بصراحة هناك سؤال يلاحقنا دائما نحن العرب

بقلم: اياد أبو روك

اياد أبو روك

اياد أبو روك

بصراحة، هناك سؤال يلاحقنا دائما نحن العرب وربما نهرب منه كثيرا لأن الإجابة عنه ليست سهلة بل مؤلمة في كثير من الأحيان. هل نحن فعلًا نؤمن بعروبتنا وانتمائنا لبعضنا البعض أم أن ما يجمعنا اليوم مجرد لغة وتاريخ وذاكرة مشتركة بينما الواقع الذي نعيشه يقول شيئًا مختلفًا تمامًا؟ هذا السؤال لم يعد مجرد فكرة عابرة أو حديثًا يقال في المجالس، بل أصبح سؤالًا يفرض نفسه مع كل حدث كبير ومع كل أزمة تمر بها منطقتنا.

لا أخجل أن أقول إننا في كثير من الأحيان، نفشل في أن نكون صفا واحدا. بل إننا أحيانا نفشل حتى في أن نفهم بعضنا البعض. بدل أن نبحث عن أصل المشكلة نجد أنفسنا دائما نلقي اللوم على بعضنا البعض. المصري يلوم الخليجي والخليجي يلوم المصري والأردني يلوم الفلسطيني والفلسطيني يشعر أحيانا أن العربي الآخر قد خذله والسوري يحمل جرحه والعراقي شبع من الماسي والقهر والمغربي والتونسي والعماني وغيرهم لكل منهم صورة مسبقة عن الآخر. وكأننا أصبحنا أسرع في توجيه الاتهام من البحث عن الخلل الحقيقي.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق هو: هل المشكلة في اختلافنا؟ أم أن المشكلة في أننا لم نتعلم كيف نحول هذا الاختلاف إلى قوة؟ من الطبيعي أن تختلف اللهجات والعادات والتجارب، لكن غير الطبيعي أن يتحول هذا الاختلاف إلى سبب دائم للتشكيك والابتعاد. غير الطبيعي أن يصبح العربي أحيانًا أكثر قسوة على العربي من أي طرف آخر.

اليوم، عندما ننظر حولنا، نرى أن كل واحد منا يحاول أن يمجد نفسه وبلده ولهجته وأصله بشكل كبير، لكنه ينسى الجوهر الأساسي، وهو أننا في الأصل من المفترض أن نكون أكثر اتحادًا. هنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل هذا الأمر متروك فقط لفكرة الانتماء؟ وهل نحن فعلًا مؤمنون بعروبتنا كما نقول؟

إذا كنا مؤمنين بعروبتنا حقًا، لماذا تتردد دائمًا على ألسنتنا عبارات مثل العرب فيهم كذا وكذا، العرب لا يتفقون، العرب متناقضون؟ لماذا أصبح جلد الذات جزءًا من خطابنا اليومي؟ هل نحن فعلًا نرى أنفسنا بهذه الصورة، أم أننا استسلمنا لصورة صنعناها وكررناها حتى صدقناها؟

ولعل ما يزيد هذا السؤال إيلامًا هو ما نراه في كل محطة مفصلية في تاريخنا الحديث. عندما تحدث مجازر في فلسطين، نجد جزءًا من الدول العربية يتعاطف، بينما يخرج جزء آخر ينتقد أو يلوم أو يكتفي بالصمت. وعندما سقطت بغداد تحت القنابل الأمريكية، تعاطف البعض بينما قال آخرون: هم من جلبوا هذا الدمار لأنفسهم. وحين تعرضت بعض دول الخليج لضربات أو تهديدات إيرانية سمعنا من يقول: ما دام لديهم قواعد أمريكية فهذا أمر طبيعي. أين هي الوحدة في كل هذا؟ أين هو الشعور بأن المصيبة التي تصيب بلدًا عربيًا هي مصيبة تمس الجميع؟

بل إن الأمر أصبح أكثر خطورة عندما دخلت الجراح السياسية في عمق الوعي الشعبي. السوري الذي رأى بلده يتدمر، ويحمل جرحًا مفتوحًا تجاه الدور الإيراني، يجد نفسه يتساءل: كيف تريدون مني أن أتعاطف مع من أراه سببًا في خراب بلدي؟ والفلسطيني الذي عاش الذبح والدمار والحصار يقول بمرارة: أين كان العرب؟ لماذا خذلونا؟ لماذا لم يسألوا عنا؟ ثم تخرج كلمات التخوين من كل جهة، هذا يتهم ذاك، وذاك يرد عليه حتى أصبح كل طرف يرى الآخر وكأنه تخلى عنه.

وهنا أصل إلى السؤال الأخطر: هل نحن نعيش أخطر أزمة هوية في تاريخنا؟ لأن ما يحدث لم يعد مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في وجهات النظر بل أصبح أزمة ثقة عميقة بين الشعوب العربية نفسها. كل طرف يحمل ذاكرته الخاصة ألمه الخاص، وخيبته الخاصة، ويبدأ في بناء أحكامه على الآخر من خلال هذا الألم.

أنا أعتقد أن المشكلة ليست في العروبة نفسها بل في طريقة فهمنا لها. العروبة ليست مجرد اسم أو عنوان أو شعار نردده في لحظات الحماس. العروبة شعور، مسؤولية، وإيمان بأن مصيرنا مرتبط ببعضنا البعض. أن أشعر أن ما يصيب العربي في أي مكان يعنيني، وأن نجاحه هو نجاح لي وأن أتعامل معه بثقة واحترام لا بعقلية الاتهام والشك.

ولنكن صريحين، هناك شعوب أخرى في المنطقة، بغض النظر عن موقفنا السياسي منها تمتلك شعورا قويا جدا بالانتماء إلى نفسها. ليس المقصود هنا الإعجاب بأحد بل الإشارة إلى أن هناك شعوبًا تعرف من هي، وتعتز بأصلها وتؤمن بهويتها بشكل واضح. وهنا يأتي السؤال المؤلم: لماذا نفتقد نحن هذا الوضوح؟ لماذا نشكك في بعضنا أكثر مما نؤمن ببعضنا؟

ولا يمكن أن ننكر أن أطرافا خارجية، مثل أمريكا وإسرائيل وغيرها استغلت هذه النقطة بشكل كبير وعملت على تعزيزها فينا. لكنها لم تصنعها من العدم. هي وجدت الشرخ ووسعت فيه. وجدت حالة عدم الثقة وعملت على تغذيتها. لكن يبقى السؤال الأهم: من المسؤول الحقيقي؟ هل الخارج فقط أم أننا نحن أيضا جزء من هذه المسؤولية؟

حتى عندما نعيش في أوروبا أو في الغربة حيث من المفترض أن تجمعنا المسافة والحنين نجد أنفسنا نعيد نفس المشهد. نحمل معنا نفس الأحكام ونفس الحساسية ونفس الانقسامات. بدل أن تقربنا الغربة من بعضنا نجدها أحيانا تكشف عمق هذه المشكلة. وهذا يجعل السؤال أكثر صراحة: هل نحن فعلا ننتمي إلى العرق العربي بمعناه الحقيقي أم أننا فقط مجموعات متفرقة اجتمعت تحت إطار اسمه القومية العربية او حتي الدين؟

وربما السؤال الأصعب الذي يجب أن نواجهه اليوم هو: هل هذا الطريق سيقودنا إلى الحقيقة؟ هل هذا الكم من التخوين والاتهامات واللوم المتبادل سيقودنا إلى فهم الخلل أم سيزيد المسافة بيننا أكثر؟ لأنني أرى أننا نعيش واحدة من أخطر المراحل في تاريخنا، ليس فقط بسبب ما يحدث حولنا بل بسبب ما يحدث في داخلنا نحن.

ربما حان الوقت أن نراجع هذه الفكرة بصدق. ليس بهدف جلد الذات بل بهدف فهم الخلل. لماذا نحاول دائما أن نثبت أنفسنا ضد بعضنا البعض بدل أن نثبت أنفسنا مع بعضنا البعض؟ لماذا نوزع أفكارنا ونشتت جهودنا؟ ولماذا لا نحاول أن نوحد الصف العربي ونكون على قدر المسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه تاريخنا؟

لأن الحقيقة أن الأجيال الجديدة اليوم تدفع ثمن هذا التمزق بشكل كبير. تدفع ثمن الانقسامات التي ورثناها وثمن الخطابات التي فرقت أكثر مما جمعت وثمن غياب شعور حقيقي بالانتماء.

وربما السؤال الذي يجب أن يبقى أمامنا دائما هو: هل نحن مستعدون لمراجعة أنفسنا بصدق أم سنبقى ندور في نفس الحلقة نلوم بعضنا البعض بينما الخلل الحقيقي فينا نحن؟ وإحقاقا للحق وحتى لا يتهمني صديقي بسرقة الأفكار أعترف أن شرارة هذا المقال بدأت من جلسة نقاش بيني وبينه هو رمى الفكرة وأنا تورطت وكتبت المقال لذلك أضع له هنا نسبة محترمة من حقوق الملكية الفكرية قبل أن يطالبني بالأرباح مع ان كتابه مقالاتي مجانيه وغالبا تكون ثمن القهوة عليه!!!

 

اياد أبو روك

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت