بقلم: أكرم أبو شرخ
لم يعد في غزة متسعٌ للترف أو الانتظار. فبعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، لم يعد السؤال عن المدارس والملاعب والحدائق، بل عن حق الطفل في أن يضحك دون خوف، وأن ينام دون قصف، وأن يكبر دون أن تسرق الحرب ملامح طفولته وأحلامه.
اليوم، يُعد أطفال غزة الفئة الأكثر تضرراً من هذه المأساة الممتدة. فقد كثيرون منهم بيوتهم ومدارسهم وألعابهم، وفقد بعضهم أحبّاءهم ومصادر الأمان في حياتهم. وفي خضم هذا الواقع القاسي، تبرز المبادرات الإنسانية بوصفها رسالة أمل تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من الدمار، وأن الإنسان قادر على صناعة الأمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
وفي هذا السياق، أعلنت مبادرة «الفارس الشهم (3)» عن إطلاق مخيمات صيفية لأطفال قطاع غزة خلال الأيام المقبلة، في خطوة إنسانية تهدف إلى التخفيف من آثار الحرب على الطفولة الفلسطينية.
ولا يقتصر الهدف من هذه المخيمات على الترفيه فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى انتشال الأطفال من دائرة الخوف والحزن إلى فضاء الفرح والأمل، وإعادة شيء من التوازن النفسي إلى حياتهم. إنها رسالة تقول لكل طفل: أنت لست وحدك، وما زال المستقبل ينتظرك.
وستتضمن المخيمات برامج وأنشطة متنوعة، تشمل فعاليات ترفيهية وتعليمية تكسر روتين النزوح والخيام، ودعماً نفسياً وصحياً للتخفيف من آثار الصدمات التي خلّفتها الحرب، إلى جانب تقديم الوجبات والهدايا والمسابقات التي تعزز شعور الأطفال بالاهتمام والكرامة، وتوفير مساحات آمنة للعب بعيداً عن أجواء الخوف والدمار.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟
لأن أطفال غزة لا يستطيعون الانتظار أكثر. ولأن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى بارقة أمل في هذا الواقع المثقل بالألم. وكما قال سمير المشهراوي: «الشعب الفلسطيني يتوق إلى سماع أخبار مفرحة بشأن قطاع غزة». ولعل أكثر الأخبار قدرة على صناعة الفرح هي تلك التي ترتسم في عيون الأطفال وابتساماتهم.
وبالتوازي مع الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب وتخفيف معاناة السكان، يبقى العمل الإنساني ضرورة أخلاقية ووطنية لا تقل أهمية. فلا يكفي أن يتوقف نزيف الدم، بل لا بد من إعادة ترميم الإنسان، واستعادة قدرته على الحلم والحياة.
إن غزة تستحق أن ترى النور من جديد، وأولى خطوات هذا النور تبدأ بحماية أطفالها ورعاية أحلامهم. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من أرض أو عمران، بل بما تمنحه لأطفالها من أمن وكرامة وفرص للحياة.
إن شعار «معاً من أجل طفولة غزة» ليس مجرد عنوان لمبادرة إنسانية، بل رؤية أخلاقية ورسالة حضارية تؤكد أن حماية الطفولة هي حماية للمستقبل نفسه. فحين نحمي الطفل، نحمي الذاكرة والهوية والأمل، ونصون حق الأجيال القادمة في أن تعيش حياةً تليق بإنسانيتها.
فالوطن لا يُبنى بالركام، ولا ينهض من بين الأنقاض وحدها، بل يُبنى بأطفال يؤمنون بأن الحياة حق لهم، وأن المستقبل ما زال ممكناً رغم كل ما مرّ بهم من ألم ومعاناة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
