من واشنطن إلى فلسطين وإسرائيل: حين يتحرك الرأي العام أسرع من السياسة

بقلم: نبيل كوكالي

الدكتور نبيل كوكالي

بقلم: الدكتور نبيل كوكالي

مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)

 

تقرير بحثي متكامل

ماذا تكشف استطلاعات أميركية وفلسطينية وإسرائيلية عن مشهد سياسي متغير؟

المقدمة

لم يعد النقاش حول فلسطين وإسرائيل قابلاً للاختزال في سؤال: من يؤيد إسرائيل ومن يؤيد الفلسطينيين؟ فاستطلاعات الرأي بين عامي 2024 و2026 تكشف أن الرأي العام في الولايات المتحدة وفلسطين وإسرائيل أصبح أكثر تمايزاً، ويميز بدرجة أوضح بين الشعوب والحكومات، وبين الأمن والسياسات، وبين التعاطف والمواقف السياسية.

في الولايات المتحدة، بات الرأي العام يميز بين الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، وبين أمن إسرائيل وطريقة إدارة الحرب، وبين التعاطف مع الفلسطينيين وتأييد إقامة دولة فلسطينية. فقد انتقل التعاطف من 51% مع الإسرائيليين مقابل 27% مع الفلسطينيين عام 2024 إلى 41% مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين عام 2026. كما بلغ تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة 57%، بينما تراجع تأييد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى 32% فقط، مقابل 60% معارضة. ومع ذلك، تبقى المواقف الأميركية مركّبة؛ إذ ينظر 46% بإيجابية إلى إسرائيل مقابل 37% للأراضي الفلسطينية، بينما لا تتجاوز النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية 32%.

 

وفي فلسطين، يتعايش انعدام الثقة العميق مع انفتاح مشروط على التعايش إذا استند إلى العدالة والحقوق المتساوية والأمن والكرامة، إلى جانب تفضيل واسع للمسارات السياسية والدبلوماسية وغير العسكرية. فقد رأى 77.7% أن انعدام الثقة عقبة رئيسية أمام السلام، لكن 68.9% اعتبروا التعايش ممكناً إذا قام على العدالة والحقوق المتساوية، كما فضّل 92.9% مسارات غير عسكرية.

أما في إسرائيل، فما زال التحالف مع واشنطن يحظى بمكانة استراتيجية قوية، لكنه يترافق مع تراجع الثقة بالقيادة الأميركية، وتصاعد القلق من العزلة الدولية، واستمرار الانقسام حول مستقبل الصراع. فقد اعتبر 74% أن الولايات المتحدة ما تزال صديقاً حقيقياً لإسرائيل، رغم تراجع الثقة الكبيرة بالرئيس ترامب من 34% إلى 7% بين آذار/مارس وتموز/يوليو 2026.

وتكشف هذه النتائج أن الرأي العام في المجتمعات الثلاثة يتجه نحو مزيد من التمايز والتعقيد، من خلال التفريق بين الشعوب والحكومات، وبين الاعتبارات الأمنية والسياسات المتبعة، وبين التعاطف الإنساني والتأييد السياسي، بدلاً من الانقسام وفق ثنائية مبسطة بين مؤيد لإسرائيل ومؤيد لفلسطين. وفي الوقت نفسه، تكشف هذه التحولات عن مفارقة أساسية تتمثل في أن الرأي العام، في بعض الجوانب، يتحرك بوتيرة أسرع من السياسة الرسمية، بما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين اتجاهات الجمهور والمواقف والسياسات الحكومية. ومن هنا، لم يعد السؤال الأهم ما إذا كانت المواقف تتغير، بل كيف يمكن لهذه التحولات أن تعيد تشكيل البيئة السياسية المقبلة، وما قد تتركه من تداعيات على صنع القرار، والعلاقات الدولية، وفرص التوصل إلى تسويات سياسية وجهود سلام أكثر قابلية للاستمرار.

من تغير في الأرقام إلى تغير في معنى "التأييد"

نادراً ما تكون العلاقة بين الرأي العام والسياسة الخارجية خطية؛ فالبيت الأبيض والكونغرس والمؤسسات الأمنية والتحالفات والمصالح المنظمة والحسابات الاستراتيجية تشارك جميعها في صنع السياسة الأميركية. لكن ذلك لا يجعل الرأي العام هامشياً. فعندما تتغير الاتجاهات بصورة متراكمة، ويصبح الملف جزءاً من الانقسام الحزبي والجيلي والانتخابي، تبدأ البيئة السياسية التي يتحرك فيها صانع القرار بالتغير أيضاً.

وهذا ما تكشفه استطلاعات الرأي الأميركية بشأن فلسطين وإسرائيل بين عامي 2024 و2026 . ففي عام  2024، قال  51% من الأميركيين إنهم أكثر تعاطفاً مع الإسرائيليين، مقابل 27% مع الفلسطينيين. وفي عام 2025 تقلص الفارق إلى 46% مقابل  33%، قبل أن يشهد عام 2026 تحولاً لافتاً، إذ قال 41% إنهم أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين. وقد أوضحت غالوب أن الفارق في 2026 لا يمثل تفوقاً إحصائياً حاسماً، لكنه يظل مهماً لأنه أنهى نمطاً تاريخياً طويلاً من الفوارق الكبيرة لمصلحة الإسرائيليين (Gallup, 2024–2026).

 

 

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول انهيار النظرة الأميركية إلى إسرائيل كدولة، ولا أن ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين أصبح بديلاً بسيطاً عن تأييد إسرائيل. ففي عام 2026 ظل  46% من الأميركيين ينظرون بإيجابية إلى إسرائيل، مقابل  37% للأراضي الفلسطينية (Gallup, February 27, 2026) . ويشير ذلك إلى أن المواقف الأميركية أصبحت أكثر تمايزاً: النظرة إلى إسرائيل كدولة لا تتطابق بالضرورة مع تقييم حكومتها أو سياساتها، كما أن التعاطف مع الفلسطينيين لا يعني تلقائياً تبني موقف سياسي واحد تجاه جميع أطراف الصراع.

ويظهر هذا التمايز بصورة أوضح في الموقف من الدولة الفلسطينية. فقد ارتفع تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة من 53% عام 2024 إلى  55% عام 2025 ثم إلى 57% عام 2026، بينما انخفضت المعارضة من 34% إلى 31% ثم إلى 28%. وتقترب نسبة 2026 من أعلى مستوى سجله غالوب لهذا المؤشر، وهو 58% عام 2003 (Gallup, 2024–2026).

وتكشف هذه الاتجاهات أن معنى "التأييد" في الرأي العام الأميركي أصبح أكثر تركيباً. فبإمكان المواطن الأميركي أن يهتم بأمن إسرائيل أو ينظر إليها بإيجابية، وفي الوقت نفسه يؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو ينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية. أي إن قطاعاً متزايداً من الجمهور يتحرك بعيداً عن منطق المعادلة الصفرية التي تفترض أن تأييد حقوق طرف يجب أن يكون على حساب الآخر.

الحرب غيّرت ما لا تكشفه أرقام التعاطف وحدها

يصبح هذا التمايز أكثر وضوحاً عند الانتقال من سؤال التعاطف إلى الموقف من الحرب نفسها. ففي الأسابيع الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب، أظهر استطلاع غالوب الذي أُجري بين 1 و21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أن 50% من الأميركيين كانوا يؤيدون العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، مقابل 45% يعارضونها (Gallup, November 30, 2023).

لكن هذا الاتجاه لم يستمر. فبحلول آذار/مارس 2024 انخفض التأييد إلى 36% وارتفعت المعارضة إلى 55%. وفي حزيران/يونيو 2024  ارتفع التأييد مؤقتاً إلى 42% مقابل 48% معارضة، وهي نسب قريبة من تلك المسجلة في أيلول/سبتمبر من العام نفسه. ثم هبط التأييد في تموز/يوليو 2025 إلى 32% فقط، وهو أدنى مستوى سجله غالوب منذ بدء طرح السؤال، بينما ارتفعت المعارضة إلى 60% (Gallup, 2023–2025).

وبذلك انتقل الرأي العام الأميركي من 50% تأييد مقابل 45% معارضة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 إلى 32% تأييد مقابل 60% معارضة في تموز/يوليو 2025؛ أي إن التأييد تراجع 18 نقطة مئوية، فيما ارتفعت المعارضة 15 نقطة. وتوضح هذه السلسلة أن الدعم الذي ظهر في بداية الحرب تآكل بصورة ملحوظة مع استمرارها.

ومن هنا لا يمكن استخدام «التعاطف مع إسرائيل» بوصفه مرادفاً لتأييد الحكومة الإسرائيلية أو عملياتها العسكرية. فقد يستطيع الأميركي أن يؤيد أمن إسرائيل وينظر بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه يعارض إدارة الحرب أو ينتقد الحكومة أو يؤيد إقامة دولة فلسطينية. وبالمثل، يمكن أن يتعاطف مع الشعب الفلسطيني من دون أن يعني ذلك تأييد حماس.

وتعزز نتائج مركز بيو للأبحاث لعام 2026 هذه القراءة؛ فقد عبّر 52% من الأميركيين عن نظرة إيجابية إلى الشعب الإسرائيلي، مقابل 50% إلى الشعب الفلسطيني، بينما بلغت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية 32% فقط. وفي المقابل، لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى حماس 10%، مقابل 84% ينظرون إليها بصورة سلبية (Pew Research Center, July 9, 2026). وهذا يعكس إعادة تشكيل لمعنى «التأييد» نفسه، لا انتقالاً بسيطاً من تأييد إسرائيل إلى تأييد الفلسطينيين.

ويزداد هذا التمايز وضوحاً عند النظر إلى الاتجاهات الحزبية. فبحسب بيو، انخفضت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية بين الجمهوريين والمستقلين الميالين إليهم من 65% عام 2022 إلى 51% عام 2026، كما تراجعت بين الديمقراطيين والمستقلين الميالين إليهم من 35% إلى 16% خلال الفترة نفسها، أي بانخفاض قدره 14 نقطة مئوية لدى الجمهوريين و19  نقطة لدى الديمقراطيين.

ولا يعني ذلك اختفاء الانقسام الحزبي؛ فالجمهوريون ما يزالون أكثر إيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية. لكن الأهم أن التراجع حدث داخل الحزبين معاً، ما يشير إلى أن المواقف من الحكومة الإسرائيلية نفسها أصبحت أكثر سلبية مقارنة بالسنوات السابقة. وقد استندت نتائج بيو إلى استطلاع شمل 12,574 بالغاً أميركياً بين 4 و17 أيار/مايو 2026، بهامش خطأ إجمالي قدره ±1.3 نقطة مئوية.

الشباب ليسوا هامشاً: التغير الجيلي يدخل قلب المعادلة

يظهر العامل الجيلي بوصفه أحد أقوى مؤشرات التحول في الرأي العام الأميركي. ففي استطلاع بيو لعام 2026، نظر 58% من الأميركيين بين 18 و29 عاماً بإيجابية إلى الشعب الفلسطيني، مقابل 32% إلى الشعب الإسرائيلي، بينما لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية  18%.

 وبين الديمقراطيين في الفئة العمرية نفسها بلغت النظرة الإيجابية إلى الشعب الفلسطيني 72% مقابل 26% للشعب الإسرائيلي. واللافت أن الفارق يكاد يختفي حتى بين الجمهوريين دون الثلاثين، إذ نظر 42% بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي مقابل 40% إلى الشعب الفلسطيني (Pew Research Center, July 9, 2026).

وتظهر غالوب اتجاهاً مشابهاً. ففي شباط/فبراير 2026، قال 53% من الأميركيين بين 18 و34 عاماً إنهم أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين، مقابل 23% مع الإسرائيليين. وفي المقابل، ظل الاتجاه مختلفاً بين من تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر، حيث تعاطف 49% مع الإسرائيليين مقابل 31% مع الفلسطينيين (Gallup, February 27, 2026). ورغم اختلاف الفئات العمرية وصياغة الأسئلة بين المؤسستين، فإن النتيجتين تتقاطعان في إظهار فجوة جيلية واضحة.

ولا تسمح هذه الأرقام وحدها بالجزم بأننا أمام تحول دائم؛ فالمواقف قد تتأثر بالحرب والظروف الراهنة، وقد تتغير مع العمر والخبرة والأحداث المستقبلية. لكنها توضح أن الأجيال الأميركية الأصغر تنظر إلى الصراع بصورة مختلفة عن الأجيال الأكبر، وأن هذا الاختلاف لم يعد هامشياً.

وفي الوقت نفسه، لا يلغي العامل الجيلي الانقسام الحزبي العميق. ففي عام 2026، قال 65% من الديمقراطيين إنهم أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين مقابل 17% مع الإسرائيليين، بينما تعاطف 70% من الجمهوريين مع الإسرائيليين مقابل 13% مع الفلسطينيين. لكن التحول اللافت ظهر أيضاً بين المستقلين؛ فللمرة الأولى في سلسلة غالوب، أصبحوا أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين بنسبة 41% مقابل 30% مع الإسرائيليين، بعد أن كانوا في 2025 أكثر تعاطفاً مع الإسرائيليين بنسبة 42% مقابل 34% مع الفلسطينيين (Gallup, February 27, 2026).

وعليه، فإن ما يحدث لا يمكن اختزاله في استقطاب تقليدي بين الديمقراطيين والجمهوريين. فالفجوة الجيلية أصبحت واضحة حتى داخل الانتماءات الحزبية، كما أن تحول المستقلين يشير إلى حركة تتجاوز القواعد الحزبية الصلبة.

الفلسطينيون: انعدام الثقة لا يعني رفض التعايش

إذا كان المشهد الأميركي يكشف تمايزاً بين الشعب والحكومة والحرب والدولة، فإن المشهد الفلسطيني يكشف تمايزاً من نوع آخر: بين انعدام الثقة في الحاضر وإمكان التعايش في مستقبل مختلف.

في استطلاع أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) بين 5 و18 تموز/يوليو 2026 وشمل 309 فلسطينيين بالغين في الضفة الغربية وقطاع غزة، رأى 77.7% أن انعدام الثقة يمثل عقبة رئيسية أمام السلام، وشكك 72.9% في أن الإسرائيليين يريدون السلام فعلاً. واللافت أن 56.7% شككوا أيضاً في رغبة الفلسطينيين أنفسهم في السلام، بما يشير إلى أزمة ثقة متبادلة لا إلى اتهام أحادي للطرف الآخر (PCPO, July 2026).

لكن هذه الأزمة لم تتحول إلى رفض مبدئي للتعايش. فقد وافق 68.9% على أن التعايش الفلسطيني–الإسرائيلي يمكن أن يصبح ممكناً إذا قام على العدالة والحقوق المتساوية، ورأى 80.6% أن الأمن والكرامة والحرية احتياجات مشتركة للطرفين. كما قال 77.7% إن العلاقات يمكن أن تصبح إيجابية، أو إيجابية بشروط، بعد اتفاق عادل، فيما أكد 80.9% أن الاتفاق السياسي وحده لا يكفي من دون بناء حقيقي للثقة (PCPO, July 2026).

وتقترح هذه النتائج قراءة أكثر دقة من ثنائية "مع السلام أو ضده". فالتشاؤم الفلسطيني يبدو موجهاً بدرجة كبيرة إلى الظروف والمؤسسات وموازين القوة القائمة، وليس بالضرورة إلى فكرة مستقبل مشترك بصورة مطلقة. ويمكن وصف ذلك بـ«التعايش المشروط": قبول التعايش عندما يرتبط بالعدالة والحقوق والأمن والكرامة، لا عندما يُطرح شعاراً منفصلاً عن جذور الصراع.

والأهم: تفضيل واسع للمسار غير العسكري

تزداد أهمية هذه النتائج عندما توضع أزمة الثقة إلى جانب وسائل العمل التي يفضلها الفلسطينيون. فقد اختار 92.9% من المشاركين مسارات غير عسكرية تشمل العمل السياسي والدبلوماسي أو المقاومة السلمية أو الجمع بينهما، مقابل  3.2% فقط فضلوا الخيار العسكري. كما أكد 78.6% أهمية زيادة التركيز على الوسائل السلمية، فيما رأى 74.8% أن استهداف المدنيين يضعف الدعم الدولي للقضية الفلسطينية (PCPO, July 2026).

وتكشف هذه الأرقام أن ارتفاع مستويات انعدام الثقة لا يتحول تلقائياً إلى تفضيل للتصعيد العسكري. فحتى في ظل التشاؤم السياسي والشكوك العميقة في نيات الطرف الآخر، تظل الغالبية الساحقة أكثر ميلاً إلى أدوات سياسية ودبلوماسية وسلمية. كما يشير موقف ثلاثة أرباع المشاركين تقريباً من استهداف المدنيين إلى إدراك واضح للعلاقة بين وسائل العمل السياسي والمكانة الدولية للقضية الفلسطينية.

ولا تعني هذه النتائج أن الفلسطينيين يتفقون على برنامج سياسي واحد، أو أن مساراً تفاوضياً بعينه يحظى بإجماع، أو أن الخلافات حول المقاومة والتسوية قد اختفت. لكنها تصحح صورة شائعة تختزل الإحباط وانعدام الثقة في الميل إلى العنف، وتكشف عن مساحة شعبية واسعة للبدائل غير العسكرية يمكن أن تشكل أساساً مهماً لأي مسار سياسي ذي مصداقية إذا ارتبط بنتائج ملموسة وبحماية الحقوق والأمن والكرامة.

إسرائيل: التحالف مع واشنطن باقٍ، لكن اليقين يتراجع

تضيف استطلاعات الرأي الإسرائيلية زاوية ثالثة إلى الصورة. فالولايات المتحدة ما تزال تحظى بمكانة استراتيجية قوية لدى الجمهور الإسرائيلي، لكن قوة العلاقة لا تعني بالضرورة استمرار المستوى نفسه من الثقة بالقيادة الأميركية أو الاطمئنان إلى مسار العلاقات بين البلدين.

ففي مؤشر المجتمع الإسرائيلي لمعهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) لشهر تموز/يوليو 2026، رأى 74% من الإسرائيليين أن الولايات المتحدة ما تزال «صديقاً حقيقياً" لإسرائيل. إلا أن الثقة بالرئيس دونالد ترامب سجلت تراجعاً حاداً؛ إذ انخفضت نسبة من عبّروا عن "قدر كبير من الثقة» به في إدارة العلاقات الأميركية–الإسرائيلية من 34% في آذار/مارس إلى 7% في تموز/يوليو 2026، بينما قال 45% إنهم لا يثقون به. وأُجري الاستطلاع بين 1 و5 تموز/يوليو على 772 مشاركاً من اليهود والعرب في إسرائيل، مع ترجيح النتائج لتمثيل السكان البالغين (JPPI, July 2026).

وتظهر صورة مماثلة في مؤشر الصوت الإسرائيلي للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI)، الذي أُجري بين 28 حزيران/يونيو و1 تموز/يوليو 2026 على عينة تمثيلية من 754 بالغاً إسرائيلياً. فقد رأى 28% فقط أن أمن إسرائيل يمثل اعتباراً مركزياً لدى الرئيس الأميركي، مقارنة بـ44% في القياس السابق. ومع ذلك، اعتبر 53% أن الخلافات الحادة بين البلدين تمثل أزمة مؤقتة لن تضر بعلاقتهما الوثيقة (IDI, July 2026).

وتكشف هذه النتائج عن تمييز مهم داخل الرأي العام الإسرائيلي بين الثقة بالقيادة الأميركية الحالية وبين الثقة بمتانة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فالتراجع في الثقة بالرئيس الأميركي لا يعني بالضرورة اعتقاد الجمهور بانهيار التحالف نفسه.

أما الانقسام الأعمق فيظهر في الموقف من مستقبل الصراع مع الفلسطينيين. فقد أظهر مسح الأمن القومي لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الذي أُجري بين 16 و22 حزيران/يونيو 2026، أن 27% يفضلون السعي إلى الانفصال عن الفلسطينيين، و25% يؤيدون حل الدولتين، و25% يؤيدون الضم الكامل من دون منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية. وبين ناخبي الائتلاف الحكومي أيد 50% الضم، بينما فضل 40% من ناخبي المعارضة الانفصال و36% حل الدولتين. وبين المواطنين العرب في إسرائيل أيد 57% حل الدولتين. وشمل المسح 957 مشاركاً، مع هامش خطأ أقصى قدره ±3.17 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95% (INSS, June 2026).

وهكذا، لا تكشف البيانات عن مجتمع إسرائيلي يتحرك نحو خيار سياسي واحد، بل عن مجتمع تتعايش داخله رؤى متنافسة بحدة. ومن المهم لذلك التمييز بين التحالف الاستراتيجي، والثقة بالرئيس الأميركي، والتصورات الأمنية، والمواقف من مستقبل الصراع؛ فهي قضايا مترابطة، لكنها ليست مؤشراً واحداً.

العزلة الدولية لم تعد قضية رمزية داخل إسرائيل

يكتسب الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بعداً إضافياً مع تصاعد القلق من العزلة الدولية والعقوبات. ففي مؤشر معهد دراسات الأمن القومي، ارتفعت نسبة الإسرائيليين الذين اختاروا هذا السيناريو ضمن أبرز ثلاثة تهديدات لإسرائيل خلال السنوات الخمس المقبلة من 21% في شباط/فبراير إلى 26% في تموز/يوليو 2026، فيما ارتفعت نسبة من رأوا أن احتمال تحققه مرتفع أو مرتفع جداً من 26% إلى 37% (INSS, July 2026).

والأهم أن القلق لم يعد دبلوماسياً مجرداً. فقد رأى 60% أن العزلة الدولية والعقوبات، إذا تحققت، ستسبب ضرراً كبيراً أو كبيراً جداً لإسرائيل، بينما اعتبر 50% أن الدولة مستعدة بدرجة منخفضة أو منخفضة جداً لمواجهة هذا السيناريو. كما توقع 60% تأثيراً كبيراً أو كبيراً جداً على الأمن المالي ومستوى المعيشة، مقابل 49% على أداء مؤسسات الدولة و42% على الشعور بالأمن الشخصي (INSS, July 2026).

وكان القلق أعلى بين الخبراء؛ إذ اختار 44% منهم سيناريو العزلة الدولية والعقوبات ضمن أبرز التهديدات، مقابل 26% من الجمهور الإسرائيلي. ولا يعني ذلك أن العزلة أصبحت الخطر الأول في الوعي الإسرائيلي، بل أنها لم تعد مسألة دبلوماسية هامشية. فالضغوط الخارجية، حين ترتبط في نظر الجمهور بالاقتصاد ومستوى المعيشة والأمن، تنتقل من المجال الرمزي إلى حسابات الحياة اليومية والاستقرار الداخلي.

الاعتراف بفلسطين: الفلسطينيون يرون التراكم، لا المعجزة السريعة

يكشف استطلاع آخر أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وشمل 313 مشاركاً، أن الفلسطينيين يميزون بين اتساع الاعتراف الدولي بفلسطين وبين قدرته على إحداث تحول سريع في السياسة الأميركية. فقد رأى 43.8% أن الاعترافات الصادرة عن دول أوروبية وكندا وأستراليا يمكن أن تشجع دولاً أخرى على الاعتراف بفلسطين، فيما رأى 39.3% أن أثر هذه الخطوات قد يصبح أكثر وضوحاً على المدى البعيد (PCPO, November 2025).

لكن عندما انتقل السؤال إلى واشنطن، أصبحت التوقعات أكثر حذراً. فقد توقع 40.6% أن تظل الولايات المتحدة معارضة بقوة للاعتراف بدولة فلسطينية حفاظاً على موقفها التقليدي الداعم لإسرائيل، ورأى 32.3% أنها قد تتبنى موقفاً حذراً من دون خطوات عملية، مقابل 25.2% توقعوا قدراً أكبر من المرونة إذا استمر الاعتراف الدولي في الاتساع. وإذا تواصل هذا المسار، توقع 41.2% استمرار الرفض الأميركي، بينما رأى 36.1% أن واشنطن قد تبدأ مراجعة تدريجية لموقفها، واعتقد 20.1% أنها قد تتجه إلى قيادة مفاوضات جديدة وممارسة ضغوط على الطرفين (PCPO, November 2025).

وتعكس هذه النتائج قدراً واضحاً من الواقعية السياسية. فالفلسطينيون لا يتوقعون أن يؤدي اعتراف دولة واحدة، أو حتى مجموعة من الدول، إلى تغيير الموقف الأميركي بين ليلة وضحاها. لكن قطاعاً مهماً منهم يرى أن تراكم الاعترافات واتساع القبول الدولي بالدولة الفلسطينية يمكن أن يغيّرا تدريجياً البيئة الدبلوماسية التي تتحرك داخلها واشنطن. ومن هنا تبدو المسألة، في نظرهم، مسار تراكم طويل الأمد أكثر منها اختراقاً دبلوماسياً سريعاً.

فجوة الرأي والسياسة: هنا تكمن المفارقة الأميركية

من هنا نصل إلى الفكرة التي تربط كثيراً من النتائج السابقة: ما يمكن وصفه بـ«فجوة الرأي والسياسة»، أي الحالة التي تتحرك فيها اتجاهات قطاعات واسعة من الجمهور بوتيرة أسرع من السياسة الرسمية. ولا يعني ذلك أن الرأي العام يصنع القرار الأميركي مباشرة أو أن البيت الأبيض والكونغرس ملزمان باتباع نتائج الاستطلاعات؛ فالسياسة الخارجية تتشكل أيضاً بفعل المؤسسات والتحالفات والمصالح الاستراتيجية والحسابات الأمنية والانتخابية. لكن اتساع الفجوة بين اتجاهات الجمهور والسياسة القائمة يمكن، مع مرور الوقت، أن يغير البيئة السياسية التي يتحرك فيها صانع القرار.

ظهر مثال واضح على هذه الفجوة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عندما أظهر استطلاع رويترز/إبسوس أن 59% من الأميركيين أيدوا اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطينية مقابل 33% عارضوا ذلك، بينما كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تعارض الاعتراف الأميركي بالدولة الفلسطينية. وأيد الاعتراف 80% من الديمقراطيين و41% من الجمهوريين، فيما عارضه 53% من الجمهوريين (Reuters/Ipsos, October 22, 2025).

ولم يظهر هذا الميل في قياس واحد فقط. ففي آب/أغسطس 2025، وجد استطلاع آخر لرويترز/إبسوس أن 58% من الأميركيين رأوا أن على دول الأمم المتحدة الاعتراف بفلسطين كدولة، مقابل 33% لم يوافقوا على ذلك؛ وبلغ التأييد 78% بين الديمقراطيين و41% بين الجمهوريين (Reuters/Ipsos, August 2025). ولا ينبغي مقارنة نتيجتي 58% و59% حسابياً باعتبارهما سلسلة زمنية واحدة لاختلاف صياغة السؤال، لكن تقاربهما يعزز الاستنتاج بأن التأييد للاعتراف بفلسطين لم يكن نتيجة عابرة لسؤال منفرد.

 

 

وهنا تظهر المفارقة الأميركية بصورة أوضح: وجود أغلبية شعبية تؤيد الاعتراف لا يعني أن واشنطن ستغير سياستها فوراً، لكنه يكشف أن الموقف الرسمي لم يعد يعكس بالضرورة اتجاه الأغلبية في هذه القضية المحددة. وإذا استمرت اتجاهات الأجيال الأصغر وتحول المستقلين، وأصبحت قضايا مثل الدولة الفلسطينية والمساعدات العسكرية وحماية المدنيين وطبيعة العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية أكثر حضوراً في المنافسة السياسية، فقد تصبح المحافظة على بعض السياسات التي بدت لعقود شبه ثابتة أكثر كلفة سياسياً. فالرأي العام لا يغيّر السياسة في اليوم التالي، لكنه يستطيع، عندما يتراكم ويستمر، أن يغيّر حدود ما هو مقبول وممكن سياسياً. فالرأي العام لا يغيّر السياسة في اليوم التالي، لكنه يستطيع، عندما يتراكم ويستمر، أن يغيّر حدود ما هو مقبول وممكن سياسياً. ومع اقتراب استحقاقين انتخابيين مهمين في إسرائيل والولايات المتحدة، يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحاً: هل تبدأ هذه التحولات في الانتقال من الاستطلاعات إلى صناديق الاقتراع؟

الانتخابات المقبلة: هل تتحول اتجاهات الرأي العام إلى أصوات؟

تكتسب التحولات التي ترصدها استطلاعات الرأي أهمية إضافية مع اقتراب اختبارين انتخابيين متتاليين في خريف 2026: الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي الحالتين، لا يتعلق السؤال بمن سيفوز فقط، بل بما إذا كانت التغيرات التي ظهرت في الرأي العام خلال السنوات الأخيرة ستبدأ في إعادة تشكيل مواقف الأحزاب والمرشحين وتوازنات الحكم. وقد تأكد موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، فيما حددت لجنة الانتخابات الفيدرالية الأميركية 3 تشرين الثاني/نوفمبر موعداً للانتخابات العامة للكونغرس (Reuters, July 12, 2026; Federal Election Commission, 2026).

في إسرائيل، تكشف استطلاعات الرأي عن خريطة انتخابية شديدة السيولة. ففي استطلاع للقناة 12 نُشر في 27 تموز/يوليو، تصدر حزب «يشَر» بزعامة غادي آيزنكوت بنحو 23 مقعداً، فيما بلغت نسبة الناخبين المترددين 9.8%. وكانت استطلاعات سابقة خلال الشهر نفسه قد أظهرت تغيراً سريعاً في المنافسة بين آيزنكوت وبنيامين نتنياهو على سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة؛ فقد تقدم آيزنكوت بنسبة 38% مقابل 37% في 6 تموز، واتسع تقدمه إلى 43% مقابل 34% في 13 تموز، قبل أن يتقلص إلى 43% مقابل 37% في 20 تموز. وتوضح هذه الحركة أن الانتخابات لا تزال مفتوحة على تغيرات كبيرة، وأن تراجع الثقة بالحكومة الحالية لا يترجم بعد إلى أغلبية سياسية مستقرة قادرة بصورة مؤكدة على تشكيل حكومة بديلة (Channel 12, July 2026; Reuters, July 12, 2026).

وفي الولايات المتحدة، تبدو العلاقة بين تغير الرأي العام والسلوك الانتخابي أكثر وضوحاً داخل الحزب الديمقراطي. فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos في آب/أغسطس 2026 أن 16% فقط من الديمقراطيين يؤيدون استمرار الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل، مقابل 57% يعارضونه. كما أظهر AP-NORC أن 58% من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعماً لإسرائيل أكثر مما ينبغي، ارتفاعاً من 45% في كانون الثاني/يناير 2024، بينما قال 62% إن الولايات المتحدة لا تقدم دعماً كافياً للفلسطينيين. وتعكس هذه الأرقام اتجاهاً واضحاً داخل القاعدة الديمقراطية نحو إعادة النظر في طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل، وإن لم يكن هذا الاتجاه قد أصبح بعد موقفاً موحداً للحزب (Reuters/Ipsos, August 4, 2026; AP-NORC, June 2026).

وقد بدأت بعض نتائج الانتخابات التمهيدية تعكس هذا التحول. ففي ميشيغان، فاز عبد السيد (Abdul El-Sayed) بالترشيح الديمقراطي لمجلس الشيوخ على هالي ستيفنز (Haley Stevens)، بعد حملة دعا فيها إلى إنهاء الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل، في حين أيدت ستيفنز استمرار التمويل العسكري وحظيت بدعم واسع من جماعات مؤيدة لإسرائيل. ووصفت رويترز السباق بأنه اختبار بارز للخلاف داخل الحزب الديمقراطي حول إسرائيل، إلى جانب الاقتصاد والرعاية الصحية (Reuters, August 5, 2026).

ولم تكن ميشيغان حالة منفردة. ففي كولورادو، أطاحت ميلات كيروس (Melat Kiros) بالنائبة المخضرمة ديانا ديغيت (Diana DeGette) في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية؛ ودعت كيروس إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، بينما أيدت ديغيت استمرار الأسلحة الدفاعية. إلا أن الاتجاه لم يكن أحادياً؛ ففي ميزوري، تمكن النائب ويسلي بيل (Wesley Bell)، المدعوم من جماعات مؤيدة لإسرائيل، من هزيمة كوري بوش (Cori Bush) مجدداً، رغم أنها كانت من أبرز منتقدي العمليات الإسرائيلية في غزة. وتكشف هذه النتائج المتباينة أن تغير المزاج تجاه إسرائيل أصبح عاملاً انتخابياً حقيقياً، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد نتيجة السباق؛ إذ تبقى شخصية المرشح، وأداءه المحلي، والاقتصاد، والتمويل، وتركيبة الدائرة الانتخابية عوامل مؤثرة أيضاً (Reuters, July 1, 2026; Associated Press, August 4, 2026).

ومن ثم، لا ينبغي التعامل مع انتخابات 2026 في الولايات المتحدة أو إسرائيل باعتبارها استفتاءً أحادياً على القضية الفلسطينية أو على العلاقة مع إسرائيل. لكن أهمية الاستحقاقين تكمن في أنهما سيقدمان اختباراً عملياً نادراً: ففي الولايات المتحدة، سيظهر ما إذا كان تراجع الدعم غير المشروط لإسرائيل، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي وبين الشباب، سيؤثر في تركيبة الكونغرس ومواقف أعضائه؛ وفي إسرائيل، سيظهر ما إذا كان تراجع الثقة بالحكومة واتساع البحث عن قيادة بديلة سيترجمان إلى تغيير حقيقي في موازين القوى، أم إلى استمرار الجمود السياسي. وتشير استطلاعات الرأي والنتائج التمهيدية حتى الآن إلى أن الرأي العام قد يكون متقدماً على السياسة الرسمية في بعض الجوانب، لكن الطريق بين تغير المزاج الشعبي وتغير القرار السياسي لا يزال غير خطي وغير مضمون.

ثلاثة مجتمعات... وثلاثة أشكال من التمايز

عند وضع الاتجاهات الأميركية والفلسطينية والإسرائيلية جنباً إلى جنب، لا نصل إلى اتفاق بين المجتمعات الثلاثة على حل واحد. بل تظهر نتيجة أكثر دقة: الرأي العام داخل كل مجتمع أصبح أكثر تمايزاً وأقل قابلية للاختزال في ثنائية بسيطة من التأييد والرفض.

فالأميركيون يميزون بصورة متزايدة بين الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، وبين أمن إسرائيل وإدارة الحرب، وبين التعاطف مع الفلسطينيين والموقف من حماس، وبين العلاقة مع إسرائيل وتأييد الدولة الفلسطينية. والفلسطينيون يميزون بين انعدام الثقة في الواقع الراهن وإمكانية التعايش في مستقبل يقوم على العدالة والحقوق والأمن والكرامة، كما أن الإحباط السياسي لا يتحول بالضرورة إلى تفضيل للمسار العسكري. أما الإسرائيليون، فيميزون بين قوة التحالف مع الولايات المتحدة والثقة بقيادتها الحالية، وبين المخاوف الأمنية والخيارات المتنافسة لمستقبل الصراع.

ولا تعني هذه التمايزات أن المجتمعات الثلاثة أصبحت أكثر اعتدالاً أو أن الحل السياسي بات أقرب تلقائياً. لكنها تكسر صوراً جامدة حكمت النقاش لعقود، وتظهر أن المجتمعات ليست كتلاً سياسية متجانسة، وأن الدعم ليس شيكاً على بياض، وأن انعدام الثقة ليس حكماً نهائياً على المستقبل.

ثلاثة مجتمعات... وثلاثة أشكال من التمايز

ولا يغيّر البعد الانتخابي النتيجة الأساسية للمقارنة بين المجتمعات الثلاثة؛ بل يمنحها اختباراً عملياً. فعند وضع الاتجاهات الأميركية والفلسطينية والإسرائيلية جنباً إلى جنب، لا نصل إلى اتفاق على حل واحد، بل إلى نتيجة أكثر دقة: الرأي العام داخل كل مجتمع أصبح أكثر تمايزاً وأقل قابلية للاختزال في ثنائية بسيطة من التأييد والرفض، فيما تبدأ بعض هذه التمايزات بالاقتراب من ساحات المنافسة الانتخابية وصنع القرار.

فالأميركيون يميزون بصورة متزايدة بين الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية، وبين أمن إسرائيل وإدارة الحرب، وبين التعاطف مع الفلسطينيين والموقف من حماس، وبين العلاقة مع إسرائيل وتأييد الدولة الفلسطينية. والفلسطينيون يميزون بين انعدام الثقة في الواقع الراهن وإمكانية التعايش في مستقبل يقوم على العدالة والحقوق والأمن والكرامة، كما أن الإحباط السياسي لا يتحول بالضرورة إلى تفضيل للمسار العسكري. أما الإسرائيليون، فيميزون بين قوة التحالف مع الولايات المتحدة والثقة بقيادتها الحالية، وبين المخاوف الأمنية والخيارات المتنافسة لمستقبل الصراع.

ولا تعني هذه التمايزات أن المجتمعات الثلاثة أصبحت أكثر اعتدالاً أو أن الحل السياسي بات أقرب تلقائياً. لكنها تكسر صوراً جامدة حكمت النقاش لعقود، وتظهر أن المجتمعات ليست كتلاً سياسية متجانسة، وأن الدعم ليس شيكاً على بياض، وأن انعدام الثقة ليس حكماً نهائياً على المستقبل.

ماذا يعني ذلك للمرحلة المقبلة؟

النتيجة الأهم ليست أن الفلسطينيين "انتصروا» في الرأي العام الأميركي، ولا أن الإسرائيليين فقدوا دعم الولايات المتحدة. مثل هذا الاستنتاج سيكون مبالغاً فيه ومضللاً. فالانقسامات الأميركية ما تزال عميقة، والتحالف الأميركي–الإسرائيلي لا يزال قوياً، والمجتمع الإسرائيلي نفسه بعيد عن التوافق على تسوية سياسية واحدة.

لكن ما تغير هو البيئة السياسية المحيطة بالصراع. فقد تراجعت صورة الحكومة الإسرائيلية بصورة أوضح من صورة الشعب الإسرائيلي، وأصبحت التداعيات الإنسانية للحرب أكثر حضوراً في تقييم الأميركيين، واتسع التأييد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فيما تظهر الأجيال الأصغر والمستقلون اتجاهات مختلفة عن الأنماط التقليدية. وفي الجانب الفلسطيني، تكشف النتائج أن أزمة الثقة العميقة لا تعني إغلاق الباب أمام تعايش يستند إلى العدالة والحقوق المتساوية والأمن والكرامة. أما في إسرائيل، فيعكس الرأي العام قلقاً متزايداً بشأن العلاقة مع واشنطن والعزلة الدولية وكلفة استمرار الوضع القائم.

ولهذا لم يعد السؤال الأهم: هل يتغير الرأي العام الأميركي؟ فقد أصبح اتجاه التغير واضحاً في أكثر من مؤشر. السؤال الأكثر أهمية الآن هو: متى، وكيف، وإلى أي مدى يمكن لهذه التحولات الشعبية، إلى جانب الضغوط الدولية والتغيرات داخل المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، أن تبدأ في إعادة تشكيل المجال السياسي الذي تتحرك داخله السياسة الأميركية؟

لا توجد إجابة سريعة. فالسياسة الرسمية تُصاغ داخل مؤسسات وتحالفات وحسابات استراتيجية وانتخابية لا تتحرك بالسرعة نفسها التي تتغير بها اتجاهات الاستطلاعات. لكن عندما تستمر الاتجاهات، وتتكرر عبر أكثر من قياس، وتدخل في حسابات الأحزاب والكونغرس وتشكيل الائتلافات والأجيال الجديدة، فإنها قد تبدأ تدريجياً في تغيير حدود ما هو ممكن ومقبول سياسياً. ومن هذه الزاوية، ستوفر انتخابات إسرائيل والانتخابات النصفية الأميركية في خريف 2026 اختباراً مهماً، وإن لم يكن حاسماً وحده، لمدى انتقال التحول من مستوى الرأي إلى مستوى السياسة.

ويمكن تلخيص المفارقة التي يكشفها المقال بالعبارة التالية: "الرأي العام الأميركي يتحرك أسرع من السياسة الرسمية؛ الفلسطينيون يراقبون هذا التحول بأمل مشوب بالحذر، فيما يواجه الإسرائيليون أسئلة متزايدة حول واشنطن، ومستقبل الصراع، والكلفة السياسية والاقتصادية والدولية لاستمراره".

الخاتمة: السلام لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر

تكشف القراءة المشتركة لاتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة وفلسطين وإسرائيل أن أياً من المجتمعات الثلاثة لا يتحرك في اتجاه واحد، ولا يحمل موقفاً سياسياً موحداً. لكن داخل كل منها يتسع النقاش حول الأمن والحقوق والعدالة، وحول الكلفة الإنسانية والاقتصادية والسياسية لاستمرار الصراع. وربما تكمن أهمية هذه التحولات في أنها توسع مساحة إعادة التفكير في المعادلات التي حكمت الصراع لعقود، لا من خلال البحث عن انتصار شعب على شعب آخر، بل عن صيغة تحمي حقوق الفلسطينيين وأمن الإسرائيليين وكرامة الإنسان على الجانبين.

فتراجع صورة الحكومة الإسرائيلية في الولايات المتحدة لا يصنع السلام بمفرده، واتساع الاعتراف الدولي بفلسطين لا يضمن وحده قيام الدولة، كما أن تغير الرأي العام الأميركي لا يعني أن السياسة الرسمية في واشنطن ستتغير بالسرعة نفسها. غير أن تزامن هذه الاتجاهات يشير إلى أن البيئة السياسية المحيطة بالصراع لم تعد ثابتة، وأن التمييز المتزايد بين الشعوب والحكومات، وبين دعم الأمن وتأييد السياسات، وبين انعدام الثقة في الحاضر وإمكان بناء علاقة مختلفة في المستقبل يفتح مجالاً أوسع لإعادة النظر في الخيارات القائمة.

والأهم أن نتائج الاستطلاعات لا تقول إن الطريق أصبح سهلاً أو إن التسوية أصبحت قريبة. لكنها تكشف أن بعض الصور الجامدة التي حكمت نظرة المجتمعات إلى بعضها بدأت تتغير. فالدعم السياسي لا يعني بالضرورة تفويضاً مفتوحاً، والتعاطف مع شعب لا يعني الموافقة على جميع مواقف قيادته، كما أن انعدام الثقة لا يعني استحالة التعايش، والاعتراف الدولي لا يغير الواقع في يوم واحد، لكنه قد يصبح جزءاً من عملية تراكمية تعيد، بمرور الوقت، تشكيل البيئة التي تُتخذ فيها القرارات.

وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لأنها ستتيح اختباراً عملياً لما إذا كانت التغيرات التي تسجلها استطلاعات الرأي ستبقى في حدود المواقف والتفضيلات، أم ستبدأ في التأثير بصورة أوسع في اختيارات الناخبين، وخطاب المرشحين، ومواقف الأحزاب، وتوازنات الحكم. ولذلك يصبح أحد الأسئلة المركزية في المرحلة المقبلة: هل تلحق السياسة بالرأي العام، أم يبقى الرأي العام متقدماً على المؤسسات والقرارات الرسمية؟

وفي المقابل، تحمل نتائج الاستطلاعات الفلسطينية رسالة لا تقل أهمية؛ فعمق أزمة الثقة لا يلغي وجود مساحة للتعايش والسلام إذا اقترنا بالعدالة والحقوق المتساوية والحرية والكرامة والأمن المتبادل. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى الأجيال الشابة الفلسطينية والإسرائيلية، التي ستتحمل الكلفة الأكبر إذا استمر الصراع، لكنها ستكون أيضاً الأكثر استفادة من مستقبل يتيح لها التعليم والعمل والحركة والإبداع وبناء حياة مستقرة بعيداً عن الخوف ودورات العنف المتكررة.

ومن هنا، فإن السلام لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تنازلاً لطرف أو انتصاراً للطرف الآخر، بل باعتباره استثماراً في مستقبل الشعبين، ولا سيما أجيالهما الشابة. فالمستقبل المزدهر لا يمكن أن يقوم على استمرار السيطرة والخوف وانعدام الثقة، وإنما على بيئة يستطيع فيها الفلسطيني أن يمارس حقوقه الوطنية وحريته وكرامته، ويستطيع الإسرائيلي أن يعيش بأمن واستقرار، ويتمكن الشباب في المجتمعين من النظر إلى المستقبل باعتباره مساحة للعمل والبناء لا امتداداً لصراعات الماضي.

إن تراجع الثقة ليس نهاية الطريق، بل يكشف الحاجة إلى إعادة بنائها على أسس جديدة. فحين تُصان حقوق الفلسطينيين، ويُحمى أمن الإسرائيليين، وتوضع حياة المدنيين وحقوقهم وكرامتهم في صميم أي حل، ويُمنح الشباب في المجتمعين فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم، يصبح السلام مصلحة مشتركة ومشروعاً للمستقبل، لا انتصاراً لطرف على حساب الآخر.

ملاحظة منهجية

يعتمد هذا المقال على قراءة اتجاهات استطلاعات صادرة عن غالوب، ومركز بيو للأبحاث، ورويترز/إبسوس، والمركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI)، ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، ومعهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI). ولا تمثل هذه النتائج سلسلة قياس واحدة قابلة للمقارنة الحسابية المباشرة؛ فالمؤسسات استخدمت أسئلة ومناهج وعينات مختلفة. لذلك تُستخدم المقارنات هنا لقراءة الاتجاهات المتكررة ودلالاتها السياسية، لا باعتبار جميع النسب مؤشراً إحصائياً واحداً.

نبذة عن الكاتب

د. نبيل كوكالي هو مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)، الذي تأسس عام 1994. وهو باحث فلسطيني وخبير في استطلاعات الرأي ومحلل سياسات، يتمتع بأكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في البحوث المسحية وتحليل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فلسطين والمنطقة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت