"فصل السلطات بين الفلسفة والقانون" للدكتورة هبة مرزوق الهباهبة.. سؤال التوازن بين السلطة والحرية

فصل السلطات.jpg
فصل السلطات

تتناول الباحثة الأردنية د.هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها "فصل السلطات بين الفلسفة والقانون"، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولًا إلى اقتراح "كود قانوني تشريعي" يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولًا إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولًا إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سن القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، فيما تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية.

وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل باعتباره ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرغ القانون من مضمونه، بينما يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.

وفي هذا السياق، تمنح المؤلفة البعد الفلسفي مكانة أساسية في قراءة التشريع، معتبرة أن إدماج الوعي الفلسفي والسياسي في العمل القانوني ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة للحد من التغول والتشريعات المجحفة، وإعادة بناء علاقة أكثر توازنًا بين فلسفة التشريع وفلسفة الدستور.

ويتحرك الكتاب ضمن أربعة محاور رئيسية؛ يبدأ بـ"نظرية الحق والحقوق الطبيعية"، ثم ينتقل إلى "نظرية الدولة وفصل السلطات"، ويتناول بعد ذلك "فصل السلطات كإطار لممارسة السلطة التشريعية"، قبل أن يصل إلى محور "إعادة تأسيس النظام القانوني"، حيث تقترح المؤلفة دمج الرؤية الفلسفية في آليات مواجهة التحديات الدستورية والقانونية المعاصرة.

وتستفيد الهباهبة في مقاربتها النقدية من عدد من الاتجاهات والمدارس الفلسفية والقانونية، من مونتسكيو ولوك وروسو إلى الفكر الماركسي، ومن الوضعية القانونية عند أوستن وكلسن إلى التصورات التي تربط القانون بالقيم والعدالة عند رادبروخ ودوركين، وصولًا إلى هابرماس ورولز. وبذلك يضع الكتاب مبدأ الفصل بين السلطات ضمن سجال أوسع حول طبيعة القانون ومصادر شرعيته وحدود السلطة.

ويخلص الكتاب إلى أن الفصل بين السلطات لا يحقق غايته بمجرد وجود نصوص دستورية تحدد اختصاصات المؤسسات، وإنما يحتاج إلى منظومة فاعلة من الضوابط والتوازنات والرقابة المتبادلة، وإلى قضاء مستقل قادر على حماية روح القانون والحقوق الأساسية. كما يدعو إلى جعل الشرعية القانونية عملية حوارية مستمرة، لا مجرد قواعد جامدة منفصلة عن قيم العدالة.

وفي الجانب التطبيقي، تقترح المؤلفة اعتماد فصل مرن بين السلطات يضمن التعاون من دون الوقوع في الدمج المخل، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة المتبادلة والاجتماعية، وإعادة تثبيت القانون بوصفه قيمة أخلاقية وضمانة للحرية، وصولًا إلى صياغة "كود قانوني/دستوري" يجمع بين القواعد الفلسفية والقانونية لمبدأ الفصل بين السلطات.

بهذا، يضع كتاب "فصل السلطات بين الفلسفة والقانون" النظرية الدستورية في مواجهة سؤالها الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن أن تتحول النصوص التي تنظّم السلطة إلى ضمانات فعلية للحرية والعدالة؟ ومن خلال الجمع بين التأصيل الفلسفي والتحليل القانوني والنظر النقدي، تفتح الهباهبة النقاش على ضرورة إعادة التفكير في الفصل بين السلطات بوصفه ممارسة مؤسسية حية، لا مجرد قاعدة دستورية ثابتة.

يشار إلى أن المؤلفة باحثة قانونية متخصصة في العقود القانونية باللغتين العربية والإنجليزية. تخرّجت في الجامعة الأردنية-كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للدراسات الدولية، وحصلت على درجة البكالوريوس في الحقوق، ثم درجة الماجستير في حقوق الإنسان والتنمية الإنسانية، وصولًا إلى درجة الدكتورة. وهي تمتلك خبرة عملية واسعة في صياغة العقود والاستشارات القانونية، إلى جانب اهتمام بحثي بالقضايا القانونية والإنسانية، ولا سيما حقوق اللاجئين والتشريعات الإنسانية، وتتميز برؤية نقدية عميقة في مقاربة هذه القضايا.