قراءة اقتصادية: لا مؤشرات على تحسن قريب في الرواتب وتطبيق “يبوس” لن يتيح سحب الأموال نقدا

رواتب الموظفين.jpg

وزارة المالية تحدد نسبة الصرف وتعلن إطلاق تطبيق مالي جديد للموظفين

أعلنت وزارة المالية والتخطيط الفلسطينية الخميس 21 مايو/أيار 2026 صرف 50% من رواتب موظفي القطاع العام، وبحد أدنى 2000 شيكل، عن شهر شباط/فبراير 2026، وذلك مطلع الأسبوع المقبل، بالتزامن مع إعلانها الانتهاء من تطوير تطبيق مالي جديد يحمل اسم “يبوس”، قالت إنه يهدف إلى تعزيز صمود الموظفين وعائلاتهم وتمكينهم من تسديد بعض الالتزامات الأساسية.

وفي قراءة اقتصادية عبر إذاعة “علم” المحلية، قال الخبير الاقتصادي جعفر صدقة في حديث رصدته "وكالة قدس نت للأنباء" إن الموعد المرجح لصرف الرواتب سيكون يوم الأحد أو الاثنين المقبلين، نظرا لاقتراب عطلة عيد الأضحى، موضحا أن بيان وزارة المالية يشير إلى الصرف في بداية الأسبوع، ولا توجد عمليا مساحة زمنية أوسع قبل العطلة.

صرف ما يتوفر من الأموال المحلية

أوضح صدقة أن نسبة الصرف المعلنة تنسجم مع ما كانت الحكومة قد أعلنته سابقا، وهو صرف ما يتوفر من أموال من المصادر المحلية، في ظل عدم قدرة الحكومة على الاقتراض من البنوك لرفع نسبة الرواتب.

وأضاف أن الحكومة، وفق المعطيات الحالية، ستبقى مضطرة إلى الحفاظ على هذا المستوى من الصرف لعدة أشهر قادمة، ما لم يحدث تغير جوهري في مصادر الإيرادات أو في أزمة احتجاز أموال المقاصة.

وقال صدقة إن الرهان على زيادة قريبة في نسبة الصرف يبدو مستبعدا، مضيفا: “في ظل هذه المدخلات، إن لم تنخفض نسبة الصرف فستبقى بحجمها الحالي، أما زيادتها فهي مستبعدة إلى حد كبير”.

لا مؤشرات على تحسن قريب في الرواتب

وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت الإضرابات التي شهدتها بعض الوزارات خلال الأشهر الماضية قد تدفع الحكومة إلى رفع نسبة الصرف، قال صدقة إنه لا يتوقع ذلك، مشيرا إلى أن الأزمة المالية لم تتغير، بل إن الأمور مرشحة لمزيد من التأزم خلال الأشهر المقبلة.

وربط صدقة ذلك بالتطورات السياسية في إسرائيل، ولا سيما أجواء الحملات الانتخابية والتحضيرات لاحتمال انتخابات مبكرة أو الوصول إلى الموعد القانوني للانتخابات، معتبرا أن مثل هذه الفترات عادة ما تنعكس سلبا على الفلسطينيين، سواء في معيشتهم أو أراضيهم أو أوضاعهم اليومية.

“يبوس”.. تطبيق لتسديد الخدمات وليس محفظة نقدية

وفي ما يتعلق بتطبيق “يبوس” المالي، أوضح صدقة أن التطبيق لا يعني توفير سيولة نقدية للموظفين، ولن يتيح لهم سحب مبالغ مالية “كاش”.

وقال إن التطبيق مخصص، في مرحلته الأولى، لتسديد أثمان خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات فقط، مشيرا إلى أن الحديث يدور عن مبلغ يقارب 500 شيكل للموظف، لكنه ليس مبلغا نقديا يمكن التصرف به بحرية.

وأضاف أن الفكرة تقوم على توجيه إنفاق الموظف نحو التزامات محددة، قائلا إن التطبيق يمثل “تحديدا بالقوة لأولويات الموظف، أين ينفق المال وأين لا ينفق”.

الحكومة لن تضخ أموالا مباشرة في التطبيق

لفت صدقة إلى أن الحكومة لن تضخ أموالا نقدية جديدة في تطبيق “يبوس”، بل ستعتمد على آلية التقاص مع مزودي الخدمات.

وأوضح أن شركات الاتصالات، على سبيل المثال، تدفع ضرائب شهرية للحكومة، ويمكن أن يتم التقاص من هذه المستحقات مقابل استخدام الموظفين للتطبيق في تسديد فواتيرهم. لكنه حذر من أن حجم استهلاك الموظفين لخدمات الاتصالات قد يكون أكبر من قيمة الضرائب المستحقة على الشركات.

أما في قطاع الكهرباء، فأشار إلى أن الحكومة تعتمد على الحساب المالي الجديد الذي فُتح قبل أشهر لتسديد فواتير الكهرباء، بدلا من الدفع المباشر للشركة الإسرائيلية، في ظل اقتطاع إسرائيل مبالغ من أموال المقاصة وتحويلها لشركة الكهرباء.

70 مليون شيكل شهريا لا تكفي بالضرورة

قال صدقة إن الحساب الخاص بالكهرباء يجمع نحو 70 مليون شيكل شهريا، في حين يبلغ عدد موظفي القطاع العام نحو 200 ألف موظف، متسائلا عما إذا كان هذا المبلغ كافيا لتغطية احتياجاتهم من الكهرباء.

وأضاف أن الجواب المرجح هو “لا”، محذرا من أنه إذا زاد استخدام الموظفين للتطبيق في تسديد الخدمات عن المبالغ التي تصل إلى هذا الحساب، فقد تتراكم فجوة مالية جديدة.

وحذر من أن هذه الفجوة قد لا تضع الحكومة وحدها في أزمة، بل قد تنقل الأزمة أيضا إلى المجالس المحلية وشركات توزيع الكهرباء والمياه، ما يتطلب مراقبة دقيقة للتطبيق في مرحلته الأولى.

تحذير من أزمة لدى البلديات ومزودي الخدمات

شدد صدقة على ضرورة التعامل بحذر شديد مع تطبيق “يبوس”، خصوصا في الأشهر الأولى من تشغيله، لمعرفة كيفية تطور الأمور على أرض الواقع.

وقال إن أي مشكلة غير محسوبة يجب تداركها بسرعة، لأن التطبيق قد يخلق ضغطا ماليا على مزودي الخدمات إذا لم تكن آليات التقاص كافية لتغطية قيمة الاستهلاك الفعلي.

وأضاف أن المسألة لا تتعلق فقط بالموظف أو الحكومة، بل تشمل شبكة واسعة من البلديات والمجالس المحلية وشركات الكهرباء والمياه والاتصالات، وهي جهات تعاني أصلا من أزمات مالية وتشغيلية.

توسيع سلة الخدمات مؤجل ومفتوح على التساؤلات

وبشأن إعلان وزير المالية إمكانية توسيع سلة الخدمات مستقبلا، قال صدقة إن السؤال الأساسي هو: من أين ستغطي الحكومة كلفة أي خدمات إضافية؟

وأوضح أن الخدمات الحالية، وهي الكهرباء والمياه والاتصالات، يمكن ربطها جزئيا بمستحقات الحكومة على بعض مزودي الخدمة، أما الخدمات الأخرى فقد لا تكون لها آلية تغطية واضحة.

وأضاف أن الحكومة “لن تدخل قرشا واحدا” في التطبيق، لا للكهرباء ولا لغيرها، وبالتالي فإن توسيع السلة سيبقى مرهونا بمدى نجاح المرحلة الأولى وقدرة النظام المالي الجديد على تحمل الضغط.

وزارة المالية: التطبيق يبدأ تجريبيا في حزيران

وكان وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة قد أكد أن الوزارة أنهت تطوير تطبيق “يبوس” على الهواتف الذكية، بهدف تمكين موظفي القطاع العام وعائلاتهم من تسديد التزاماتهم لمزودي خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات في هذه المرحلة.

ومن المقرر إطلاق التطبيق بشكل تجريبي خلال شهر حزيران/يونيو المقبل، تمهيدا لإتاحته للموظفين وعائلاتهم، على أن تنشر وزارة المالية التفاصيل الفنية المتعلقة بطريقة استخدامه خلال الأيام المقبلة.

وجدد سلامة التزام الوزارة بصرف منتظم للرواتب بنسب متفاوتة وفقا للإمكانات المتاحة شهريا، ضمن موازنة الطوارئ النقدية، رغم ما وصفه بالحصار المالي الخانق الناتج عن احتجاز أموال المقاصة للعام الثاني على التوالي.

بين الراتب الجزئي و“يبوس”.. الموظفون أمام حلول محدودة

تضع الإجراءات الجديدة موظفي القطاع العام أمام واقع مالي معقد؛ فمن جهة، يستمر صرف الرواتب بنسب جزئية لا تلبي كامل الاحتياجات المعيشية، ومن جهة أخرى يأتي تطبيق “يبوس” كأداة لتخفيف جزء من أعباء الخدمات الأساسية، دون أن يوفر سيولة نقدية مباشرة.

وبحسب قراءة صدقة، فإن نجاح التطبيق سيعتمد على قدرة الحكومة على إدارة التقاص مع مزودي الخدمات، وعلى عدم تحول الأداة الجديدة إلى عبء إضافي على البلديات والشركات المحلية.

وبينما تنتظر شريحة واسعة من الموظفين تفاصيل التطبيق وآليات استخدامه، تبقى الأزمة الأوسع مرتبطة باستمرار احتجاز أموال المقاصة، وتراجع قدرة الحكومة على توفير رواتب كاملة أو حلول نقدية مباشرة في المدى القريب.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله