ملايين المستفيدين معرضون لتراجع الخدمات

أزمة مصرفية تهدد العمل الأهلي في غزة.. نصف حسابات المنظمات غير فعالة

القيود المصرفية
القيود المصرفية

كشفت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن اتساع القيود المصرفية التي تواجه المؤسسات الأهلية في فلسطين، محذرة من تداعياتها على استمرار العمل الإنساني والتنموي، ولا سيما في قطاع غزة، حيث باتت منظمات تمتلك حسابات مصرفية عاجزة عن استخدامها لتنفيذ معاملاتها المالية ودفع الرواتب أو استقبال التمويل.

وأظهرت ورقة حقائق أصدرتها شبكة المنظمات الأهلية بعنوان «القيود المصرفية على وصول المنظمات الأهلية إلى الخدمات المالية»، أن 47 منظمة من أصل 94 منظمة تمتلك حسابات في البنوك الفلسطينية أفادت بأن حساباتها غير فعالة، أي ما يعادل نصف المؤسسات التي لديها حسابات مصرفية ضمن عينة الاستبيان.

وتزداد الأزمة حدة في قطاع غزة، حيث أفادت 42 منظمة بأن حساباتها غير فعالة، مقابل 29 منظمة لديها حسابات فعالة، في مؤشر على اتساع الفجوة بين امتلاك الحساب المصرفي والقدرة الفعلية على الاستفادة منه.

وتحذر شبكة المنظمات من أن استمرار هذه القيود لا يهدد الاستقرار المالي للمؤسسات الأهلية وحدها، بل يمتد إلى مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعتمدون على الخدمات الصحية والاجتماعية والإنسانية التي تقدمها تلك المؤسسات.

98 منظمة تكشف حجم الأزمة

استندت ورقة الحقائق إلى استبيان نفذته شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية خلال الفترة من 29 آب/أغسطس إلى 12 أيلول/سبتمبر 2026، بمشاركة 98 منظمة أهلية فلسطينية.

وتوزعت المؤسسات المشاركة بواقع 74 منظمة تعمل في قطاع غزة، و11 منظمة في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب 13 منظمة تعمل في المنطقتين.

وبذلك، فإن 87 منظمة من إجمالي المؤسسات المشاركة، أي نحو 89%، تعمل في قطاع غزة وحده أو إلى جانب الضفة الغربية، ما يجعل نتائج الاستبيان معبرة بصورة أساسية عن التحديات التي تواجه المؤسسات العاملة في القطاع.

وأظهرت النتائج أن 94 منظمة، بنسبة 95.9% من المشاركين، تمتلك حسابًا مصرفيًا لدى أحد البنوك الفلسطينية، مقابل أربع منظمات لا تمتلك حسابات مصرفية.

غير أن امتلاك الحساب لم يكن كافيًا لضمان استخدامه؛ إذ أفادت 47 منظمة بأن حساباتها غير فعالة، وهو ما يعكس، وفق ورقة الحقائق، أن المشكلة تجاوزت مسألة فتح الحسابات إلى القيود المفروضة على تشغيلها وإجراء المعاملات المالية من خلالها.

وفي حين أبلغت ثلاث منظمات تعمل في الضفة الغربية والقدس عن حسابات غير فعالة، مقابل ثماني منظمات لديها حسابات فعالة، تركز العدد الأكبر من الحسابات غير الفعالة لدى المؤسسات العاملة في قطاع غزة.

وتشير ورقة الحقائق إلى أن عدم فعالية الحسابات قد يكون ناجمًا عن تجميدها بقرار مصرفي، أو عن توقف استخدامها نتيجة غياب الحركات المالية لفترة معينة، ما يستدعي التمييز بين الحالتين عند تقييم حجم الأزمة.

رفض فتح الحسابات دون توضيح الأسباب

لم تقتصر الصعوبات على تشغيل الحسابات القائمة، إذ أفادت 26 منظمة بأنها حاولت فتح حسابات مصرفية جديدة خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للاستبيان، لكنها لم تتمكن من ذلك.

ومن بين هذه المؤسسات، قالت 14 منظمة إن البنوك لم تقدم لها أسبابًا واضحة لرفض فتح الحسابات.

وأظهرت الإجابات أن أسباب الرفض الأخرى شملت متطلبات اعتماد مجالس الإدارة، والوثائق المؤسسية، وإجراءات الامتثال والعناية الواجبة.

وترى الشبكة أن غياب الأسباب الواضحة للرفض يضع المؤسسات أمام عقبة إضافية، إذ يحرمها من معرفة المتطلبات التي يتعين استكمالها لمعالجة المشكلة، ويُبقي قدرتها على الوصول إلى الخدمات المصرفية رهينة إجراءات غير واضحة.

وتثير هذه النتائج تساؤلات بشأن مستوى الشفافية في التعاملات المصرفية مع المؤسسات الأهلية، ومدى توافر إجراءات مراجعة وتظلم فعالة تسمح لها بمعالجة المشكلات التي تعترض حساباتها.

تجميد الحسابات وتعقيدات استعادة الأموال

رصدت شبكة المنظمات كذلك تعرض 20 منظمة لتجميد أو تقييد حساباتها المصرفية خلال فترات مختلفة، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات استمرت خلال الأشهر السابقة لتنفيذ الاستبيان.

وتنوعت الأسباب التي أوردتها المؤسسات بين مشكلات وثائق التسجيل واعتماد مجالس الإدارة، ومتطلبات التحقق من الهوية، وإجراءات الامتثال المصرفي، وتعطل العمليات المصرفية بفعل الحرب.

وفي ست حالات، أفادت المؤسسات بأن البنوك لم تقدم أسبابًا واضحة لتجميد الحسابات أو تقييد استخدامها.

وتكشف بيانات استعادة الوصول إلى الحسابات عن صعوبة معالجة الأزمة؛ فمن بين 45 منظمة أجابت عن هذا السؤال، قالت 31 منظمة، بنسبة 68.9%، إنها لم تستعد إمكانية الوصول إلى حساباتها، بينما أفادت 12 منظمة، بنسبة 26.7%، بأن حساباتها لا تزال قيد المراجعة.

في المقابل، تمكنت منظمتان فقط، بنسبة 4.4%، من استعادة الوصول إلى حساباتهما.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تتعلق بإجراءات مصرفية عابرة، وإنما بقيود قد تستمر فترات طويلة، بما ينعكس على قدرة المؤسسات على التخطيط لعملياتها وصرف التزاماتها.

الإجراءات الإدارية تتحول إلى أزمة تمويل

تبرز شبكة المنظمات العلاقة بين عمل المؤسسات الأهلية والإجراءات الإدارية المرتبطة بتسجيلها واعتماد مجالس إدارتها.

فقد أفادت 42 منظمة، بنسبة 42.9% من المؤسسات المشاركة، بأن مشكلات التسجيل أو التجديد أو الوثائق المؤسسية أو اعتماد مجالس الإدارة أثرت في قدرتها على فتح الحسابات المصرفية أو الحفاظ عليها أو استخدامها.

ووفق النتائج، فإن تأخر اعتماد مجلس الإدارة أو تحديث أسماء المفوضين بالتوقيع قد يؤدي إلى عدم تحديث بيانات المؤسسة لدى البنك، ومن ثم تجميد الحساب أو تعطيل استخدامه.

وتتفاقم هذه التعقيدات في قطاع غزة، حيث أدت الحرب إلى تدمير أو إغلاق مقار مصرفية، وتشتيت أعضاء مجالس إدارات بعض المؤسسات، وصعوبة التنقل والوصول إلى الجهات الرسمية.

وفي بعض الحالات، تُطلب من المؤسسات إجراءات تحقق إضافية أو حضور شخصي أو وثائق محدثة، رغم أن الظروف الميدانية قد تحول دون استيفاء هذه المتطلبات في الوقت المناسب.

وتحذر شبكة المنظمات من أن استمرار هذه الحلقة الإدارية والمصرفية يحوّل المشكلات التنظيمية إلى تهديد مباشر لاستمرار الخدمات، إذ تتوقف قدرة المؤسسة على دفع الرواتب والمستحقات وتنفيذ مشاريعها على استعادة إمكانية استخدام حسابها البنكي.

رواتب معلقة ومشاريع متوقفة

تظهر الآثار العملية للأزمة بوضوح في إفادات المؤسسات المشاركة بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

فبحسب جدول أبرز المشكلات الذي أوردته ورقة الحقائق، أفادت 22 منظمة، بنسبة 22.4% من إجمالي المشاركين، بتوقف كامل للمشاريع والأنشطة، فيما أشارت 15 منظمة، بنسبة 15.3%، إلى عدم قدرتها على صرف رواتب الموظفين.

كما أفادت 14 منظمة بتأخر تنفيذ المشاريع والمدفوعات، في حين أشارت عشر منظمات إلى فقدان مشاريع أو تمويل من جهات مانحة.

وتشمل التداعيات تراكم الديون للموردين، وتأخر شراء المستلزمات الضرورية، وتعطل التوريدات، فضلًا عن صعوبة الاحتفاظ بالكوادر المهنية واستمرار تقديم الخدمات الأساسية.

ولا تقتصر هذه التأثيرات على المؤسسات نفسها، بل تنعكس على قطاعات تقدم خدمات مباشرة للفلسطينيين، بما فيها الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

وأورد شبكة المنظمات إفادات لمنظمات تحدثت عن تقليص الخدمات الطبية أو توقف بعضها نتيجة تعطل العمليات المالية وصعوبة توفير المستلزمات.

وبذلك، تتحول القيود المصرفية من مشكلة مالية داخل المؤسسة إلى عائق أمام وصول الخدمات إلى السكان، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من تدهور الأوضاع الإنسانية.

نحو 3.75 مليون ضمن تقديرات المستفيدين المعرضين للتأثر

من أكثر نتائج ورقة الحقائث دلالة ما يتعلق بحجم التأثير المحتمل للقيود المصرفية على المستفيدين من مشاريع المؤسسات الأهلية.

فقد أفادت 66 منظمة من أصل 98 منظمة مشاركة بوجود مستفيدين من مشاريعها الحالية يُتوقع تأثرهم نتيجة القيود المصرفية.

وبلغ مجموع تقديرات المستفيدين المتوقع تأثرهم، وفق الأرقام التي قدمتها المؤسسات، نحو 3 ملايين و746 ألفًا و319 مستفيدًا.

غير أن ورقة الحقائق نبهت إلى أن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة عددًا مماثلًا من الأشخاص المختلفين؛ إذ قد يتكرر احتساب المستفيد الواحد نتيجة تلقيه خدمات متعددة أو استفادته من مشاريع تنفذها أكثر من مؤسسة.

كما أن الأرقام تعكس تقديرات للتأثير المحتمل، وليست حصرًا لأفراد ثبت تضررهم فعليًا.

ومع ذلك، تكشف البيانات اتساع نطاق الخدمات التي يمكن أن تتأثر عندما تعجز المؤسسات المحلية عن الوصول إلى التمويل أو استخدام حساباتها المصرفية.

وتشمل مسارات التأثير تأخير تنفيذ المشاريع، وعدم صرف الرواتب، وتأخر شراء المواد والمستلزمات، وتقليص الخدمات الاجتماعية والصحية، وخسارة فرص تمويل جديدة.

أزمة تهدد التمويل المباشر للمنظمات المحلية

يحذر التقرير من انعكاس القيود المصرفية على العلاقة بين المؤسسات الأهلية والجهات المانحة الدولية، ولا سيما في ظل اعتماد العديد من البرامج الإنسانية والتنموية على التمويل الخارجي.

وأفادت مؤسسات بأن تعطل الحسابات تسبب في تأجيل مشاريع جديدة، أو خسارة منح، أو إنهاء ترتيبات تمويلية، فضلًا عن صعوبة استقبال الأموال المخصصة للأنشطة.

كما أشارت بعض الإفادات إلى اضطرار المؤسسات للجوء إلى منظمات وسيطة أو جهات أخرى لاستقبال الأموال وتحويلها، عندما يتعذر استخدام حساباتها الأصلية.

وترى شبكة المنظمات الأهلية أن هذه الممارسات قد تقوض جهود توطين العمل الإنساني وتعزيز دور المؤسسات الفلسطينية المحلية، لأن الاعتماد على وسطاء ماليين قد يزيد التكاليف ويقلص قدرة الجهات المحلية على إدارة الموارد وتنفيذ أولوياتها بصورة مباشرة.

وفي ظل الاحتياجات الإنسانية الواسعة في قطاع غزة، يثير ذلك مخاوف بشأن قدرة المنظمات المحلية على الاستجابة السريعة للاحتياجات الطارئة، حتى في الحالات التي يتوافر فيها تمويل للمشاريع.

الضفة الغربية تواجه قيودًا من نوع آخر

ورغم تركز الأزمة في قطاع غزة، يشير التقرير إلى أن المؤسسات الأهلية في الضفة الغربية والقدس تواجه بدورها صعوبات مصرفية، وإن كانت تختلف نسبيًا في طبيعتها وحجمها.

وتشمل هذه الصعوبات القيود المتعلقة بسقوف الإيداع، ودفاتر الشيكات، والتحويلات بالعملات الأجنبية، إلى جانب التداعيات التي نسبها التقرير إلى التصنيف الإسرائيلي والعقوبات الأميركية المفروضة على بعض المؤسسات الحقوقية والأهلية.

وأشار في هذا السياق إلى مؤسسات من بينها الحق والضمير وبيسان.

ويخلص التقرير إلى أن التحديات التي تواجه العمل الأهلي الفلسطيني لا تقتصر على الظروف المرتبطة بالحرب في غزة، بل تشمل كذلك متطلبات تنظيمية ومصرفية وسياسية تؤثر في حرية عمل المؤسسات وقدرتها على إدارة مواردها.

مطالب بتدخل سلطة النقد والبنوك والجهات الرسمية

دعت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة القيود المصرفية، من خلال التنسيق بين سلطة النقد الفلسطينية والبنوك ووزارة الداخلية والجهات ذات العلاقة.

وشددت على ضرورة تسريع إجراءات اعتماد مجالس الإدارات وتحديث بيانات المفوضين بالتوقيع، وتسهيل فتح الحسابات الجديدة وإعادة تفعيل الحسابات المقيدة.

كما طالبت بإلزام البنوك بتقديم أسباب واضحة ومكتوبة عند رفض فتح الحسابات أو تجميدها أو تقييد استخدامها، مع توفير آلية سريعة وفعالة للمراجعة والتظلم.

وأوصت بإيجاد ترتيبات مصرفية ملائمة للظروف الاستثنائية في قطاع غزة، تسمح بتحديث البيانات والتحقق من الهوية عن بُعد عندما يتعذر الحضور الشخصي، مع مراعاة المتطلبات القانونية والتنظيمية.

ودعت كذلك إلى توفير ترتيبات انتقالية تضمن استمرار الحسابات المصرفية عندما تتأخر إجراءات تجديد مجالس إدارات المؤسسات، بما يمنع تحول التأخير الإداري إلى تعطيل كامل للخدمات.

وشملت التوصيات تعزيز التنسيق مع المانحين الدوليين للحفاظ على التمويل الإنساني والتنموي، وتطوير آليات تضمن استمرار وصول الأموال إلى المنظمات المحلية دون اضطرارها إلى الاعتماد على ترتيبات وسيطة.

أزمة تتجاوز القطاع المصرفي

تخلص نتائج ورقة الحقائق إلى أن القيود المصرفية أصبحت عاملًا إضافيًا يهدد قدرة المؤسسات الأهلية الفلسطينية على الاستمرار في تقديم خدماتها، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية، خصوصًا في قطاع غزة.

وتكشف البيانات أن المشكلة لم تعد محصورة في فتح الحسابات أو تجميدها، بل امتدت إلى سلسلة مترابطة تبدأ من الإجراءات الإدارية وتنتهي بتعطل الرواتب والمشتريات والمشاريع وفقدان التمويل.

وبينما تطالب المؤسسات الأهلية بإجراءات مصرفية أكثر وضوحًا ومرونة، يبرز تساؤل أساسي بشأن كيفية ضمان استمرار الخدمات الإنسانية عندما تصبح إمكانية الوصول إلى الأموال المتاحة للمؤسسات عائقًا أمام تنفيذ المشاريع.

وفي ضوء النتائج التي سجلتها الشبكة، فإن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من إعادة تفعيل الحسابات المعطلة؛ إذ تستدعي وضع ترتيبات مؤسسية ومصرفية توازن بين متطلبات الرقابة والامتثال، وضرورة حماية قدرة المنظمات الفلسطينية على تقديم خدماتها للسكان المتضررين.

المصدر: شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، ورقة حقائق حول «القيود المصرفية على وصول المنظمات الأهلية إلى الخدمات المالية»، 2026.