المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة قال لقناة الغد إن خطته من 15 بندًا تقوم على “خطوة مقابل خطوة”، وتشترط حكمًا مدنيًا انتقاليًا، نزع سلاح الفصائل، انسحابًا إسرائيليًا، وفتح مسار نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية
قال نيكولاي ملادينوف، المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة، إن القطاع يقف عند لحظة شديدة الخطورة، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن قد يحوّل غزة إلى “أمر واقع دائم”، يعيش فيه الفلسطينيون داخل مساحة ضيقة، بلا إعادة إعمار حقيقية، ولا تعافٍ إنساني، ولا أفق سياسي.
وأوضح ملادينوف في حوار رصدته "وكالة قدس نت للأنباء" عبر برنامج “مدار الغد” مع الإعلامي سامي كليب، أن خريطة الطريق التي طرحها أمام مجلس الأمن، والمكوّنة من 15 بندًا، جاءت لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشاملة للسلام في غزة، بعد تعثر مراحلها الأولى نتيجة استمرار الخروقات، وتعطّل تدفق المساعدات الإنسانية، وبقاء الملفات الأمنية والسياسية من دون معالجة عملية.
خريطة طريق لإزالة العوائق
قال ملادينوف إن وقف إطلاق النار منذ لحظة إقراره واجه “مشكلات يومية”، من بينها انتهاكات ميدانية، وتأخير وصول المساعدات الإنسانية، وعدم وضوح المسار السياسي والأمني المطلوب بعد الهدنة.
وأضاف أن مشاورات بدأت منذ ديسمبر الماضي مع مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة للبحث في آلية تنفيذ الخطة، عبر ترتيب انتقالي يقوم على تراجع حماس عن الحكم المباشر في غزة، وتشكيل سلطة مدنية انتقالية، وصولًا إلى تمكين سلطة فلسطينية “مصلحة” من تولي مسؤولياتها في القطاع.
وأكد أن المنهج الذي يطرحه مجلس السلام يقوم على مبدأ “المعاملة بالمثل” و“الخطوة مقابل خطوة”، بحيث لا يُطلب من طرف تنفيذ التزاماته بمعزل عن التزامات الطرف الآخر.
“غزة ليست في تعافٍ”
وصف ملادينوف الوضع في غزة بأنه “فضيع” و”كارثي”، مؤكدًا أن ما تغير منذ وقف إطلاق النار لا يمكن اعتباره تعافيًا كاملًا.
وأشار إلى أن سكان القطاع ما زالوا بحاجة ماسّة إلى الغذاء، الكهرباء، الطاقة، الخدمات الطبية، المساعدات الإنسانية، ومواد إعادة الإعمار. وقال إن الفلسطينيين في غزة حُرموا من مقومات الحياة الطبيعية خلال سنوات طويلة، وإن العودة إلى الحد الأدنى من الحياة المدنية تتطلب انتقالًا سريعًا من الوعود السياسية إلى التنفيذ الميداني.
وأضاف أن أكثر ما يقلقه هو أن يبقى مليونا فلسطيني محصورين في مساحات ضيقة، وأن يتحول هذا الواقع إلى صيغة دائمة، بما يعني بقاء غزة بلا إعادة إعمار، وبلا اقتصاد، وبلا مؤسسات قادرة على خدمة الناس.
رسالة لإسرائيل: التزموا بتفاهمات شرم الشيخ
وجّه ملادينوف رسالة واضحة إلى إسرائيل، قال فيها إن عليها الالتزام بما تم الاتفاق عليه في بروتوكول شرم الشيخ، خصوصًا ما يتعلق بوقف القتل، وفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية، وعدم إعاقة المواد الأساسية اللازمة للحياة وإعادة الإعمار.
وأوضح أن مجلس السلام يتحدث مع الجانب الإسرائيلي يوميًا، ويذكّره بأن غزة بحاجة إلى تدفق إنساني حقيقي، لا إلى إجراءات شكلية. وقال إن الأطفال والمرضى والمدنيين في القطاع لا يمكن أن يبقوا رهينة التأخير أو القيود.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تنفيذ الخطة “لا يمكن أن يتقدم عبر الالتزامات الفلسطينية وحدها”، كما لا يمكن أن يُطلب من إسرائيل وحدها الالتزام من دون أن تلتزم حماس والفصائل بما قبلت به ضمن الخطة.
رسالة لحماس: لا حكم مباشر ولا سلاح خارج السلطة
في المقابل، قال ملادينوف إن حماس مطالبة بالالتزام بما سبق أن وافقت عليه، وفي مقدمة ذلك ألا يكون لها دور مباشر أو غير مباشر في حكم غزة.
وأضاف أن ملف السلاح يجب أن يُعالج بوضوح، وأن الهدف هو أن يكون هناك “سلاح واحد للدولة”، وأن تُنزع أسلحة الفصائل الفلسطينية ضمن ترتيب أمني منظم، بحيث تصبح اللجنة المدنية الانتقالية هي الجهة المسؤولة عن القطاع.
وأوضح أن نزع السلاح ليس مطلبًا منفصلًا عن الانسحاب الإسرائيلي، بل جزء من معادلة أوسع تشمل الأمن، الحكم المدني، المساعدات، إعادة الإعمار، وعودة الحياة الطبيعية.
لجنة وطنية لإدارة غزة
بحسب ملادينوف، تقوم الخطة على إنشاء أو تمكين لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة، تتولى الحكم المدني خلال المرحلة الانتقالية، بدعم من مجلس السلام، إلى حين إصلاح السلطة الفلسطينية وتمكينها من استئناف مسؤولياتها في القطاع.
وقال إن هذه اللجنة يجب أن تكون الجهة المسؤولة عن كل ما يجري في غزة، بحيث لا تبقى هناك سلطات موازية أو قوى مسلحة تعمل خارج إطارها.
وأوضح أن وجود إدارة مدنية واحدة شرط أساسي لإعادة الثقة، وضمان وصول المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الأمني.
إصلاح السلطة طريق إلى الدولة
ربط ملادينوف مستقبل غزة بمسار أوسع يتعلق بإصلاح السلطة الفلسطينية وفتح أفق سياسي نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
وقال إن السلطة الفلسطينية تعمل مع شركاء دوليين، بينهم الاتحاد الأوروبي وفرنسا والسعودية، على برنامج إصلاحي يجب تطبيقه على الأرض، حتى تكون قادرة على تحمل مسؤولياتها في غزة مستقبلًا.
وأضاف أن إصلاح السلطة ليس مسألة إدارية فقط، بل خطوة سياسية ضرورية لفتح الطريق أمام حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية.
تحذير من تقسيم غزة
حذّر ملادينوف من أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تكريس واقع تكون فيه غزة مقسمة بين مناطق تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي ومناطق أخرى تحت سلطة فلسطينية منقوصة أو غير موحدة.
وقال إن بقاء الغزيين في أقل من نصف مساحة القطاع، مقابل استمرار السيطرة الإسرائيلية على المساحات الأخرى، يعني عمليًا إغلاق الطريق أمام أي حل سياسي أو إعادة إعمار حقيقية.
وأكد أن الطريق الوحيد إلى مستقبل أفضل هو انسحاب إسرائيل من غزة، وقيام سلطة مدنية انتقالية، ونزع سلاح الفصائل، وفتح مسار سياسي واضح يقود إلى الدولة الفلسطينية.
“لن ننتظر إلى الأبد”
وردًا على سؤال بشأن الخطوات المقبلة، قال ملادينوف إن مجلس السلام “لن ينتظر إلى الأبد”، وإن المطلوب الآن هو الانتقال من النقاش السياسي إلى التنفيذ العملي.
وأضاف أن الخطة باتت مطروحة أمام الأطراف، وأن المطلوب هو جواب واضح يسمح بالتحرك إلى الأمام. وأكد أن مجلس السلام يريد أن يكون قادرًا على العمل داخل غزة وفق الخطة، وأن يضمن نجاح جهود التعافي وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة يفترض أن تشمل تدريب قوة أمنية وشرطة فلسطينية، بالتعاون مع مصر وشركاء آخرين، لضمان وجود إطار أمني قادر على إدارة الوضع بعد تثبيت الترتيبات المدنية.
التمويل الدولي غير كافٍ
وفي ملف المساعدات، قال ملادينوف إن ما جرى جمعه لإعادة إعمار غزة “قليل جدًا ولا يكفي”، رغم وجود مساهمات مهمة من دول عربية، بينها الإمارات وقطر ومصر.
وأكد أن غزة تحتاج إلى دعم دولي أوسع بكثير، وإلى تنسيق كامل بين مجلس السلام، الأمم المتحدة، اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والدول الشريكة، حتى تتحول المساعدات من تدخلات طارئة إلى مسار تعافٍ حقيقي.
خلاصة المشهد
يعرض ملادينوف خريطة طريق تحاول الجمع بين الإنساني والسياسي والأمني: وقف القتل، إدخال المساعدات، إعادة الإعمار، حكم مدني انتقالي، نزع السلاح، انسحاب إسرائيلي، وإصلاح السلطة الفلسطينية تمهيدًا لمسار الدولة.
لكن نجاح هذه الخطة يبقى مرهونًا بقبول الأطراف الأساسية، وبقدرة الوسطاء على تحويل البنود من نصوص سياسية إلى خطوات ميدانية. فغزة، كما قال ملادينوف، لا تملك ترف الانتظار، والفلسطينيون بحاجة إلى معرفة إلى أين تقودهم هذه العملية: إلى حياة طبيعية ودولة، أم إلى واقع دائم من الحصار والانقسام والدمار.
