قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني، إن إصدار الرئيس محمود عباس (أبومازن) قرارًا بقانون معدّلًا لقانون الانتخابات العامة يأتي في إطار التحضير المؤسسي والسياسي لإعادة بناء وتجديد الحياة الديمقراطية الفلسطينية، وتنظيم العلاقة بين انتخابات المجلس التشريعي وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
وأوضح مجدلاني، خلال مقابلة عبر برنامج “ما بعد الحدث” على شاشة تلفزيون فلسطين الرسمي، رصدتها "وكالة قدس نت للأنباء"، أن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات لا يمكن فصلها عن المسار الأوسع الذي بدأ بمرسوم الرئيس الخاص بالدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، والمقرر إجراؤها في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مشيرًا إلى أن هذا المسار يستهدف إعادة تفعيل المؤسسات التمثيلية الفلسطينية داخل الوطن وخارجه.
تعديلات انتخابية لتوسيع قاعدة التمثيل
وبيّن مجدلاني أن القرار بقانون تضمّن تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات العامة، أبرزها زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، ورفع الحد الأدنى لعدد المرشحين في كل قائمة انتخابية إلى 20 مرشحًا بدلًا من 16.
وأكد أن خفض نسبة الحسم يهدف إلى إتاحة المجال أمام القوى السياسية الصغيرة والأحزاب الجديدة للمشاركة في العملية الانتخابية، بما يعزز التعددية السياسية ويوسّع قاعدة التمثيل داخل المؤسسات المنتخبة.
المرأة والشباب في قلب العملية الديمقراطية
وأشار مجدلاني إلى أن التعديلات عالجت أيضًا مسألة تمثيل المرأة والشباب، من خلال تعزيز حضور المرأة في القوائم الانتخابية، بما يضمن تمثيلًا أوسع لها في الحياة السياسية وصنع القرار.
كما لفت إلى أن خفض سن الترشح إلى 23 عامًا يأتي في سياق تشجيع جيل الشباب على الانخراط في العملية الديمقراطية، بعد سنوات من العزوف عن المشاركة السياسية، معتبرًا أن إشراك الشباب يمثل ضرورة وطنية لتجديد الحياة السياسية والمجتمعية.
التشريعي والوطني: علاقة تكامل لا فصل
وأوضح مجدلاني أن النقاشات داخل اللجان المختصة خلصت إلى أن الانتخابات داخل الوطن ستجري على أساس القانون الأساسي المعدل لعام 2003، وأن انتخابات المجلس التشريعي ستُجرى في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، على أن يكون الأعضاء المنتخبون في المجلس التشريعي أعضاء طبيعيين في المجلس الوطني الفلسطيني.
وأضاف أن هذا الترتيب يهدف إلى ربط المسار الانتخابي الداخلي بإعادة تشكيل المجلس الوطني، بما يعزز وحدة التمثيل الفلسطيني ويعيد بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية.
الانتخابات ليست مسألة فنية فقط
وشدد مجدلاني على أن تحديد موعد انتخابات المجلس التشريعي لا يرتبط فقط بالتحضيرات الفنية، رغم أن لجنة الانتخابات المركزية تحتاج إلى نحو 90 يومًا من تاريخ صدور المرسوم الرئاسي للدعوة إلى الانتخابات، بل يرتبط أيضًا بحسابات سياسية وإقليمية ودولية معقدة.
وقال إن المشهد السياسي العام في المنطقة ما زال بحاجة إلى مزيد من الوضوح، خاصة في ظل التطورات الإقليمية، والوضع في قطاع غزة، والانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إضافة إلى المتغيرات السياسية في الولايات المتحدة، مؤكدًا أن هذه العوامل سيكون لها تأثير مباشر على تحديد التوقيت النهائي لإجراء الانتخابات.
غزة والقدس في صلب الضمانات السياسية
وأكد مجدلاني أن إجراء الانتخابات يجب أن يشمل كامل الأرض الفلسطينية، بما في ذلك قطاع غزة والقدس الشرقية، مشيرًا إلى أن مشاركة القدس لا تقتصر على الترشح ضمن القوائم العامة، بل تشمل أيضًا حق التصويت، وهي قضية سياسية تحتاج إلى معالجة وضمانات واضحة.
وأضاف أن الوضع في قطاع غزة ما زال بحاجة إلى وضوح أكبر، بما يضمن مشاركة القطاع في العملية الانتخابية، ويمنع أي عراقيل قد تحول دون شمولية الاقتراع ووحدته الجغرافية والسياسية.
لجنة الانتخابات للداخل ولجنة متابعة للخارج
وأشار مجدلاني إلى أن لجنة الانتخابات المركزية ستتولى إدارة الانتخابات داخل الوطن، بحكم خبرتها السابقة في تنظيم الانتخابات المحلية والبلدية بنزاهة وشفافية، فيما ستتولى لجنة المتابعة التي شكلها الرئيس متابعة ترتيبات انتخابات المجلس الوطني في الخارج.
وأوضح أن الانتخابات في الشتات تحتاج إلى آليات خاصة تراعي أوضاع الفلسطينيين في أماكن وجودهم، وتضمن مشاركة واسعة في عملية تجديد المجلس الوطني الفلسطيني.
قانون الأحزاب.. استحقاق مكمل للمسار الانتخابي
وفي ما يتعلق بقانون الأحزاب السياسية، قال مجدلاني إن المشروع لا يزال قيد النقاش، لكنه يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية قبل الذهاب إلى الانتخابات.
وأوضح أن القانون المقترح يقوم على مبادئ أساسية، أبرزها التزام أي حزب سياسي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها الوطني وقرارات الشرعية الدولية، إضافة إلى عدم ارتباط الحزب بتنظيمات خارج فلسطين، وعدم تلقيه تمويلًا خارجيًا، وعدم امتلاكه تشكيلات عسكرية أو ميليشياوية.
وأكد أن الهدف من هذا القانون هو تنظيم الحياة الحزبية ضمن نظام سياسي مدني، تعددي، وديمقراطي، يقوم على المساواة وتكافؤ الفرص والالتزام الوطني.
حوار وطني على مراحل
وكشف مجدلاني أن لجنة منبثقة عن اللجنة التنفيذية بدأت حوارًا داخليًا مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وأن اجتماعين عُقدا في هذا الإطار، وتم الاتفاق على صياغة ورقة رؤية مشتركة تعبّر عن موقف فصائل المنظمة.
وأضاف أن المرحلة التالية ستشمل حوارًا مع الفصائل الموجودة خارج إطار منظمة التحرير، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، موضحًا أن هذا الحوار سيجري على قاعدة مناقشة الانتخابات وقانون الأحزاب والوضع السياسي العام.
مشروع الدستور.. نحو دولة مدنية ديمقراطية تعددية
وتطرق مجدلاني إلى مشروع الدستور الفلسطيني المؤقت، موضحًا أن لجنة متخصصة أعدت مسودة لدستور دولة مدنية ديمقراطية تعددية، بمشاركة سياسيين وأكاديميين مختصين في القانون الدستوري وممثلين عن المجتمع المدني ومؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المسودة عُرضت للنقاش العام عبر منصة إلكترونية لمدة 60 يومًا، وتلقت آلاف المداخلات والملاحظات، إضافة إلى ملاحظات من جهات دولية، موضحًا أن لجنة تنسيقية تعمل على مراجعة هذه الملاحظات تمهيدًا لإنجاز الصيغة النهائية.
وأكد أن التوجه، في حال توفرت الظروف، هو الذهاب إلى استفتاء شعبي على الدستور، بما يعزز الشرعية الدستورية للنظام السياسي الفلسطيني.
القرار بقانون جزء من التحضير وليس خطوة معزولة
وشدد مجدلاني على أن إصدار القرار بقانون ليس إجراءً معزولًا، بل يأتي ضمن منظومة تحضيرية متكاملة تشمل قانون الانتخابات، وقانون الأحزاب، ومشروع الدستور، وترتيبات انتخابات المجلس الوطني.
وقال إن الحديث عن إجراء انتخابات حقيقية يتطلب وجود قانون انتخابي واضح، وإطار دستوري ناظم، وحياة حزبية منظمة، وضمانات سياسية تكفل مشاركة جميع الفلسطينيين في الوطن والشتات.
المجتمع الدولي مطالب بضمان إزالة العقبات
وأكد مجدلاني أن المجتمع الدولي سيكون مطالبًا بالضغط على أي حكومة إسرائيلية مقبلة من أجل إزالة العقبات أمام إجراء الانتخابات في كل الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في القدس الشرقية.
وأضاف أن إنجاح العملية الانتخابية يتطلب شراكة سياسية دولية، تضمن احترام الحق الفلسطيني في تجديد مؤسساته التمثيلية، وعدم السماح للاحتلال بتعطيل هذا الاستحقاق الديمقراطي.
خلاصة الموقف
وختم مجدلاني بالتأكيد أن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة تشكل محطة مهمة في مسار إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وتعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع قاعدة التمثيل، وفتح المجال أمام المرأة والشباب والقوى السياسية المختلفة للانخراط في عملية ديمقراطية شاملة.
واعتبر أن نجاح هذا المسار يتطلب توافقًا وطنيًا، وضمانات سياسية، واستكمال النقاش حول قانون الأحزاب والدستور، بما يؤسس لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والتعددية والتمثيل الديمقراطي.
