أزمة قوى عاملة تضغط على الجيش الإسرائيلي.. وتحذيرات من استنزاف الاحتياط وتعثر الحسم في لبنان

الجيش الإسرائيلي يجري مناورة عسكرية مفاجئة على الحدود الشرقية مع الأردن، تحت اسم «الكبريت والنار» ..... (صورة من الجيش الإسرائيلي).jpg

حذّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أزمة متفاقمة في القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي، في ظل استمرار الحرب على عدة جبهات، وغياب تشريعات تنظم تمديد الخدمة الإلزامية وتجنيد الحريديين وتعزيز قوات الاحتياط.

وبحسب معطيات عُرضت أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يعاني الجيش الإسرائيلي من نقص يقدّر بنحو 12 ألف جندي، بينهم ما بين 6 آلاف و7 آلاف مقاتل، فيما تحذر المؤسسة الأمنية من أن استمرار الخدمة الإلزامية عند سقف 30 شهرًا فقط، ابتداءً من كانون الثاني/ يناير المقبل، سيؤدي إلى نقص إضافي يقدّر بنحو 2500 مقاتل.

وترى المؤسسة الأمنية أن الفترة الحالية تمثل “الفرصة الأخيرة” لمعالجة الأزمة تشريعيًا، عبر الدفع نحو قوانين تمديد الخدمة الإلزامية، وتنظيم خدمة الاحتياط، ورفع أعداد المجندين، وفي مقدمتهم الحريديون، الذين ما زال ملف تجنيدهم يشكل إحدى أكثر القضايا السياسية حساسية داخل الائتلاف الحكومي.

نقص متراكم واستنزاف غير مسبوق

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الحرب المتواصلة على أكثر من جبهة غيّرت احتياجات الجيش بصورة جذرية، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على عدد المجندين الجدد، بل تشمل الاستنزاف الواسع في صفوف الجنود النظاميين والاحتياط، وتزايد الإصابات والخسائر، والحاجة إلى بناء قوة أكبر من السابق.

ووفق مصادر أمنية إسرائيلية، فإن الجندي النظامي الذي كان يحصل سابقًا على فترات تدريب وتناوب بات اليوم في خدمة عملياتية شبه متواصلة، فيما تراجع هامش التدريب لصالح المهمات الميدانية المباشرة.

أما في تشكيلات الاحتياط، فتبدو الأزمة أكثر حدة. فقد كان الجيش يهدف إلى أن يخدم جندي الاحتياط نحو 42 يومًا سنويًا خلال العامين المقبلين، غير أن الواقع الحالي يفرض على كثيرين الخدمة ما بين 80 و100 يوم في السنة، بفعل تعدد الجبهات واتساع المهمات.

تجنيد الحريديين لا يسد الفجوة

وفي ملف تجنيد الحريديين، ترى قيادة الجيش أن المقترح المطروح حاليًا في الكنيست لا يلبي الاحتياجات الفورية للمؤسسة العسكرية. ورغم تسجيل زيادة تدريجية في أعداد المجندين الحريديين خلال السنوات الأخيرة، فإن الأرقام لا تزال بعيدة عن المطلوب.

وبحسب معطيات الجيش، بلغ متوسط عدد المجندين الحريديين بين عامي 2019 و2022 نحو 1700 مجند سنويًا، وارتفع إلى 2200 في عام 2023، ثم إلى 2800 في عام 2024، فيما تشير التقديرات إلى انضمام نحو 3000 حريدي إلى الجيش في عام 2025.

لكن الجيش يشير إلى أن هذه الزيادة لا تنعكس بشكل كافٍ على الوحدات القتالية، إذ لا يتجاوز متوسط عدد المقاتلين الحريديين في كل دورة تجنيد نحو 250 مقاتلًا، بينما يسعى الجيش إلى مضاعفة هذا العدد.

وتقول المعطيات إن هناك نحو 38 ألف متخلف عن التجنيد، يشكل الحريديون قرابة 80% منهم، إضافة إلى نحو 50 ألف مرشح آخر للتجنيد لم يتم استدعاؤهم بعد، وهم في طريقهم للانضمام إلى قوائم المتخلفين.

تحذير من “انخفاض حاد” في 2027

وتحذر المؤسسة الأمنية من أن عدم إقرار تمديد الخدمة الإلزامية سيظهر أثره بصورة خطيرة في كانون الثاني/ يناير 2027، عندما يُسرَّح مقاتلون التحقوا بالخدمة في تموز/ يوليو 2024 بعد إتمام 30 شهرًا فقط، بينما لن يصل بدلاءهم إلا في آذار/ مارس من العام نفسه.

وترى قيادة الجيش أن هذه الفجوة الزمنية ستؤدي إلى انخفاض حاد ومفاجئ في أعداد المقاتلين، بما يفاقم الضغط على الوحدات القائمة، ويمنع الجيش من إعادة بناء قدراته التدريبية والتنظيمية.

وبحسب تقديرات إسرائيلية، حتى لو أُقر قانون تمديد الخدمة، فإن الجيش سيحتاج إلى نحو خمس سنوات لسد النقص المتراكم في صفوفه.

لبنان: الجيش يضغط لاختراق سياسي

وتتزامن أزمة القوى البشرية مع تصعيد عسكري إسرائيلي في لبنان، حيث يواصل الجيش توسيع غاراته، بما في ذلك باتجاه البقاع الشرقي، في مقابل تصعيد من حزب الله عبر هجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع عسكرية إسرائيلية ومناطق في الجليل.

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عبرية تسريبات عن الجيش الإسرائيلي تفيد بأنه يضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لإحداث “اختراق سياسي”، معتبرًا أن الحل العسكري وحده لا يكفي لنزع سلاح حزب الله أو إنهاء تهديد الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وبحسب التسريبات، ترى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن احتلال جنوب لبنان بالكامل لن يضمن القضاء على آخر طائرة مسيّرة أو آخر صاروخ لدى حزب الله، وأن العمليات العسكرية يمكن أن تضعف الحزب لكنها لا تقدم حلًا نهائيًا للتهديد.

نتنياهو يلمّح إلى تقصير الجيش

في المقابل، رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات فُهمت على أنها انتقاد مبطن للجيش، إذ قال في مستهل جلسة حكومته إنه حذر قبل ست سنوات من خطر الطائرات المسيّرة الإيرانية التي يحصل عليها حزب الله، وطلب من قيادة الجيش العمل على مواجهة هذا التهديد.

واعتبرت أوساط إسرائيلية أن تصريحات نتنياهو تحمل تحميلًا ضمنيًا للمؤسسة العسكرية مسؤولية عدم إيجاد حل كافٍ لهذا الخطر خلال السنوات الماضية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات المتبادلة بين المستويين السياسي والعسكري.

اتفاق سياسي بشروط أمنية إسرائيلية

وتقول تقارير عبرية إن الجيش الإسرائيلي لا يعارض مواصلة الضغط العسكري على حزب الله، لكنه يرى أن هذا الضغط يجب أن يقود إلى اتفاق سياسي شامل، يشمل انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي اللبنانية مقابل ترتيبات أمنية تضمن المطالب الإسرائيلية.

وتتحدث وسائل إعلام عبرية عن مطالب تشمل نزع سلاح حزب الله بالكامل، وإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، إضافة إلى حزام أمني بعمق يتراوح بين 3 و5 كيلومترات على طول الحدود، يمنع دخول أي قوة لبنانية غير منسقة مع الترتيبات الأمنية المطلوبة إسرائيليًا.

وتأتي هذه النقاشات بالتزامن مع حديث عن تقدم في المحادثات اللبنانية – الأميركية، وتمديد الهدنة 45 يومًا، والتحضير لجولات تفاوضية سياسية وعسكرية جديدة في واشنطن والبنتاغون، في حين تتحفظ إسرائيل على الأجواء المتفائلة الصادرة من بيروت وواشنطن.

أزمة مزدوجة: جيش مستنزف وجبهات مفتوحة

وتكشف التسريبات الإسرائيلية عن أزمة مزدوجة تواجه تل أبيب: فمن جهة، يعاني الجيش من نقص بشري واستنزاف متزايد في النظامي والاحتياط؛ ومن جهة أخرى، لا تزال الجبهات المفتوحة، خصوصًا في لبنان وغزة، تفرض احتياجات عملياتية متصاعدة.

وبين مطالب الجيش بتشريعات عاجلة وزيادة أعداد المجندين، ورغبة الحكومة في مواصلة الضغط العسكري على أكثر من جبهة، تتعمق الفجوة بين الاحتياجات الميدانية والحسابات السياسية، ما يضع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام واحدة من أعقد أزمات القوى البشرية منذ سنوات.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس