خارطة أممية مشروطة بمبدأ “خطوة مقابل خطوة”
عرض نيكولاي ملادينوف، المدير التنفيذي لـ“مجلس السلام” في غزة، مساء الخميس 21 مايو/أيار 2026، خريطة طريق من 15 بندا لتنفيذ اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، ضمن تصور يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث لا ينتقل أي طرف إلى مرحلة لاحقة إلا بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات المقابلة من الطرف الآخر.
وجاء طرح ملادينوف خلال مداخلة عبر تقنية الفيديو أمام مجلس الأمن الدولي في جلسة خُصصت لبحث تطورات الشرق الأوسط ومستقبل وقف إطلاق النار في غزة، في ظل استمرار هشاشة الهدنة وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية داخل القطاع.
وتشمل الخريطة ملفات شديدة الحساسية، أبرزها نزع سلاح حركة “حماس” وباقي الفصائل المسلحة، وإعادة تنظيم الحوكمة في غزة، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وبدء الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وصولا إلى إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة في المناطق التي يتم التحقق من نزع السلاح فيها.
خمسة مبادئ تأسيسية لتنفيذ وقف إطلاق النار
قال ملادينوف إن خريطة الطريق تبدأ بخمسة مبادئ أساسية، أولها التزام جميع الأطراف بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة السلام الشاملة بالكامل، باعتبارهما الإطار السياسي والقانوني الناظم للمرحلة المقبلة.
أما المبدأ الثاني، فيشترط استكمال جميع التزامات وقف إطلاق النار، بما في ذلك فتح المعابر، وتطبيق البروتوكول الإنساني المتفق عليه في شرم الشيخ، وضمان إدخال الوقود والمواد الأساسية اللازمة لتشغيل الخدمات الحيوية في القطاع.
وينص المبدأ الثالث على إنشاء آلية تحقق مستقلة تضم ممثلين عن الجهات المانحة ولجنة تثبيت القوة الدولية، على أن تكون مهمتها التأكد من تنفيذ كل مرحلة قبل السماح بالانتقال إلى المرحلة التالية. وبحسب ملادينوف، فإن هذه الآلية تهدف إلى منع انهيار الاتفاق أو استغلال الثغرات من أي طرف.
قوة دولية واستبعاد حماس من إدارة غزة
يتضمن المبدأ الرابع إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، تتولى الإشراف على ترتيبات الأمن والحوكمة وإعادة الإعمار، بما يمهد لعودة السلطة الفلسطينية إلى تحمل مسؤولياتها في قطاع غزة.
وفي المقابل، يؤكد المبدأ الخامس أن حركة حماس وباقي الفصائل المسلحة لن يكون لها أي دور في إدارة القطاع، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويعكس هذا البند جوهر التصور المطروح لمستقبل غزة، إذ يربط بين إعادة بناء المؤسسات المدنية وإنهاء وجود الهياكل المسلحة الموازية للسلطة الرسمية.
وأوضح ملادينوف أن أي مجتمع لا يمكن أن يتعافى في ظل وجود جماعات مسلحة تعمل خارج إطار الحكومة، معتبرا أن معالجة الملف الأمني شرط أساسي للانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار السياسي.
نزع السلاح بقيادة فلسطينية وإشراف دولي
في البنود الأمنية الممتدة من السادس إلى التاسع، شدد ملادينوف على أن نزع سلاح الفصائل يجب أن يتم بشكل متدرج ووفق جدول زمني محدد، وبقيادة فلسطينية ورقابة دولية، وليس بصورة فورية أو قسرية.
وأكد أن الفصائل الفلسطينية المسلحة لن يُطلب منها تسليم أسلحتها إلى إسرائيل، بل إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، قائلا إن “السلاح لا يُسلّم إلى العدو، بل إلى الدولة الفلسطينية ممثلة في اللجنة الوطنية لإدارة غزة”.
ويحاول هذا الطرح، وفق ما أوضح ملادينوف، معالجة إحدى أكثر النقاط تعقيدا في الاتفاق، وهي كيفية نزع السلاح دون تحويل العملية إلى استسلام سياسي أو أمني أمام إسرائيل، وفي الوقت نفسه دون إبقاء السلاح خارج سلطة الإدارة الفلسطينية الجديدة.
قوة الاستقرار بين الجيش الإسرائيلي ومناطق الإدارة الفلسطينية
ينص المبدأ الثاني عشر في خريطة الطريق على نشر قوة الاستقرار الدولية بين القوات الإسرائيلية والمناطق التي تسيطر عليها اللجنة الوطنية، بهدف حماية عملية نزع السلاح وتأمين العمليات الإنسانية ومنع الاحتكاك المباشر بين الأطراف.
ويهدف هذا الانتشار إلى خلق منطقة فاصلة تساعد في تثبيت وقف إطلاق النار، وتوفر ضمانات للفلسطينيين خلال عملية تسليم السلاح، وفي الوقت ذاته تمنح إسرائيل ضمانات أمنية مرتبطة بالتحقق الدولي من تنفيذ الالتزامات.
انسحاب إسرائيلي مرحلي مرتبط بالتحقق
في المقابل، يلزم المبدأ الثالث عشر إسرائيل بالانسحاب على مراحل من قطاع غزة وفق جدول زمني يرتبط مباشرة بمدى التقدم في نزع السلاح والتحقق منه.
وشدد ملادينوف على أن العلاقة بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي تمثل جوهر خريطة الطريق، قائلا إن تسارع العملية الانتقالية سيؤدي إلى تسارع انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
أما المبدأ الرابع عشر، فيجعل اللجنة الوطنية مسؤولة عن معالجة الانتهاكات الأمنية داخل غزة، بما يعني نقل إدارة الأمن الداخلي تدريجيا إلى جهة فلسطينية جديدة، تحت رقابة دولية.
إعادة الإعمار تبدأ من المناطق المنزوعة السلاح
اختتم ملادينوف خريطة الطريق بالمبدأ الخامس عشر، الذي ينص على أن إعادة الإعمار ستبدأ في المناطق التي يتم التأكد من نزع السلاح فيها.
وقال إن أموال إعادة الإعمار لن تتدفق بشكل واسع ما لم تتوفر ضمانات أمنية واضحة، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي سيترك ملايين الفلسطينيين عالقين بين الأنقاض والخيام، معتمدين على المساعدات دون أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
وأضاف أن استمرار التعطيل يعني “لا استثمار، لا تحرك، لا أفق”، بما ينذر ببقاء جيل آخر من أطفال غزة في ظروف الخوف والفقر والتهجير.
وقف إطلاق نار هش وانتهاكات يومية
وصف ملادينوف وقف إطلاق النار في غزة بأنه “العنصر الأهم” في المرحلة الحالية، لكنه شدد على أنه لا يزال هشا وغير مثالي ويتعرض لانتهاكات يومية تهدد المدنيين.
وحذر من أن الخطر الأكبر يتمثل في تحول “الوضع الراهن” إلى وضع دائم، بحيث تبقى غزة منقسمة، مع سيطرة إسرائيل على نحو 60% من مساحة القطاع، واستمرار سيطرة حماس العسكرية والإدارية على أكثر من مليوني فلسطيني في أقل من نصف المساحة المتبقية.
وقال إن هذا السيناريو لن يحقق الأمن لإسرائيل، ولن يفتح مسارا واقعيا لتقرير المصير الفلسطيني، بل سيكرس حالة الانسداد والاعتماد الدائم على المساعدات الإنسانية.
الأمم المتحدة تحذر: تنفيذ القرار 2803 لا يحتمل الانتظار
في السياق ذاته، حذر رامز الأكبروف، نائب المنسق الأممي الخاص لعملية السلام، من أن تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2803 لا يمكن أن ينتظر أكثر.
وقال الأكبروف إن الأوضاع الإنسانية في غزة لا تزال بالغة الصعوبة، وإن السكان يعتمدون يوميا على المساعدات، رغم تسجيل زيادة محدودة في حجم الإمدادات بعد إعادة فتح معبر بيت حانون منتصف أبريل/نيسان الماضي.
وأشار إلى أن العمليات الإنسانية ما زالت مقيدة بفعل القيود المفروضة على السلع ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب النقص في الوقود وقطع الغيار والمبيدات، وهو ما يعرقل توفير الخدمات الأساسية، من المياه والصرف الصحي إلى الصحة والنقل والإغاثة.
الضفة الغربية على خط التحذيرات
لم تقتصر الإحاطة الأممية على غزة، إذ حذر الأكبروف أيضا من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية، مشيرا إلى استمرار توسيع المستوطنات، وتصاعد عنف المستوطنين، وتزايد خطاب التحريض.
وتعكس هذه التحذيرات مخاوف أممية من أن يؤدي استمرار التوتر في الضفة إلى تقويض أي تقدم محتمل في غزة، خصوصا في ظل الارتباط السياسي والأمني بين مساري القطاع والضفة في أي تصور مستقبلي للدولة الفلسطينية.
مرحلة ثانية معلقة بعد تبادل الأسرى
وكان وقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، بعد عامين تقريبا من اندلاع الحرب في 2023. وشهدت المرحلة الأولى من الهدنة إطلاق سراح آخر الرهائن الإسرائيليين مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين.
غير أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لا يزال معلقا، وهي المرحلة التي يفترض أن تشمل نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجيا، وبدء ترتيبات الحوكمة وإعادة الإعمار.
وبينما يضغط “مجلس السلام” باتجاه تنفيذ متزامن ومشروط للالتزامات، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة بشأن قدرة الأطراف على القبول بهذه الترتيبات، ومدى استعداد إسرائيل للانسحاب، ومدى قبول الفصائل الفلسطينية بآلية نزع السلاح، وحجم الضمانات الدولية المطلوبة لمنع انهيار الاتفاق.
