعنة البؤر الاستيطانية، ومشروع وتوسيع السيطرة على المسجد الأقصى المبارك.
إن أي تقارب مع معسكر( آيزنكوت) سيُفسر من قبل قاعدته المتطرفة كخيانة لمشروع اليمين الأيديولوجي المتطرف الذي بناه طوال السنوات الماضية.
كما أن( آيزنكوت) نفسه يدرك أن الدخول في حكومة مع نتنياهو سيحرقه سياسياً، ويضعه في خانة من ساهم في إنقاذ نتنياهو من محاكمته بتهم الفساد والجرائم الجنائية الأخرى، وأبرزها إخفاق السابع من أكتوبر.
أما الخيار الثاني، وهو الأكثر تعقيداً أمام( نتنياهو)،  وهو يتمثل بالاعتماد على أصوات القوائم العربية، حيث ان القوائم العربية مجتمعة حصلت على كتلة برلمانية لا يستهان بها فقد حصلت على تسعة عشر مقعداً وفقاً للنتائج الأولية، والقوائم العربية تعد  كتلة كفيلة بترجيح أي معسكر، لكن في المقابل فإن اليمين الإسرائيلي خاض حملته الانتخابية كلها على شعار مركزي هو "حكومة يهودية خالصة بدون دعم العرب"، واستثمر في تخويف الناخب اليهودي من سيناريو حكومة مدعومة من الداخل الفلسطيني، وبالتالي فإن أي توجه لنتنياهو نحو عرب الداخل سيُعتبر سقوطاً مدوياً لخطابه الانتخابي، وسيُستغل من قبل (بن غفير) و(سموتريتش) لإسقاطه.
في المقابل، فإن معسكر المعارضة بزعامة( آيزنكوت) يعيش المأزق نفسه، فهو من جهة يحتاج إلى أصوات العرب لتشكيل حكومة بديلة، ومن جهة أخرى يخشى أن يوصم كـ "حكومة معادية للصهيونية مدعومة من منصور عباس وأيمن عودة".
إن هذا التردد التاريخي لدى المعارضة الإسرائيلية بالكيان في حسم علاقتها مع المكون العربي هو ما أفشلها في انتخابات 2022، وهو ما قد يفشلها مجدداً اليوم، فهي تريد أصوات العرب في الكنيست دون أن تمنحهم شراكة حقيقية في الحكم، وهو منطق إقصائي لم يعد مقبولاً حتى من الناخب العربي نفسه الذي بات أكثر وعياً بقوته السياسية.
ويشدد كاتب المقال أن ما تكشفه هذه الانتخابات هو تحول أعمق في بنية المجتمع الإسرائيلي، حيث لم يعد الصراع بين يمين ويسار، بل بين يمين ويمين-وسط. فاليسار التاريخي ممثلاً بحزب العمل وميرتس يكاد يختفي من الخارطة الحزبية السياسية الإسرائيلية، بينما أصبح قطعان المستوطنين هم مركز القرار وليس هامشه. بل إن الخطاب الديني القومي المتطرف هو الذي يحكم الإعلام والتعليم والجيش، وهذا يفسر لماذا بقي نتنياهو رغم كل أزماته القضائية.
ويرى كاتب المقال أن المشهد السياسي الإسرائيلي القادم مرشح لسيناريوهين لا ثالث لهما؛ أما السيناريو الأول يقوم على  تشكيل حكومة وحدة وطنية هشة ومؤقتة بين الليكود وجزء من المعارضة، حكومة ستنفجر من الداخل خلال أشهر بسبب التناقضات حول القضاء والاستيطان وحرب غزة.
أما السيناريو الثاني فهو يتمثل في  الذهاب إلى انتخابات سادسة وسابعة، في ظل إصرار المنظومة السياسية الإسرائيلية على قاعدة "تشكيل الحكومة دون عرب الداخل"، رغم أن الواقع الرقمي والبرلماني يقول إن أي حكومة مستقبلية لن ترى النور دون المرور عبر بوابة فلسطينيي الداخل.
وفي الختام، لم تنته المعركة السياسية الإسرائيلية على خلع نتنياهو فحسب، بل بدأت مرحلة جديدة من الاستنزاف السياسي، عنوانها أن (إسرائيل) الدولة العبرية في ثمانينيات عمرها، لم تعد قادرة على حسم خياراتها الاستراتيجية وتشكيل حكومتها دون الاعتراف بالوزن الحقيقي للمقاعد العربية.
إلى الملتقى