مركز العودة يستضيف المؤرخ الفلسطيني د. سلمان أبو ستة في ندوة حول الأرض والعودة والحقوق الفلسطينية

مركز العودة يستضيف المؤرخ الفلسطيني د. سلمان أبو ستة في ندوة حول الأرض والعودة والحقوق الفلسطينية.jpg

نظّم مركز العودة الفلسطيني ندوة رقمية خاصة تحت عنوان: "يوم الأرض 50: شقّ الطريق نحو العودة"، استضاف خلالها المؤرخ والباحث الفلسطيني البارز الدكتور سلمان أبو ستة، في حوار مفتوح أداره الأكاديمي والباحث الدكتور غابرييل بولي، تم بثها عبر عدد من المنصات الرقمية.

وافتتح الدكتور غابرييل بولي الندوة بالتأكيد على أهمية إحياء الذكرى الخمسين ليوم الأرض، باعتباره محطة مفصلية في التاريخ الوطني الفلسطيني الحديث، مستعرضاً الخلفية التاريخية ليوم 30 آذار/مارس 1976، حين واجه الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني مخططاً إسرائيلياً لمصادرة عشرات آلاف الدونمات من أراضي الجليل، عبر إضرابٍ عام ومواجهاتٍ شعبية واسعة أدّت إلى استشهاد ستة فلسطينيين، في حدثٍ شكّل علامة فارقة في الوعي الجمعي الفلسطيني ومسار الصراع على الأرض والهوية.

وفي مستهل حديثه، قدّم بولي نبذة عن الدكتور سلمان أبو ستة، بوصفه أحد أبرز المؤرخين والباحثين الفلسطينيين المتخصصين في جغرافيا فلسطين وحق العودة، ومؤسس ورئيس جمعية أرض فلسطين، وصاحب عدد من الأطالس والدراسات المرجعية التي وثّقت القرى والمدن الفلسطينية المدمّرة، مؤكداً أن مسيرته العلمية والحقوقية جعلت منه صوتاً مركزياً في الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

أبو ستة: الإبادة الجارية في غزة ليست حدثاً منفصلاً بل امتداد لمشروع استعماري طويل

في مداخلته الرئيسية، قدّم الدكتور سلمان أبو ستة قراءة تاريخية معمّقة تربط بين يوم الأرض والسياسات الاستعمارية الصهيونية الممتدة منذ أواخر القرن التاسع عشر، معتبراً أن ما يجري اليوم في قطاع غزة لا يمكن فهمه إلا بوصفه الحلقة الأحدث في مشروع ممنهج استهدف فلسطين أرضاً وشعباً. وأوضح أن المقولة الصهيونية الشهيرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لم تكن مجرد دعاية، بل شكّلت أساساً سياسياً لمشروع استعماري سعى إلى تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، وهو ما تجلّى لاحقاً في النكبة وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أكثر من 530 مدينة وقرية.

وأشار أبو ستة إلى أن تدمير القرى الفلسطينية وارتكاب المجازر بحق أهلها لم يكن عملاً عارضاً أو استثنائياً، بل سياسة متكررة وموثقة، مؤكداً أن الإبادة التي يشهدها قطاع غزة اليوم، وما يرافقها من قتل جماعي وتهجير وتجويع، تأتي ضمن ذات السياق البنيوي الذي تأسست عليه الحركة الصهيونية ومؤسساتها الاستيطانية. كما شدد على أن قمع السردية الفلسطينية ومحاصرة من يتحدث عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني يمثل بحد ذاته أداة من أدوات التطهير العرقي وإدامة الظلم.

قراءة أعمق لجذور القضية: ما قبل وعد بلفور

وفي محور مهم من الندوة، شدد الدكتور سلمان أبو ستة على ضرورة تجاوز القراءة الاختزالية للتاريخ الفلسطيني التي تبدأ عادةً مع وعد بلفور عام 1917، مؤكداً أن جذور المشروع الاستعماري أقدم من ذلك بكثير، وأن فهم فلسطين يقتضي العودة إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت البعثات الأوروبية، ومنها "صندوق استكشاف فلسطين"، بإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية ضمن أطر معرفية ذات خلفية استعمارية ودينية. وأوضح أن العمل الذي قامت به جمعية أرض فلسطين في إعادة قراءة هذه المواد وتوثيقها مكّن من تثبيت أكثر من 13 ألف اسم موضع ومكان فلسطيني، مع تصحيح أسمائها العربية الأصلية وتثبيت امتداد الوجود الفلسطيني التاريخي على الأرض.

كما لفت إلى التزامن الدال بين التقدم العسكري البريطاني في بئر السبع أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1917 وإعلان وعد بلفور بعد أيام قليلة، معتبراً ذلك دليلاً إضافياً على الطبيعة التآمرية للتحالف البريطاني-الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، وعلى أن الوعد لم يكن موقفاً سياسياً معزولاً، بل جزءاً من مشروع استعماري تم الإعداد له بالتوازي مع الاحتلال العسكري لفلسطين.

الصندوق القومي اليهودي: أداة استعمارية لاقتلاع الفلسطينيين ومصادرة الأرض

وتوقفت الندوة مطولاً عند الدور التاريخي والمعاصر لما يسمى الصندوق القومي اليهودي (JNF)، حيث أوضح أبو ستة أن هذه المؤسسة أُنشئت قبل قيام دولة الاحتلال بسنوات طويلة، وكانت منذ تأسيسها مخصّصة للاستحواذ على الأرض الفلسطينية وتجريد أصحابها منها. وأكد أن الصندوق لعب دوراً مركزياً في ترسيخ الاستيطان، وفي تغطية عمليات المصادرة والتهجير، كما استخدم مشاريع "التشجير" والحدائق العامة لطمس معالم القرى الفلسطينية المدمّرة وإخفاء آثارها.

وأشار إلى أن المؤسسة ما تزال مسجلة في عدد من الدول الغربية بصفة "جمعية خيرية"، رغم أنها - وفق توصيفه - أداة مباشرة في جريمة الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، داعياً إلى مساءلتها قانونياً في البلدان التي تنشط فيها، وفضح دورها في شرعنة الاستيطان والتطهير المكاني والسكاني.

لا شرعية لأي إجراء إسرائيلي يمس الأرض أو التاريخ أو الإنسان الفلسطيني

وفي سياق تناوله للتطورات الراهنة، شدد أبو ستة على أن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، أو إعادة تسمية المواقع الأثرية، أو إخضاع التراث الفلسطيني لسلطة الاحتلال، هي إجراءات باطلة قانوناً ولا تنتج أي حق مشروع. وأكد أن القانون الدولي واضح في أن الملكية الأصلية للأرض لا تسقط بفعل الاحتلال أو تغيير الإدارة أو القوانين المفروضة بالقوة، وأن الحقوق الفلسطينية في الأرض والملكية وحق العودة تبقى ثابتة وغير قابلة للإلغاء.

كما أشار إلى أهمية توثيق الانتهاكات بشكل مستمر، لا سيما في ظل توفر أدوات حديثة للرصد والتوثيق، مؤكداً أن المعركة القانونية والتوثيقية تظل ضرورية في مواجهة محاولات شرعنة الاستعمار الاستيطاني وفرض الأمر الواقع بالقوة.

الهجوم على الأونروا هو هجوم مباشر على القرار 194 وعلى القانون الدولي

وفي محور خاص حول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وصف أبو ستة الحملة الإسرائيلية-الغربية المتصاعدة ضد الوكالة بأنها هجوم مباشر على القرار الأممي 194 وعلى المنظومة القانونية الدولية ذاتها. وأوضح أن القرار 194 نصّ على ثلاثة عناصر متكاملة: حق اللاجئين في العودة، وتقديم الإغاثة لهم إلى حين عودتهم، وإنشاء آلية لتنفيذ العودة. وبيّن أن الأونروا تمثل اليوم المكوّن العملي الأبرز المتبقي من هذا القرار، وأن استهدافها يهدف في جوهره إلى تقويض المرجعية القانونية الدولية الخاصة بحق اللاجئين الفلسطينيين.

وأضاف أن استمرار الأونروا لا يخضع لإرادة دولة بعينها، بل لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ما زالت تجدد ولايتها وتحظى الوكالة فيها بتأييد واسع، ما يجعل محاولات إنهائها أو تجفيف دورها جزءاً من معركة أوسع تستهدف إلغاء الصفة القانونية والسياسية للاجئ الفلسطيني نفسه.

أطالس وخرائط فلسطين: توثيق علمي مضاد لمحاولات المحو

وفي ختام الندوة، استعرض الدكتور سلمان أبو ستة جانباً من أعمال جمعية أرض فلسطين، مشيراً إلى إصدار سبعة أطالس ومئات الأوراق البحثية المتخصصة، إضافة إلى مشروع توثيقي بارز بعنوان "خرائط فلسطين عبر ألفي عام"، الذي يجمع خرائط تاريخية لفلسطين منذ القرن الرابع الميلادي حتى العصر الحديث. وأوضح أن هذا المشروع يثبت بشكل علمي متماسك استمرارية أسماء الأمكنة الفلسطينية ووجودها التاريخي عبر قرون طويلة، بما يدحض الرواية الصهيونية التي حاولت تقديم فلسطين باعتبارها فضاءً بلا شعب أو ذاكرة.

كما أشار إلى أن المعرض المرتبط بهذا المشروع أُقيم في الكويت ثم القاهرة، ومن المخطط أن ينتقل إلى تركيا ولبنان، مع وجود عرض لاستضافته في لندن أيضاً، داعياً المهتمين والمؤسسات إلى التواصل مع الجمعية لاستضافة المعرض وتوسيع دائرة الوصول إلى هذا الأرشيف البصري والتاريخي المهم.

مركز العودة الفلسطيني: يوم الأرض يظل عنواناً للصمود والتمسك بالحق

وأكد مركز العودة الفلسطيني أن هذه الندوة تأتي في إطار جهوده المتواصلة لإحياء المحطات الوطنية الفلسطينية الجامعة، وتعزيز الوعي السياسي والحقوقي بقضية الأرض واللجوء والعودة، وربط الذاكرة الوطنية الفلسطينية بالمعركة الراهنة ضد الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والاستيطان، وتصفية الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

وشدد المركز على أن يوم الأرض، بعد خمسين عاماً، لا يزال مناسبة وطنية متجددة تؤكد مركزية الأرض في الهوية الفلسطينية، وتُعيد التذكير بأن حق العودة ليس مطلباً رمزياً أو مؤجلاً، بل حق فردي وجماعي ثابت، غير قابل للتصرف أو التقادم.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - لندن