بقلم : محمد مصطفى شاهين
في ظل الحرب المستمرة على غزة تتجلى معاناة اطفال هذا القطاع كواحدة من اشد المآسي الانسانية في العصر الحديث حيث يفقد هؤلاء الصغار حياتهم الطفولية بأكملها ويتحولون الى ضحايا مباشرين لاستراتيجية ارهابية اسرائيلية تجمع بين العمليات العسكرية والنفسية في آن واحد اذ يصبح الطفل الغزي بين جريح وشهيد ومعاق ومريض في مشهد يومي يعكس انهيار كل معايير الانسانية والقانون الدولي وقد بلغ عدد الاطفال الشهداء وفق احدث الاحصائيات اكثر من عشرين الفا ومائة وتسعة وسبعين طفلا.
ان هذه الاستراتيجية الارهابية لا تقتصر على القصف والتدمير بل تمتد الى ابعاد نفسية عميقة تهدف الى كسر ارادة الجيل الجديد في غزة من خلال فرض واقع من الرعب المستمر حيث تتردد اصوات المدافع والقصف ليلا ونهارا وتتراكم مناظر الدمار والشهداء المقطعة اوصالهم امام اعين الاطفال الذين ينامون على اصوات الرصاص والانفجارات فيفقدون الاحساس بالامان الذي هو حق اساسي لكل طفل في هذا العالم.
وقد اصبح الاطفال في غزة يعيشون في حالة من الفقدان المتواصل لاحبائهم واصدقائهم اذ يختطف الموت افراد اسرهم واحدا تلو الاخر ويتركون وحيدين يواجهون واقعا قاسيا يتجاوز قدراتهم النفسية والجسدية مما يؤدي الى تراكم الصدمات التي تحول الطفولة الى مجرد ذكرى بعيدة لا مكان لها في حاضر مليء بالدمار والخوف.
ومن ابرز الامثلة على هذه المأساة قصة الطفل محمد الذي فقد والديه واخوته في قصف اسرائيلي واحد فاصبح يتيما في لحظة واحدة يواجه العالم بمفرده بعد ان تحول منزله الى ركام ودفن احباؤه تحت الانقاض في مشهد يلخص حجم الجريمة الانسانية المرتكبة بحق اطفال غزة ويبرز كيف تتحول الاستراتيجية العسكرية الى اداة للابادة النفسية والاجتماعية.
ان الاطفال الذين ينجون من الموت يتحولون الى جرحى ومعاقين ومرضى يعانون من اصابات جسدية ونفسية مزمنة في ظل غياب الخدمات الطبية الكافية وتدمير المستشفيات والمدارس مما يجعلهم ضحايا مزدوجين للحرب والحصار في استراتيجية تهدف الى اضعاف المجتمع الغزي من جذوره وحرمانه من جيل قادر على البناء والمقاومة.
وبلغة سياسية وانسانية تذكرنا بمفاهيم العدالة والكرامة الانسانية كما حللها المفكرون النقديون فان ما يجري في غزة يمثل انتهاكا صارخا لكل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الطفل ويضع النظام الدولي امام اختبار حقيقي لقدراته على حماية الضعفاء من الة القتل المنظمة التي تستهدف الطفولة عمدا.
ان هذه المعاناة لا تقتصر على الابعاد المادية بل تمتد الى تدمير الهوية والامل حيث يفقد الاطفال القدرة على اللعب والتعلم والحلم في مستقبل افضل فيتحولون الى شهود على جريمة مستمرة تجعل من غزة مختبرا للارهاب النفسي والعملياتي الذي يتجاوز حدود الحرب التقليدية الى حرب على الانسانية ذاتها.
وفي مواجهة هذا الواقع يصبح من الضروري الدعوة الى فعل قضائي دولي عاجل يحاسب المسؤولين عن هذه الجرائم ويوقف القتل في غزة من خلال تفعيل اليات العدالة الدولية ومحاكم الحرب لحماية الاطفال وفرض احترام القانون الدولي الانساني قبل ان يتحول الجيل الغزي بأكمله الى جيل من الضحايا الذين لا يعرفون سوى صوت المدفع وصورة الدمار.