بعد مرور أكثر من ستة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يواجه سكان قطاع غزة أوضاعًا إنسانية واقتصادية متدهورة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر وإدخال المساعدات، ما أدى إلى تفاقم الأزمات المعيشية، وعلى رأسها نقص حاد في المواد الأساسية، أبرزها الخبز.
تلكؤ في تنفيذ الاتفاق وتصاعد القيود
وكان من المفترض أن يساهم الاتفاق، المستند إلى خطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تحسين الظروف الإنسانية داخل القطاع، إلا أن مصادر فلسطينية تؤكد أن إسرائيل لم تلتزم بشكل كامل ببنوده، خاصة ما يتعلق بتسهيل دخول المساعدات وإعادة تشغيل البنية التحتية.
وفي هذا السياق، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان، إن إسرائيل “تواصل الإخلال بالتزاماتها الإنسانية”، مشيرًا إلى منع إدخال مواد الإيواء والمستلزمات الطبية والمعدات الثقيلة والوقود، إضافة إلى تعطيل إعادة تأهيل المرافق الحيوية.
وأضاف البيان أن إسرائيل لم تفتح معبر رفح بشكل كامل، ولم تسمح بإدخال الخيام أو البيوت المتنقلة، كما لم تضمن وصول المساعدات بشكل آمن ومنتظم.
“هندسة الحصار” وتعميق الأزمة
من جانبه، قال وكيل وزارة الاقتصاد في غزة حسن أبو ريالة، في مقابلة مع وكالة "الأناضول"، إن ما يجري في القطاع “ليس توقفًا للحرب بل تغيير في أدواتها”، معتبرًا أن الحصار يمثل “أحد أشد أشكال الحرب قسوة”.
وأوضح أن إسرائيل “تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية داخل غزة”، عبر تقنين إدخال البضائع والمساعدات، ما يؤدي إلى خلق “واقع اقتصادي مشوّه” يفاقم الأزمات الإنسانية، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن تقليص إدخال السلع وحصرها في عدد محدود من التجار أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار نتيجة نقص المعروض وزيادة الطلب.
تراجع الواردات وانتكاسة جديدة
وبيّن أبو ريالة أن الأوضاع ازدادت سوءًا مع اندلاع المواجهات المرتبطة بإيران أواخر فبراير/شباط الماضي، حيث فرضت إسرائيل قيودًا إضافية على المعابر بذريعة التقييم الأمني، ما تسبب باضطراب في سلاسل التوريد.
وكشف عن انخفاض الواردات خلال مارس/آذار بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بالشهر السابق، مؤكدًا أن الكميات التي تدخل القطاع لا تتجاوز نصف ما نص عليه الاتفاق، والذي حدد دخول نحو 600 شاحنة يوميًا.
أزمة خبز حادة ومعاناة يومية
وعلى صعيد الأمن الغذائي، أشار أبو ريالة إلى وجود عجز يتجاوز 50% في توفير الخبز، موضحًا أن نحو 44 ألف أسرة تحتاج يوميًا إلى 450 طنًا من الدقيق، في حين لا يتوفر سوى نحو 200 طن فقط.
وأضاف أن هذا النقص يعود إلى تقليص دعم برنامج الأغذية العالمي للمخابز، وتوقف مؤسسات أخرى عن تقديم الخبز، ما تسبب بارتباك كبير في الاستهلاك اليومي، خاصة مع صعوبة الخَبز المنزلي بسبب نقص الوقود وغاز الطهي.
وأشار إلى أن 142 مخبزًا فقط تعمل حاليًا في القطاع، وهي غير كافية لتغطية الاحتياجات، خاصة في ظل التوزيع الجغرافي للنازحين.
شلل في الخدمات وأزمة وقود خانقة
وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، أكد المسؤول الفلسطيني أن غزة تعيش حالة “شلل شبه تام” في الكهرباء والمواصلات، نتيجة نقص الوقود ومنع إدخال المعدات وقطع الغيار.
وحذر من توقف مفاجئ للمولدات التي تعتمد عليها المستشفيات ومرافق الإسعاف والدفاع المدني، ما يهدد بتفاقم الأزمة الصحية.
كما أشار إلى نقص حاد في المياه، نتيجة تأثر آبار المياه ومحطات التحلية ومركبات التوزيع بسبب شح الوقود.
دمار واسع في القطاع الصناعي
أما القطاع الصناعي، فقد تعرض – بحسب أبو ريالة – لأضرار تتجاوز 95%، نتيجة التدمير الواسع للمصانع والمنشآت، ما أدى إلى فقدان آلاف العمال لوظائفهم، وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية.
وأوضح أن معظم هذه المنشآت تقع في المناطق الشرقية من القطاع، التي لا تزال خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ما يعيق الوصول إليها وإعادة تشغيلها.
أزمة شاملة ومطالب بالضغط الدولي
وختم أبو ريالة تصريحاته بالتأكيد على أن غزة تواجه “أزمة حياة كاملة”، داعيًا الوسطاء الدوليين إلى الضغط على إسرائيل للالتزام ببنود الاتفاق، وزيادة إدخال المساعدات وفتح المعابر بشكل أوسع.
ويأتي ذلك في ظل تداعيات الحرب التي اندلعت عقب هجمات 7 أكتوبر 2023، والتي أسفرت، وفق مصادر فلسطينية، عن أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 172 ألف جريح، إلى جانب دمار واسع طال معظم البنية التحتية في القطاع.
