إسلام آباد على خط النار والدبلوماسية: محادثات واشنطن وطهران بين هدنة هشة وصراع مفتوح على هرمز

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (يمين) وخلفه وزير الخارجية إسحاق دار وهما يحييان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (مواقع التواصل).webp

دخلت المحادثات الأمريكية الإيرانية المنعقدة في إسلام آباد، يوم السبت 11 أبريل/نيسان 2026، مرحلة سياسية شديدة الحساسية، إذ تمثل أعلى مستوى من الاتصال المباشر بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وتأتي في ظل هدنة هشة لمدة أسبوعين بعد حرب استمرت ستة أسابيع وأعادت رسم موازين التوتر في الشرق الأوسط. وبحسب أحدث التقارير، فإن باكستان تستضيف هذه الجولة بصفة وسيط، بينما يظل مضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي الإيراني وامتدادات القتال في لبنان أبرز العقد التي تعرقل الوصول إلى تفاهم سريع.

وتكتسب هذه المحادثات أهميتها من أنها لا تجري في ظرف تفاوضي عادي، بل تحت ضغط ميداني واقتصادي وأمني هائل. فالحرب الأخيرة تسببت في مقتل آلاف الأشخاص، وأثارت اضطرابًا واسعًا في أسواق الطاقة، بينما تحول مضيق هرمز إلى مركز الاشتباك السياسي والعسكري بين الطرفين، بوصفه الممر الأكثر حساسية لتدفقات النفط والغاز في العالم. لهذا، لا تبدو إسلام آباد مجرد عاصمة مضيفة، بل ساحة اختبار لقدرة الطرفين على الانتقال من منطق الردع إلى منطق التسوية.

مضيق هرمز الأكثر تعقيدًا في المفاوضات

وفي قلب هذا المشهد، برز مضيق هرمز باعتباره العقدة الأكثر تعقيدًا في المفاوضات. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الجيش الأمريكي بدأ عملية “تطهير” المضيق من الألغام، وقال إن واشنطن أغرقت 28 سفينة إيرانية كانت تزرع ألغامًا، في حين نفت وسائل إعلام ومسؤولون إيرانيون هذه الرواية، وأكدوا أن السفن الأمريكية لم تعبر المضيق وفق المزاعم الأمريكية. هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات، بل يكشف حجم انعدام الثقة الذي يطوق مسار التفاوض، ويجعل أي اختراق سياسي مرهونًا أولًا بحسم الميدان البحري أو على الأقل تجميد التصعيد فيه.

كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن مدمرتين أمريكيتين، هما “يو إس إس فرانك إي بيترسون” و“يو إس إس مايكل مورفي”، عملتا ضمن مهمة أوسع لتهيئة الظروف لإزالة الألغام وضمان حرية الملاحة. وفي المقابل، واصلت طهران التشكيك في الرواية الأمريكية، بما يعزز الانطباع بأن هرمز ليس مجرد ملف تفاوضي فرعي، بل عنوان الصراع على السيادة والنفوذ وقواعد الأمن البحري في الخليج.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الوفدين الأمريكي والإيراني انتقلا بالفعل إلى مرحلة تبادل النصوص والمقترحات، وهو تطور مهم من الناحية الإجرائية، لكنه لا يعني بالضرورة اقتراب الاتفاق. فالتقارير الغربية والإقليمية المتقاطعة تفيد بأن التقدم لا يزال محدودًا، وأن الفجوات الجوهرية باقية، خصوصًا في ما يتعلق بحرية الملاحة، والأصول الإيرانية المجمدة، والتعويضات، وشروط تثبيت وقف إطلاق النار، إضافة إلى مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

جيه دي فانس (وسط) مع رئيس أركان الجيش الباكستاني ووزير الخارجية الباكستاني بعد وصوله إلى إسلام آباد (غيتي).webp
أعلى هرم القرار السياسي و شخصيات وازنة

وتقود الوفد الأمريكي، وفق تقارير متطابقة، شخصيات في أعلى هرم القرار السياسي حول ترامب، يتقدمهم نائب الرئيس جيه دي فانس، بينما ضم الجانب الإيراني شخصيات وازنة بينها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. هذا المستوى من التمثيل يوحي بأن ما يجري في إسلام آباد ليس مجرد جس نبض، بل محاولة جدية لصياغة إطار سياسي جديد بعد الانفجار العسكري الكبير الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية. ومع ذلك، فإن انخفاض سقف التوقعات داخل الإدارة الأمريكية، كما نقلت رويترز، يعكس إدراكًا مبكرًا بأن الجولات الأولى قد تكتفي بمنع الانهيار الكامل للهدنة أكثر من إنتاج تسوية نهائية.

ومن الناحية السياسية، تتمسك طهران بحزمة مطالب تتجاوز البعد الثنائي مع واشنطن. فإيران تربط أي تقدم حقيقي في التفاوض بجملة من الملفات، منها الإفراج عن أصولها المجمدة، والحصول على تعويضات عن الحرب، وضمان عدم استهدافها مجددًا، وأخذ امتدادات الصراع الإقليمي، ولا سيما لبنان، في الاعتبار. في المقابل، تبدو واشنطن أكثر تركيزًا على ثلاثة أهداف مباشرة: إعادة فتح المضيق أمام الملاحة العالمية، وتقييد أو إنهاء قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بدرجة تسمح بصناعة سلاح نووي، وتقليص قدرة طهران على توظيف نفوذها العسكري الإقليمي كورقة ضغط دائمة.

وهنا يتضح أن جوهر الخلاف ليس تقنيًا فقط، بل سياسي واستراتيجي بامتياز. فإيران تنظر إلى الحرب وما بعدها باعتبارهما مناسبة لإعادة فرض نفسها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، بينما تريد الولايات المتحدة ترجمة الكلفة العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها المنطقة إلى ترتيبات أمنية جديدة تقلص قدرة طهران على التحكم بالممرات البحرية والملف النووي. لذلك، فإن التفاوض الجاري لا يدور فقط حول وقف إطلاق نار أو إزالة ألغام، بل حول شكل النظام الإقليمي الذي قد يولد بعد هذه الحرب.

وزاد من تعقيد هذا المشهد استمرار القتال في لبنان، حيث أفادت تقارير بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية استمرت، فيما شددت إسرائيل على أن حربها في لبنان ليست جزءًا من وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وفي موازاة ذلك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن “المعركة مع إيران لم تنته بعد”، مؤكدًا أن ملف اليورانيوم المخصب سيُحسم “باتفاق أو بوسائل أخرى”. هذا الموقف يعني عمليًا أن أي تقدم في إسلام آباد سيظل مهددًا من خارج قاعة التفاوض، ما لم تُربط الساحات المشتعلة كلها ضمن تفاهم أوسع.

المفاوضات مستمرة في إسلام آباد.jpg
 

باكستان وسيط إقليمي صاعد

أما باكستان، فقد خرجت من هذه الأزمة بصورة وسيط إقليمي صاعد. فإسلام آباد، التي فرضت إجراءات أمنية استثنائية حول مقر المحادثات، تحاول توظيف هذه الوساطة لإعادة تثبيت حضورها الدبلوماسي بعد فترة من العزلة النسبية. وتبدو استضافة المحادثات في فندق سيرينا المحصن سياسيًا وأمنيًا رسالة مزدوجة: من جهة، قدرة الدولة الباكستانية على توفير مظلة تفاوض آمنة، ومن جهة أخرى، سعيها لتقديم نفسها لاعبًا موثوقًا في واحدة من أخطر أزمات العالم الراهنة.

اقتصاديًا، تراقب الأسواق العالمية هذه المحادثات بكثير من القلق. فإغلاق مضيق هرمز أو تعطيله أدى إلى صدمة في الطاقة ورفع أسعار النفط وأثار مخاوف تضخمية عالمية. ولهذا، فإن العالم لا ينتظر من جولة إسلام آباد مجرد صورة مصافحة أو بيان بروتوكولي، بل ينتظر إجابة عملية عن سؤالين: هل ستعود الملاحة الحرة في المضيق؟ وهل يمكن تثبيت تهدئة تمنع انفجارًا جديدًا يضرب الاقتصاد العالمي مرة أخرى؟

وخلاصة المشهد أن محادثات إسلام آباد تمثل لحظة اختبار قاسية للطرفين معًا. الولايات المتحدة تريد ترجمة تفوقها العسكري والسياسي إلى قواعد جديدة في الخليج، وإيران تريد انتزاع اعتراف بنفوذها وحقوقها ومكاسبها رغم الحرب. وبين هذين الهدفين المتعارضين، يتحول مضيق هرمز إلى عنوان رمزي وعملي للصراع: من يملك قرار الفتح؟ ومن يفرض شروط الأمن؟ ومن يكتب توازن الردع في المرحلة المقبلة؟ لذلك، فإن نجاح هذه المحادثات لن يقاس فقط بصدور بيان تهدئة، بل بمدى قدرتها على تحويل هدنة مرتبكة إلى مسار سياسي مستدام، وهو أمر لا تزال مؤشراته حتى مساء السبت متواضعة ومتضاربة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات