دخل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مرحلة أكثر توتراً في معركته الانتخابية، بعدما أقرّ صراحة بأن معسكره يواجه «خطراً» نتيجة تعدد القوائم المتنافسة على أصوات اليمين، وخصّ بالذكر حزب «عمخا يسرائيل» الجديد برئاسة العميد احتياط عوفر فينتر، الذي بات يشكل مصدر قلق انتخابي لليكود ولحلفائه في آن واحد.
وفي مقابلة بثتها القناة 14 العبرية، قال نتنياهو إن حزب فينتر قد يؤدي إلى «حرق» أصوات يمينية إذا أخفق في تجاوز نسبة الحسم، أو إلى دفع حزب آخر في المعسكر إلى ما دونها. وكشف أنه التقى فينتر قبل أسابيع وعرض عليه الانضمام إلى الليكود، قائلاً إنه وضع أمامه خيار الانضمام أو خوض طريق مستقل، قبل أن يضيف: «لقد اختار الذهاب منفرداً، ونحن الآن، برأيي، في خطر».
ولم يخفِ نتنياهو انزعاجه من الصيغة التي أعلن بها فينتر تأييده له لرئاسة الحكومة. فرغم أن الأخير أعلن انتماءه إلى معسكر اليمين وأن نتنياهو هو مرشحه لرئاسة الحكومة، اعتبر رئيس الليكود أن إضافة فينتر تحفظات إلى موقفه تترك له «مخرجاً» سياسياً بعد الانتخابات. وقارن موقفه بموقفي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين قال إنهما يعلنان تأييده بصورة غير مشروطة.
المفارقة أن الهجوم على فينتر لم يمر من دون رد. فبعد دقائق من المقابلة، قلب رئيس «عمخا يسرائيل» الاتهام على نتنياهو، قائلاً إن الخطر على اليمين لا يأتي من حزبه، وإنما من السياسات التي اتبعتها الحكومة. وعدّد، وفق القناة 14، ملفات من بينها التعامل مع غزة، وإدخال المساعدات إلى القطاع، وقضية تجنيد الحريديم، قبل أن يشدد على أن حزبه جزء من اليمين لكنه ليس تابعاً لأي زعيم سياسي.
استطلاعات تكشف سبب القلق
وتمنح استطلاعات الرأي الأخيرة بعداً إضافياً لمخاوف نتنياهو. ففي استطلاع هيئة البث الإسرائيلية «كان» المنشور مساء الأحد 30 أغسطس/آب 2026، تجاوز حزب فينتر نسبة الحسم للمرة الأولى بالتزامن مع حزب سموتريتش؛ وحصل «عمخا يسرائيل» على 4 مقاعد، والصهيونية الدينية على 5، فيما تراجع الليكود إلى 21 مقعداً، و«عوتسما يهوديت» بزعامة بن غفير إلى 7 مقاعد. وتصدر حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت الاستطلاع بـ24 مقعداً، بينما بلغ معسكر نتنياهو 52 مقعداً مقابل 55 لمعارضيه، وفق عرض نتائج الاستطلاع.

لكن الصورة تختلف جذرياً في استطلاع القناة 14 نفسها، الذي أجرته شركة NEXT DATA بمشاركة 666 شخصاً في 30 أغسطس/آب. إذ يمنح الليكود 31 مقعداً، و«يشار» 24، وبن غفير 7، فيما يحصل كل من فينتر وسموتريتش على 4 مقاعد، ويصل معسكر اليمين إلى 63 مقعداً. ويعكس الفارق الكبير بين الاستطلاعين حجم عدم اليقين في السباق الانتخابي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن فينتر أصبح عاملاً فعلياً في إعادة توزيع الأصوات داخل اليمين.
وهنا تبدو معركة نتنياهو أوسع من مجرد الخشية من ضياع أصوات تحت نسبة الحسم؛ فصعود قائمة يمينية مستقلة قادرة على اجتذاب ناخبين من الليكود وسموتريتش وبن غفير قد يقلص قدرة نتنياهو على التحكم بتركيبة معسكره وشروط تشكيل الحكومة المقبلة.
وفي قراءة نقدية نشرتها «إسرائيل هيوم»، ذهب الكاتب موشيه كلوغهفت إلى أن نتنياهو يخوض مواجهة شديدة مع فينتر لأن وجود أكثر من حزب يميني مستقل إلى جانب الليكود يقلل قدرته على إدارة المعسكر، مشيراً إلى أن فينتر يملك أيضاً صورة «أمنية» وشخصية سياسية جديدة قد تجذب ناخبين يبحثون عن بديل داخل اليمين نفسه.

كما تتزامن المواجهة مع أزمة أخرى داخل المعسكر، بعدما ضغط نتنياهو على بن غفير وسموتريتش لخوض الانتخابات ضمن صيغة موحدة، محذراً من تكرار سيناريوهات انتخابية سابقة ضاعت فيها أصوات اليمين تحت نسبة الحسم. إلا أن بن غفير رفض حتى الآن الاندماج مع سموتريتش، واتهم نتنياهو بمحاولة إضعاف حزبه، ما حوّل معركة «توحيد اليمين» إلى مواجهة علنية بين مكونات المعسكر ذاته.
وبذلك، تكشف تصريحات نتنياهو عن مفارقة انتخابية واضحة: الخطر الذي يتحدث عنه لم يعد يأتي فقط من خصومه في الوسط والمعارضة، بل من منافسين خرجوا من البيئة السياسية نفسها التي يعتمد عليها للبقاء في الحكم. ومع اقتراب موعد إغلاق القوائم، تتحول معركة فينتر وبن غفير وسموتريتش من خلاف داخلي إلى اختبار لقدرة نتنياهو على إبقاء اليمين تحت سقف سياسي واحد.
