عن الحيزين المدني والمكاني ومعرض مركز شمس

بقلم: مصطفى بشارات

معرض مركز شمس

مصطفى بشارات

كاتب وصحفي وباحث مختص في علم الاجتماع

أكثر من مسودة سطرتها حول الجدوى من معرض فني شبابي حول "الحيز المدني والإصلاح في فلسطين" ثم قمت لاحقا بمحوها؛ السبب يتعلق بواقع الحال الذي نعيش حيث ينحسر "الحيز المكاني" أمام غول الاستيطان ومصادرة الأراضي وسياسة الضم والتهجير؛ لذلك خشيت أن يلتبس الأمر على البعض؛ فيظن، وبعض الظن إثم، أنني أهرب من "الواقع الحقيقي" إلى "واقع مصطنع" أو "مخلق"؛ فيسأل، وحق السؤال مشروع للجميع، ما بالك تكتب عن "حيز مدني" يراه هذا البعض "هامشيا"، وتترك "الأساسي" المتمثل بالـ "الحيز المكاني"؟

المعرض نظم في رام الله يوم الاثنين الموافق 17/8/2026 من قبل مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (شمس) وضم لوحات أبدعها فنانون وفنانات، من الشباب الفلسطيني والشابات الفلسطينيات، باستخدام تطبيقات التصميم الغرافيكي والذكاء الاصطناعي، أكدت جميعها على الفائدة الجمة لممارسة ثيمة النقد والنقد الذاتي، كما أكدت على أن هذا الحق، والذي ويمثل ظاهرة صحية ودلالة على حيوية المجتمع، يشمل ممارسة حرية التعبير والمساءلة والمحاسبة وضمان المكاشفة والوصول إلى المعلومات، كما يشمل أمورا أخرى من بينها ضرورة احترام خصوصيات الناس ومحاربة الفساد وهدر المال العام وضمان تكافؤ الفرص في التوظيف والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن جنسهم وانتماءاتهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، وكذلك ضمان مشاركة الجميع في اتخاذ القرار العام وإتاحة وصولهم إلى مواقع صنعه.

كانت لافتة بالنسبة لي هذه الانتباهة لموضوع "الحيز المدني" وما يترتب على ممارسة كل ما ذكر من أمور أشارت إليها اللوحات الفنية، وشخصيا أرى أن هذه الالتفاتة تمثل انتباهة ذكية من مركز شمس ومديره د. عمر رحال لا تخرج عن السياق، ولا تعبر عن ترف فكري كما قد يتبادر لذهن البعض؛ بذريعة مأساوية الواقع والقول إن الأجدى أن ننشغل فيه بدل أن ننشغل بمواضيع أخرى هامشية!

جوهر ما أريد قوله، صحيح أن هناك عوامل خارجية قوية لها دور كبير فيما آلت إليه الأمور فلسطينيا، ميدانيا وسياسيا واجتماعيا، لكن ذلك لا يعفينا من محاسبة أنفسنا أولا. أبسط شيء أن نُوَصِّفَ الحال، والأبسط، وقد يكون ذلك مفهوما، أن نشكو من سوئه والمعاناة الجمة التي تترتب عليه؛ لكن الأصعب هو مراجعة هامش المسؤولية التي تقع علينا بالوصول إلى هذا الحال، حتى لو كانت هذه المسؤولية محدودة أو هامشية كما قد يحتج أو يظن البعض!

وأنا أكتب هذه السطور لم أكن قد انتهيت من قراءة رواية أحمد رفيق عوض الصادرة عام 2006 والتي تحمل اسم (بلاد البحر)، وفي غير مكان من الرواية التي قد يبدو للبعض أنها "محض تاريخية" لكنها، في الحقيقة، تستعين بالتاريخ الغابر أو تسترجع فصوله والتجارب التي مر عليها لتحاكم الواقع الراهن، في هذه الرواية تأكيد على أن العوامل الحاسمة في انتكاسات الدول وهزائمها وسقوط حكمها، جاءت، وعلى الدوام، من داخلها، من آفة الفساد التي نخرت بنياها، السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وما إلى ذلك؛ فمن هذه الشقوق نفذ المستعمرون والطامعون والطغاة والبغاة والغلاة والفاسدون والمفسدون!

وفي اليوم ذاته، بمحض الصدفة، وكأن التاريخ يعيد نفسه أو يؤكد على حتمياته، كان أحمد زكارنة يكتب مقالا عن كتاب فيصل دراج (بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية)، وهو الكتاب الصادر عام 1996، وملخص ما قاله زكارنة، بصرف النظر عن المناسبة والتفاصيل، أن التضامن الأعمى مع الذات وتبرير الأخطاء يضعف الهدف الوطني، وأن النقد الموضوعي هو أعلى درجات المسؤولية والالتزام بالقضية والطريق الصحيح لحمايتها.

"الحيز المدني" هو الكتلة الحية في المجتمع التي تضخ الحياة في أوصاله وتقوي بنيانه ومناعته وتحصن أركانه؛ لذلك فإن فهو المسؤول عن حماية "الحيز المكاني"، هو الذي سيحمي أصحاب المكان، وهو الذي سيساهم في تثبيتهم في أرضهم وفي الوقوف سدا منيعا أمام استهداف هذي الأرض أو انحسارها أو ضياعها.

هكذا أفهم "الحيز المدني" وهذا منطلقي في الكتابة عنه، وهي كتابة لا تقابل بين الحيزين وتضعهما في موقع متعارض، بل تنظر إليها بشكل متكامل ومتناغم، وقد كان مدير مركز شمس د. عمر رحال موفقا في تعبيره عن هذه العلاقة "التفاعلية" في غير موضع من كلمته الافتتاحية للمعرض، ومنها أقتبس " الحيز المدني القوي لا يضع الدولة والمجتمع في مواجهة، بل يؤسس لشراكة مسؤولة بينهما، شراكة تقوم على سيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات، والشفافية والمساءلة، والاعتراف بأن النقد البنّاء والمشاركة العامة مصدر قوة للمؤسسات، وليسا تهديداً لها (...) ومن هنا، فإن الإصلاح الذي نطمح إليه لا يُقاس بعدد الخطط واللجان والتشريعات فحسب، بل بمدى شعور المواطن بأن صوته مسموع، وكرامته مصونة، وحقوقه محمية، وأن مشاركته قادرة على إحداث أثر حقيقي. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، ويُبنى معه، ولا يمكن أن يتحقق من دون مجتمع مدني حر وفاعل، ومؤسسات رسمية منفتحة، وشباب ونساء قادرين على المشاركة وصنع القرار".

أخيرا، على الهامش، وأثناء تجوالي في معرض (رؤى شبابية للحيز المدني والإصلاح في فلسطين)، سألني وليد عطاطرة إذا كان في اللوحات المعروضة ما يصلح أن يستخدم في الحملات الدعائية في الانتخابات التشريعية القادمة؛ وإذ وجدت في هذا السؤال التفاتة ذكية من وليد؛ فإنني، وللأمانة، كنت منهمكا في تفكيك الرسائل العديدة التي تطرحات اللوحات، ومما أخذته على معظمها، خلوها من "الروح الفلسطينية"، إن صح التعبير، هذه الروح التي أشير فيها إلى كل ما يشبه فلسطين، أرضا وشجرا وحجرا وقبل ذلك بشرا وتاريخا وحضارة، وحتى لا أفهم خطأ، لا أقول إن اللوحات مستوحاة من سياق غير فلسطيني، لكنها لم تنجح، وكما هو مطلوب، في "مقاربة" هذا السياق أو تمثيله تمثيلا ملائما، وهذا برأيي يعود إلى التقنية التي أبدعت فيها، أقصد تقنية التصميم الغرافيكي والذكاء الاصطناعي، وهذه تمنح إمكانات هائلة في التصوير، لكنها لا تنجح دائما في التعبير، وتبقى العهدة، بالطبع، على الفنان وحسه الفني والمهارة التي يمتلكها، وهنا يأتي موضوع التدريب والممارسة المقترنين بالثقافة، وتلكم قصة أخرى ليس مجال الحديث عنها هنا!

قرأت لعماد الأصفر مساهمة على صفحة الفيسبوك خاصته يتوقع فيها أن نضحك كثيرا على مواد الدعاية المنتجة بالذكاء الاصطناعي خلال الانتخابات التشريعية القادمة. أتفق مع عماد أن الذكاء الاصطناعي سيستخدم كثيرا في عمل هذه الدعايات وسنضحك كثيرا على النتائج. التقنية تفرض منطقها، ومنطق الذكاء الاصطناعي يتيح فرصا لا تعد ولا تحصى من الخوارزميات، لكن لا شيء، في المقابل، من روح الأشياء، إلا أقل القليل، وهذه مسؤولية الفنان الحصيف كما أسلفت. وعلى هذا المنوال ستبدو معظم صور المرشحين كاريكاتورية، أكبر أو أصغر مما هم في الحقيقة، وأشياء أخرى دعونا ننتظر كيف ستكون، هذا إذا جرت الانتخابات أصلا؟!

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت