أحياناً يغرق الواقع في السخرية حد الحزن، وذلك وهو يفتح على ما يشبه المأساة التي تتجسد بكل تفاصيلها الكاريكاتورية من ثورة وقوى تحرر وطني بدأت بفكرة رفض الظلم وتحرير الإنسان لتنتهي إلى مجرد حالات تَسَلُّط ومزيد من ظلم الإنسان والإمعان في الاستيلاء على حقوقه وحكمه للأبد والاستخفاف، حتى بالنظر إذا كان يقبل هذا الحكم الذي أورثه كل هذا الخراب الوطني والإنساني أم لا.
المفارقة جارحة وطنياً بين القيادي الفلسطيني أحمد الطيبي الذي ترشح للانتخابات لدى دولة احتلال، ويمارس هو ومن تبقوا حقهم الديمقراطي بل ويلعن رئيس الوزراء ويهين وزير الأمن الداخلي ويصرخ في برلمان المحتل ليذكره بعنصريته وزواله كآخر احتلال، يمارس دعايته الانتخابية متنقلاً بلا خوف بين ناخبيه يحثهم على الخروج للتصويت لهزيمة حكومة تقود الأمن والجيش والمخابرات والقنابل النووية والمال وكل شيء ثم يجري انتخابه للكنيست فيقول: «سنكنسهم» ويقصد بذلك قادة إسرائيل ووزير أمنها وبين أحمد فوزي عطا الله ابن العم الذي لم يتوقف عن الاشتباك على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي يبقيها النظام السياسي والأمني الفلسطيني بشقيه في غزة والضفة للمواطن الفلسطيني للتعبير عن رأيه ومع ذلك تتابع أجهزة الأمن مراقبة كل ما يكتبه الناس، فأحمد هذا الذي دفعته سياسات حركة حماس مثلاً للنزوح في خيمة بعد أن انهدم بيته يعيش محروماً هو وأطفاله من أي شيء لا يملك حق التصويت لاختيار من يحكمه، فببساطة يقوم السياسيون الذين يتسيدون أحمدنا بالاتفاق على استمرار حكمه دون استشارته حتى وعدم إجراء الانتخابات.
في دولة الاحتلال لأحمد الطيبي قضاء ومحكمة، إذا ما فكر السياسيون الانتهازيون والعنصريون منعه ومعه شعبه من الترشح والانتخاب، تتدخل تلك المحكمة لتحافظ له على هذا الحق.
لكن أحمد فوزي الذي يبحث عن القضاء الذي يضع نفسه خادماً للحكم وضباط الأمن ويغيب حين يتطلب قول ما يخص المواطن، ويحضر بقوة حين يتعلق الأمر بحق الحكم إذا ما تغول عليه المواطن، لكن ابن العم الذي يخشى المطالبة بحقه والتعبير عن رغبته بتغيير طاقم القيادة البائس والمغامر بالبلاد والعباد تأتيه مكالمة تهديد فيراسلني من بعيد ليودع اسم الذي قام بتهديده إذا ما تعرض لشيء، كل هذا لأنه يطالب بحقه كمواطن يدفع ثمن شهوة السلطة لدى الفصائل حتى لو سلطة على جثة البلاد التي أصبحت كذلك.
لا يعني هذا ترويجاً للاحتلال، فلا شيء يغسل تاريخ هذه الدولة الطويل وعارها من الإجرام والذي أنهته بارتكاب أفظع إبادة جماعية في القرن، ولا يعني أنها تعطي الحق لأقل من عشرة في المئة من الفلسطينيين، حق الانتخاب أنه يمكن لتسعين في المئة أن ينسوا جريمتها.
لكن المسألة التي تستدعي التوقف هنا عن المستوى الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني تحت حكم القوى والفصائل والثورة والنظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته، الحكم الفلسطيني الذي لم يغادر التاريخ العربي الطويل والدامي في الصراع على السلطة، فهي لدى العرب ليست حاجة بل غريزة شهد التاريخ حالات قتل بين الإخوة والأشقاء وانقلاب على الآباء من أجلها.
فهل سيتصور الفلسطيني أن يسمح له الفلسطيني الحاكم أن يزيحه بالانتخاب ؟
وهل نسي المواطن الفلسطيني وخاصة في غزة كيف أطلقت الفصائل النار على بعضها وخاضت معارك مسلحة من أجل السلطة ؟
تلك ببساطة هي القصة، ومن المؤسف أن يقارن الفلسطيني بين حكمه الوطني وحكم الاحتلال، ومن المؤسف أن يتحسر النشطاء الشباب والطامحون للعمل الذين يتحضرون منذ خُمس قرن بعد آخر انتخابات فلسطينية للدخول للعمل السياسي قبل أن يشيخوا وتشيب أعمارهم وهم يتفرجون على مسرح العبث الذي تقيم عليه القوى السياسية الحاكمة مسلسلاتها الطويلة عن المصالحة، والحديث الكبير عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتداول السلطة وتدافع الاجيال. وكل هذا الكلام الذي تحفظه من الكتب الأجنبية.
وبين أحمد الطيبي والطيبة وأحمدنا وغزة تتسع المسافة، حيث يلعن أحمد فوزي الجد لأنه كان جباناً فهرب إلى غزة ليجد الحفيد نفسه خائفاً من عنصر أمن صغير إذا ما طالب بالانتخابات أو سخر من مجموعة مغامرين تسببوا بسحق البلاد، بينما كان يمكن أن يجري انتخابه في مثل هذه الأيام فيشتم بنيامين نتنياهو في الكنيست بلا خوف ... تلك هي المفارقة الجارحة، كان يجب أن يبقى الجد هناك أو أن يهاجر شمالاً كما عنوان الرواية الأجمل للروائي السوداني الطيب صالح بدلاً من الرحيل لغزة، والحكم على الأبناء والأحفاد بالذل والنزوح والخوف والمهانة والاستيلاء على حقوقهم من قبل ذوي القربي واحتلال النظام السياسي رغماً عنهم كما يفعل الاحتلال بالأرض.
هي فانتازيا الواقع الفلسطيني الذي يصر على الانتصار على إسرائيل بكل هذا العجز وشهوة السلطة والفشل في إدارة البلاد والعباد حد إشاعة الخراب وصناعة الفوضى، بل إن هذا النظام الذي أعفى نفسه من الانتخابات كان يراقب انتخابات إسرائيل ليعرف ماذا ستفعل به إسرائيل، في حين يجب أن نؤمن أن الشرعية من الشعب أصلاً وأن المقرر هو الشعب، وأن صاحب السلطة والصلاحيات هو الشعب، وإذا كان صاحب الصلاحيات بمصيره هي إسرائيل فلا عزاء للشعوب التي تسلم نفسها للبسطاء وغير السياسيين ليعملوا في السياسة.