دخل تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، بقيادة محمد دحلان، مرحلة جديدة من إعادة ترتيب بنيته التنظيمية والسياسية في قطاع غزة، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسط مؤشرات على استعداد التيار لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بقائمة مستقلة أو ضمن تحالف انتخابي أوسع مع قوى وفصائل فلسطينية أخرى.
وتأتي التحركات في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية، تتداخل فيها ترتيبات ما بعد الحرب في غزة مع إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني والاستعداد لأول انتخابات تشريعية منذ عام 2006، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى تثبيت حضوره السياسي والتنظيمي قبل فتح باب المنافسة رسمياً.
وبحسب تقرير نشرته قناة i24NEWS الأحد 9 أغسطس/آب 2026 نقلاً عن مصادرها، أجرى تيار الإصلاح الديمقراطي خلال الأيام الأخيرة سلسلة تغييرات في المواقع القيادية والتنظيمية داخل قطاع غزة، شملت إعادة توزيع مسؤوليات واستبدال شخصيات بأخرى، في إطار ما وصفته المصادر بعملية إعادة هيكلة تستهدف رفع الجاهزية للانتخابات المقبلة وتعزيز حضور التيار في الشارع الغزي.
المشهراوي في قلب إدارة التنظيم
ووفق المصادر نفسها، يتجه التيار إلى تعزيز الدور التنفيذي والتنظيمي لسمير المشهراوي، أحد أبرز قياداته والمقيم لفترات طويلة في مصر، بحيث يتولى الإشراف المباشر على الملفات التنظيمية والإدارية والمالية وإدارة العمل اليومي، فيما يحتفظ محمد دحلان بموقعه القيادي والسياسي الأبرز وبإدارة المواقف والملفات السياسية الكبرى.
ويعكس هذا التوزيع، إذا استقر بالصورة التي تحدث عنها التقرير، محاولة للفصل بين القيادة السياسية العامة للتيار وبين الإدارة التنظيمية التنفيذية، في مرحلة تتطلب استعداداً انتخابياً واسعاً وإعادة تشغيل الأطر التنظيمية والجماهيرية داخل غزة.
وتمنح هذه الترتيبات المشهراوي ثقلاً أكبر في إدارة البنية الداخلية، خصوصاً أنه كان حاضراً خلال السنوات الماضية في عدد من جولات الحوار الفلسطيني والاتصالات المتعلقة بقطاع غزة، إلى جانب قيادات أخرى في تيار الإصلاح.
أسامة الفرا وملف الانتخابات
وفي موازاة إعادة ترتيب القيادة التنظيمية، قالت مصادر i24NEWS إن أسامة الفرا أُسندت إليه مسؤولية لجنة الانتخابات داخل التيار، مع تكليفه بالإعداد للاستحقاق التشريعي والعمل على تجهيز التصورات المتعلقة بالقائمة الانتخابية والمرشحين والتحالفات المحتملة.
وتشير المعلومات إلى أن الخيارات ما زالت مفتوحة أمام التيار بين خوض الانتخابات بقائمة خاصة أو الدخول في صيغة ائتلافية مع قوى وشخصيات وفصائل أخرى، وهو خيار ستكون له دلالات مهمة في حال اتجهت القوى السياسية الفلسطينية إلى تشكيل قوائم عابرة للأطر التقليدية في ضوء التحولات التي أحدثتها الحرب في بنية المجتمع والسياسة في قطاع غزة.
وكان الفرا، بحسب التقرير، من الشخصيات التي شاركت في اتصالات مرتبطة بمفاوضات القاهرة الأخيرة بشأن غزة، ما يضعه في موقع يجمع بين الملفين السياسي والانتخابي خلال المرحلة المقبلة.
إعادة بناء الإعلام والعمل الجماهيري
وشملت التغييرات، وفق التقرير، الملف الإعلامي أيضاً، إذ نُسب إلى المصادر القول إن أيمن شاهين أُسندت إليه مسؤولية إدارة المنظومة الإعلامية المرتبطة بالتيار، بالتوازي مع تكليف شخصيات أخرى بإدارة العمل الجماهيري وتنشيط اللقاءات والتواصل مع السكان في قطاع غزة.
وتكشف هذه التحركات أن التحضير للانتخابات لا يقتصر على تشكيل قائمة مرشحين، وإنما يمتد إلى إعادة بناء الأدوات الإعلامية والجماهيرية والتنظيمية، في محاولة لاستثمار الأشهر المتبقية حتى موعد الاقتراع في توسيع الحضور الشعبي وإعادة ربط الأطر التنظيمية بالقواعد الاجتماعية داخل القطاع.
الإغاثة والسياسة.. حضور متزايد في غزة
ويتزامن التحرك التنظيمي مع نشاط إغاثي وإنساني واسع في قطاع غزة تدعمه جهات إماراتية، وفي مقدمتها عملية «الفارس الشهم»، التي لعبت دوراً كبيراً في تقديم المساعدات الإنسانية خلال سنوات الحرب.
وربط تقرير i24NEWS بين توسع النشاط الإغاثي وبين المساعي لتعزيز حضور تيار دحلان مجتمعياً داخل غزة، إلا أن هذه القراءة تعود إلى مصادر التقرير ولا توجد، في المادة المنشورة، إفادة رسمية مستقلة تثبت أن المساعدات الإنسانية تُدار بوصفها أداة انتخابية.
كما نسبت القناة إلى مصادرها حديثاً عن قنوات تنسيق بين القائمين على بعض المساعدات وحركة «حماس»، معتبرة أن هذا الملف ساهم في بناء مستوى من التواصل بين قيادة الحركة وتيار الإصلاح. وتبقى هذه التفاصيل بدورها ضمن المعلومات المنسوبة للمصادر التي استند إليها التقرير.
دحلان وغزة.. من الوساطة إلى الحسابات السياسية
وتكتسب التحركات الجديدة أهمية إضافية على خلفية الدور السياسي الذي يحاول دحلان وتياره تثبيته في ملفات غزة، سواء عبر الاتصالات الإقليمية أو العلاقة مع القاهرة وأبوظبي أو قنوات التواصل مع الفصائل الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن معركة الانتخابات المقبلة قد تشكل اختباراً فعلياً لحجم نفوذ دحلان داخل قطاع غزة بعد سنوات من العمل السياسي والإغاثي والتنظيمي من خارج الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في ظل التحولات التي أصابت حركة «فتح» نفسها، وتراجع البنى التقليدية للحياة السياسية الفلسطينية خلال سنوات الانقسام والحرب.
وفي حال مشاركة تيار الإصلاح بصورة مستقلة، فإن الانتخابات قد تتحول إلى اختبار مباشر لوزن التيار في البيئة الفتحاوية، وبصفة خاصة في قطاع غزة، الذي شكّل تاريخياً إحدى أهم قواعد دحلان السياسية والتنظيمية.
أما الدخول في تحالف، فقد يفتح الباب أمام خريطة سياسية أكثر تعقيداً، تقوم على قوائم مشتركة وتحالفات تتجاوز الانقسام التقليدي بين «فتح» و«حماس».
28 نوفمبر.. الانتخابات تعيد تحريك الساحة الفلسطينية
وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر في 9 يوليو/تموز مرسوماً حدد بموجبه السبت 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة. وجدد الرئيس عباس في 3 أغسطس/آب تأكيده أن الانتخابات ستجرى في موعدها، فيما تواصل لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها الفنية واللوجستية للعملية الانتخابية.
وتأتي الانتخابات وفق تعديلات جديدة على قانون الانتخابات رفعت عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وخفضت سن الترشح إلى 23 عاماً ونسبة الحسم إلى 1 في المئة، إلى جانب ترتيبات متعلقة بتمثيل النساء في القوائم.
ومن المقرر أن يكون الاستحقاق التشريعي مقدمة لانتخابات رئاسية خلال الربع الأول من عام 2027، وفق الجدول السياسي المعلن، ما يجعل الأشهر المقبلة مرشحة لأن تشهد إعادة تموضع واسعة داخل القوى الفلسطينية وتشكيل تحالفات وقوائم جديدة.
معركة على «فتح» بقدر ما هي معركة على البرلمان
لكن تحركات تيار دحلان تحمل بعداً يتجاوز مجرد الاستعداد للحصول على مقاعد في المجلس التشريعي.
فالمنافسة المحتملة تمس بصورة مباشرة مستقبل الخريطة الفتحاوية، ومدى قدرة تيار الإصلاح على تحويل حضوره التنظيمي والإغاثي والسياسي في غزة إلى قوة انتخابية، في مقابل حركة «فتح» الرسمية وقيادتها الحالية.
ولهذا، فإن إعادة توزيع المسؤوليات بين دحلان والمشهراوي، وتخصيص قيادة مستقلة لملف الانتخابات، وتفعيل الإعلام والعمل الجماهيري، إذا تأكدت جميعها، تشير إلى أن التيار يتعامل مع استحقاق نوفمبر باعتباره أكثر من جولة انتخابية؛ بل محطة لإعادة تثبيت موقعه داخل المعادلة الفلسطينية.
كما أن علاقة التيار المتحسنة مع قوى فلسطينية أخرى، بما فيها «حماس»، قد تمنحه هامشاً أوسع للمناورة في ملف التحالفات، وإن كان من المبكر تحديد شكل القائمة التي سيخوض بها الانتخابات أو حسم طبيعة الشراكات الانتخابية المحتملة.
وبذلك تبدو غزة، التي كانت طوال السنوات الماضية مركز الحرب والانقسام والأزمة الإنسانية، مقبلة بالتوازي على معركة سياسية من نوع آخر: معركة إعادة توزيع النفوذ داخل الساحة الفلسطينية.
وبينما تتحرك السلطة الفلسطينية ولجنة الانتخابات باتجاه 28 نوفمبر، بدأت القوى والتيارات المختلفة بدورها في ترتيب مواقعها.
وفي قلب هذه التحركات، يظهر محمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي وهما يسعيان إلى تحويل سنوات الحضور السياسي والإغاثي والتنظيمي إلى وزن انتخابي قابل للقياس في صناديق الاقتراع، لتصبح الانتخابات المقبلة اختباراً ليس فقط لمكانة التيار في غزة، وإنما أيضاً لموازين القوى داخل حركة فتح ولشكل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.
