محمد علوش
شاركت في ندوة أدبية في جامعة القدس المفتوحة، ولم تكن تلك الندوة مجرّد مناسبة ثقافية عابرة تضاف إلى رزنامة الأنشطة الجامعية، بل بدت لي لحظة كاشفة، ومرآة صادقة لحال المشهد الشعري والنقدي العربي في هذه المرحلة المضطربة من تاريخنا الثقافي، وهناك، تحت سقف الحوار، تجاورت الرؤى، وتقاطعت المناهج، وتباينت الأحكام، بينما وقف الشعر نفسه في منتصف القاعة، ككائن قديم ومتجدّد، يسأل الجميع: من أنا الآن؟ وكيف ترونني؟
ما شدّني في تلك الندوة لم يكن فقط ثراء الطروحات وتنوّع المقاربات، بل ذلك التناقض الخلّاق بين ما قدّمه الدكتور جمال رباح، وما طرحه الدكتور محمود صبري عودة، وما ذهبت إليه الأستاذة سناء التايه، ثلاثة أصوات أكاديمية ونقدية، غير أنّها بدت لي وكأنها ثلاث مدارس كبرى تنظر إلى القصيدة من ثلاث نوافذ مختلفة، وتقرأ جوهر الشعر من زوايا متباعدة، لكنها متكاملة في عمقها الإنساني.
فثمّة من يرى الشعر امتداداً للتراث الكلاسيكي العربي، حيث الوزن موسيقى، والقافية ذاكرة، والبلاغة نسبٌ عريق يمتد من المعلقات إلى أبي تمام والمتنبي وأبي فراس، وصولاً إلى كبار المحدثين، وفي هذا التصوّر، لا يكون الشعر شعراً إلا إذا حافظ على جوهره الإيقاعي، وعلى انضباطه الفني الذي صقلته قرون طويلة من التجربة والإنشاد والذائقة الجماعية، وهنا تبدو القصيدة العمودية أشبه بقصر عربيّ قديم، تتجاور فيه الأعمدة والزخارف والهيبة، وتتنفّس في أروقته اللغة الفخمة والجرس العالي.
وأصحاب هذا الاتجاه لا يدافعون عن الشكل وحده، بل عن ذاكرة أمة كاملة، وعن تراث لغوي يرى في الموسيقى الداخلية والخارجية للقصيدة جزءاً من هوية العربية ذاتها، فالإيقاع، بالنسبة إليهم، ليس زينة خارجية، بل روح تسري في النص، وميزان يحفظ انسجامه، وجسر يصل القصيدة بالمتلقّي، ولذلك ينظرون بشيء من الريبة إلى النصوص التي تتخفّف من الوزن، خشية أن تفقد الشعرية معناها، أو تتحوّل القصيدة إلى نثر مقطّع بلا حرارة.
وثمّة من ينظر إلى الشعر بوصفه كائناً متحوّلاً، لا يقيم في شكل واحد، ولا يعترف بحدود نهائية، فالشعر الحر، وقصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، ليست خروجاً على الشعر، بل تطوّراً طبيعياً في استجابة اللغة لتحوّلات الإنسان والعصر، فكيف يمكن لزمن تتكسّر فيه الخرائط، وتضطرب فيه الهويات، وتتغيّر فيه أنماط الوعي والحياة، وأن يظلّ أسيراً لبنية واحدة صيغت في شروط تاريخية مختلفة؟
وفي هذا الاتجاه، تصبح الحرية الإيقاعية ضرورة فنية، لا تمرّداً مجانياً، ويغدو كسر الشكل التقليدي محاولةً للبحث عن موسيقى أخرى تناسب روح العصر، فالإنسان الحديث لم يعد يعيش إيقاع الحياة القديمة نفسها، ولم تعد أسئلته تشبه أسئلة الأسلاف، ولذلك يبحث عن لغة أكثر مرونة، وصورة أكثر توتراً، ونصّ أكثر قدرة على التقاط القلق الوجودي والتمزّق الداخلي.
أما المدرسة الثالثة، فتقف في منطقة أكثر تركيباً ونضجاً؛ فلا ترفض التراث، ولا تسلّم تماماً بكل جديد، بل تبحث في القيمة الجمالية للنص نفسه، بعيداً عن التعصّب للشكل أو الانحياز المسبق للنوع، وهنا لا يكون السؤال: هل القصيدة عمودية أم حرّة أم نثرية؟ بل: هل نجحت في خلق الدهشة؟ هل امتلكت لغتها الخاصة؟ هل صنعت رؤيتها؟ هل أضافت إلى التجربة الإنسانية شيئاً من الضوء، أو طرحت سؤالاً جديداً على الروح؟
هذا الاتجاه يرى أنّ الشكل وعاء، لكنه ليس الجوهر، فكم من قصيدة موزونة ماتت قبل أن تقرأ، لأنها لم تحمل حرارة التجربة، وكم من نصّ حرّ أو نثري ظلّ حيّاً في الذاكرة، لأنه امتلك صدقه الفني، وتوتّره الداخلي، وفرادته التعبيرية، والشعر هنا لا يقاس بالمسطرة العروضية وحدها، ولا يمنح شهادة الميلاد بمجرد إعلان التمرّد على الوزن، بل يختبر في منطقة أعمق: منطقة الأثر والجمال والكشف.
لقد أدركت من خلال ذلك الحوار أنّ أزمة الشعر العربي ليست في الأشكال، بل في الأحكام المسبقة، فكثيرون يدخلون إلى القصيدة وهم يحملون قرارهم سلفاً: هذا شعر لأنه موزون، وذاك ليس شعراً لأنه حرّ، أو العكس تماماً، بينما الشعر الحقيقي أكبر من قوالبه، وأوسع من تعريفاته المدرسية، وأكثر مراوغة من أن يحبس في قانون واحد.
فالقصيدة العمودية يمكن أن تكون ميتة رغم انتظامها، إذا خلت من الروح، وتحولت إلى تمرين لغوي بارد، وقصيدة النثر يمكن أن تكون نابضة إذا امتلكت توتّرها الداخلي، وموسيقاها الخفية، وصورها المدهشة، كما أن الشعر الحر، حين ينجح، يخلق إيقاعه الخاص الذي لا يقاس بعدد التفعيلات، بل بقدرة النص على أسر القارئ، وجذبه إلى مناخ لا ينسى.
إن اختلاف المدارس النقدية واللغوية أمر صحي، بل ضروري، فالثقافة التي تتفق تماماً تموت ببطء، لأنها تتوقّف عن طرح الأسئلة، أما الثقافة التي تختلف فإنها تنتج حيويتها باستمرار، وتعيد النظر في مسلّماتها، وتمنح الإبداع فرصة التنفّس، والمشكلة ليست في التباين بين النقاد والأكاديميين، بل في تحويل الرأي إلى يقين مغلق، والميل النقدي إلى محكمة نهائية لا تسمح بالاستئناف.
إن تاريخ الأدب كله قائم على هذا الجدل الخلّاق، فلو انتصر المحافظون دائماً لما ولد التجديد، ولو انتصر المتمرّدون دائماً لضاعت الجذور، وما من نهضة حقيقية إلا وكانت ثمرة هذا الشدّ بين الوفاء للماضي والرغبة في تجاوزه، فالشعر، مثل النهر، يحتاج إلى منبعه كما يحتاج إلى مجراه المفتوح.
خرجت من الندوة وأنا أكثر اقتناعاً بأن الشعر لا يحتاج إلى من يحرس أبوابه بقدر ما يحتاج إلى من يفتح نوافذه، فكل مدرسة تحمل شيئاً من الحقيقة، لكنها لا تملك الحقيقة كاملة، والشعر، في جوهره، عصيّ على الاحتكار؛ لأنه ابن الحرية، ورفيق الدهشة، وذاك الكائن الذي كلّما حاولنا تعريفه، أفلت من بين أصابع اللغة، وذهب ليقيم في قلب قارئٍ جديد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
