هل يقيّد ترامب يد نتنياهو أم تدفع إسرائيل المنطقة إلى ردّ واسع على إيران؟

دونالد ترامب ترامب بنيمين نتنياهو (بالصورة: ليف رادين/شترستوك، رويترز/ناثان هوارد، كوانت هاجو/وكالة الصحافة الفرنسية، شترستوك)

تتجه الأنظار إلى ما بعد المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل تسريبات إسرائيلية وأميركية تتحدث عن محاولة واشنطن كبح رد إسرائيلي مباشر على الهجوم الصاروخي الإيراني، مقابل إصرار داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية على عدم السماح لطهران بفرض “معادلة جديدة”.

وجاء التصعيد الأخير بعد غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، قالت إسرائيل إنها استهدفت مواقع لحزب الله، قبل أن ترد إيران بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في أول هجوم مباشر من هذا النوع منذ اتفاق هش لوقف التصعيد في نيسان/ أبريل. وأكد الجيش الإسرائيلي اعتراض الصواريخ أو سقوطها في مناطق مفتوحة، بينما دوّت صفارات الإنذار في مناطق شمالية وطلب من السكان دخول الملاجئ.

وبحسب موقع أكسيوس، أبلغ ترامب نتنياهو أنه لا يريد ردًا إسرائيليًا على الهجوم الإيراني، معتبرًا أن “كل طرف نفذ ضربته” وأن استمرار الردود المتبادلة سيبقي المنطقة في حلقة تصعيد مفتوحة. ونقل الموقع عن مسؤول أميركي قوله إن الولايات المتحدة “ليست جزءًا” من الضربة الإسرائيلية، في إشارة إلى محاولة البيت الأبيض النأي بنفسه عن قرار تل أبيب قصف بيروت.

في المقابل، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن نتنياهو حاول خلال الاتصال الهاتفي الاعتراض على طلب ترامب بعدم الرد، لكنه قبل في نهاية المطاف بعدم تنفيذ رد فوري. وتزامن ذلك مع ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية عن عقد نتنياهو مشاورات أمنية عقب المكالمة، وسط تقديرات بأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تضغط باتجاه رد “مدروس” يحافظ على الردع ولا يصطدم مباشرة بالرغبة الأميركية في احتواء التصعيد.

ونقلت  القناة 12 عن مسؤول أميركي قوله، أن “ترامب لا يتوقع هجومًا إسرائيليًا في المدى القريب وطلب من نتنياهو عدم الرد على الهجوم الإيراني والسماح ببضعة أيام أخرى لإتمام المفاوضات، وكسب ترامب مزيدا من الوقت ، فهو يعتقد أننا قريبون من التوصل إلى اتفاق”.

واشنطن تنفي الغطاء.. وتخشى انهيار مسار التفاوض

اللافت في الموقف الأميركي أن البيت الأبيض، وفق التسريبات، لم يمنح إسرائيل ضوءًا أخضر واضحًا لتنفيذ غاراتها على بيروت، بل إن ترامب عبّر علنًا عن عدم رضاه عن الضربة، وقال إنها لم تكن منسقة مع واشنطن، وإنها لا تساعد مسار التفاوض مع إيران. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن ترامب قوله إن الضربات الإسرائيلية على بيروت “لم تكن منسقة” مع الولايات المتحدة، وإنه “غير سعيد” بها.

هذا الموقف يعكس، بحسب مراقبين، اختلافًا في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب. فالإدارة الأميركية تريد منع انهيار المفاوضات مع إيران، وترى أن الردود المتبادلة قد تطيح بفرصة اتفاق أوسع. أما إسرائيل، فتتعامل مع الهجوم الإيراني باعتباره اختبارًا لقواعد الردع بعد السابع من أكتوبر، وترى أن عدم الرد قد يرسخ حق إيران في المبادرة إلى قصف مباشر كلما تعرض حلفاؤها أو مواقعها للضرب.

وفي مقابلة مع فايننشال تايمز، قال ترامب إن الاتفاق مع إيران “قد ينجح أو قد لا ينجح”، لكنه شدد على أن الضربات الأخيرة لن تؤثر عليه “بأي شكل من الأشكال”، في رسالة أراد من خلالها فصل المسار التفاوضي عن التصعيد العسكري الطارئ.

إسرائيل بين ضغط الردع وضغط ترامب

داخل إسرائيل، تتصاعد المطالب برد قاسٍ على إيران. فقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول رفيع أن الرد “قائم بغض النظر عن توقيته”، وأن تل أبيب تبحث صيغة تحظى بدعم أميركي أو على الأقل لا تؤدي إلى صدام علني مع واشنطن.

كما أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير أن الجيش مستعد لتنفيذ “ضربة قوية” فور صدور الأوامر السياسية. وأشار المتحدث باسم الجيش إيفي ديفرين إلى أن القيادة العسكرية صادقت على خطط عمليات مقبلة، وأن إسرائيل لن تسمح لإيران أو حلفائها بفرض “معادلات جديدة”. وتفيد التقارير بأن زامير أجرى محادثتين خلال الساعات الأخيرة مع قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، في مؤشر إلى استمرار التنسيق الأمني رغم الخلاف السياسي حول مستوى الرد.

ويقول المختص في الشأن الإسرائيلي الدكتور مهند مصطفى إن إسرائيل “سترد حتمًا” لأنها لا تقيس المسألة بعدد الإصابات أو حجم الأضرار فقط، بل بخطورة السماح لإيران بتثبيت مبدأ الهجوم المباشر. ويرى مصطفى أن قادة الجيش يضغطون على نتنياهو لمنحهم الضوء الأخضر، لأن منظومة الردع الإسرائيلية تعرضت، وفق تقديرهم، لاختبار قاسٍ لا يمكن تجاوزه بالصمت.

لكنه يضيف أن نتنياهو خسر استراتيجيًا “ورقة لبنان” للمناورة والضغط، بعدما أصبح واضحًا أن ترامب لا يريد توسيع الحرب ولا يريد أن تكون واشنطن شريكة في هجوم كبير قد يفتح مواجهة إقليمية أوسع.

حالة طوارئ داخل إسرائيل

ميدانيًا، أعلنت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تعليق الدراسة في أنحاء إسرائيل كافة، وحظر جميع الأنشطة التعليمية، مع فرض قيود على التجمعات، وطلبت من السكان التأكد من جاهزية الغرف المحصنة والملاجئ. كما أشارت تقارير إسرائيلية إلى بحث إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية في مطار بن غوريون إذا تدهورت الأوضاع.

وأفادت خدمات الإسعاف الإسرائيلية بأن امرأة تبلغ من العمر 79 عامًا أُصيبت أثناء توجهها إلى ملجأ في شمال إسرائيل، ونُقلت للعلاج في مستشفى رمبام في حيفا، فيما لم تُسجل إصابات مباشرة واسعة من الصواريخ الإيرانية بحسب الرواية الإسرائيلية.

كما أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية استدعاء القوى البشرية إلى المستشفيات، ورفع الجاهزية للانتقال السريع إلى حالة الطوارئ، بما في ذلك العمل وفق خطط النزول إلى الملاجئ والأماكن المحصنة. وتأتي هذه الإجراءات وسط مخاوف من رد إسرائيلي يقابله رد إيراني أو رد من جبهات حليفة لطهران.

إيران توسع بنك التهديدات: هرمز وباب المندب

على الجانب الإيراني، ارتفعت لهجة التهديدات بصورة لافتة. فقد حذر مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي من أن أمام “العدو” خيارين: إما الكف عن ما سماه “الحماقات”، أو الدخول في “معادلة توازن منضبطة” تشمل مضيقي هرمز وباب المندب.

وقال إن قوى المقاومة تمتلك القدرة على إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب، مضيفًا أن الأمن القائم في باب المندب لا ينبغي أن يدفع إسرائيل إلى الخطأ في الحسابات. وتكمن خطورة هذا التهديد في أنه ينقل التصعيد من حدود الرد العسكري المباشر إلى مستوى الممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية، وهي نقطة حساسة بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا ودول المنطقة.

وفي السياق ذاته، نقلت رويترز عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قوله إن القواعد الأميركية والأصول الإسرائيلية في الشرق الأوسط أصبحت أهدافًا مشروعة، وذلك بعد التصعيد في لبنان والضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت.

بيروت في قلب المعادلة

تبدو بيروت، وتحديدًا الضاحية الجنوبية، نقطة الاشتعال التي فجرت سلسلة الردود الأخيرة. فإسرائيل قالت إن غاراتها جاءت ردًا على إطلاق نار من حزب الله باتجاه شمال إسرائيل، بينما اعتبرت إيران وحزب الله أن استهداف بيروت يمثل تجاوزًا للخطوط التي أُرسيت في تفاهمات وقف التصعيد.

وتقول وكالة أسوشيتد برس إن إسرائيل قصفت الضاحية الجنوبية من دون تحذير، رغم طلب أميركي سابق بعدم مهاجمة العاصمة اللبنانية، وإن الضربة أسفرت عن قتلى وجرحى وفق وزارة الصحة اللبنانية.

هذا التطور يضع لبنان مجددًا في موقع الساحة المفتوحة على حسابات إقليمية أوسع. فإسرائيل تريد منع حزب الله من استعادة زمام المبادرة في الشمال، وإيران تريد منع إسرائيل من تحويل بيروت إلى ساحة ضغط مجانية، بينما تسعى واشنطن إلى منع انفجار الجبهة اللبنانية بما يهدد أي اتفاق محتمل مع طهران.

هل يكون الرد الإسرائيلي مؤجلًا لا ملغى؟

رغم قبول نتنياهو، بحسب التسريبات الإسرائيلية، طلب ترامب عدم الرد الفوري، فإن المؤشرات لا توحي بأن الرد الإسرائيلي أُلغي بالكامل. الأقرب أن تل أبيب تبحث عن رد مؤجل أو محدود أو متعدد الجبهات، يحقق هدفًا ردعيًا من دون دفع واشنطن إلى موقف معارض علني.

وهنا تكمن المعضلة: إذا ردت إسرائيل بقوة على إيران، فقد تتوسع المواجهة إلى جبهات أخرى، وربما إلى الممرات البحرية. وإذا امتنعت عن الرد، فقد تواجه الحكومة الإسرائيلية اتهامات داخلية بالتراجع أمام ضغط أميركي وبالقبول بمعادلة إيرانية جديدة.

أما ترامب، فيحاول أن يظهر كمن يمسك بخيوط الأزمة: يمنع نتنياهو من الانفلات العسكري، ويطلب من إيران العودة إلى الطاولة، ويؤكد أن الاتفاق لا يزال ممكنًا. لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هامش السيطرة يضيق مع كل ضربة، وأن قرارًا واحدًا في بيروت أو طهران أو تل أبيب قد يعيد المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

وبين حسابات الردع الإسرائيلية، وضغوط التفاوض الأميركية، ورسائل التهديد الإيرانية، يبقى السؤال المركزي مفتوحًا: هل نجح ترامب فعلًا في منع الرد الإسرائيلي، أم أنه أجّله فقط إلى ضربة تبحث تل أبيب عن توقيتها وشكلها؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - واشنطن/تل أبيب/طهران