زامير يرسم ملامح العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة: «دراكون» في طريقها إلى إسرائيل وذراع للروبوتات والذكاء الاصطناعي وانتقال من «الاحتواء» إلى الضرب الاستباقي

رئيس الأركان الجنرال ايال زامير.jpg

كشف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، عن ملامح مرحلة جديدة في بناء القوة العسكرية الإسرائيلية، ترتكز على توسيع القدرات البحرية بعيدة المدى، وتعزيز أسطول الغواصات والسفن الصاروخية، إلى جانب إنشاء ذراع عسكرية جديدة للوسائل غير المأهولة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، في إطار ما وصفه بتحول جذري في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حرب متعددة الجبهات امتدت لأكثر من ألف يوم.

وجاءت تصريحات زامير خلال حفل تخريج الفوج الـ153 من ضباط سلاح البحرية الإسرائيلي، حيث أعلن أن الغواصة الجديدة «دراكون» تشق طريقها حاليا عبر البحر المتوسط من ألمانيا إلى إسرائيل، لتصبح الغواصة السادسة التي تنضم إلى الأسطول الإسرائيلي.

وكانت وزارة الأمن الإسرائيلية وشركة TKMS الألمانية قد أعلنتا مطلع أيلول/سبتمبر الجاري مغادرة الغواصة حوض الشركة في مدينة كيل الألمانية متجهة إلى إسرائيل، بعد انتهاء مراحل بنائها وتسليمها للبحرية الإسرائيلية. وتعد «دراكون» الثالثة والأخيرة ضمن سلسلة غواصات «دولفين» المزودة بنظام دفع مستقل عن الهواء «AIP»، بينما يجري العمل على الجيل اللاحق من غواصات «داكار».

«دراكون» في قلب التحول البحري

وقال زامير إن الغواصة، التي يقودها طاقم من ضباط ومقاتلي البحرية في رحلتها من ألمانيا، ستصل خلال أيام إلى الميناء الإسرائيلي، معتبرا أنها تمثل بصورة واضحة التحول الذي طرأ على مكانة سلاح البحرية في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.

وأضاف أن البحرية تحولت، وفق رؤيته، إلى «ذراع استراتيجية بالغة القوة»، قادرة على تنفيذ عمليات ليس فقط في المحيط القريب من إسرائيل وإنما في مناطق بعيدة في الشرق الأوسط وخارجه.

وتنسجم تصريحات رئيس الأركان مع خطة إسرائيلية أوسع لتطوير سلاح البحرية، تشمل توسيع مدى عمل أسطول الغواصات وزيادة القدرة على البقاء لفترات أطول في البحر. وأكدت الشركة الألمانية المصنعة أن «دراكون» تضم تقنيات متقدمة، وأن مشروعها يمثل نهاية برنامج غواصات «دولفين AIP»، قبل الانتقال إلى الجيل الجديد من غواصات «داكار».

من «الاحتواء» إلى الضرب الاستباقي

لكن البعد الأكثر دلالة في خطاب زامير لم يتعلق بالتسلح البحري وحده، بل بالعقيدة الأمنية التي يريد الجيش الإسرائيلي تكريسها بعد الحرب.

وقال رئيس الأركان إن إسرائيل انتقلت خلال المواجهة التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 «من الدفاع إلى الهجوم»، وإن المؤسسة العسكرية غيّرت بصورة جذرية مفهومها الأمني.

ولخص زامير هذا التغيير بالقول إن السياسة الإسرائيلية المستقبلية لن تقوم، وفق تعبيره، على «الاحتواء»، وإنما على المبادرة إلى التعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى خطر فعلي.

وقال إن إسرائيل لن تسمح مستقبلا بتطور ما وصفها بـ«تهديدات وجودية» من جانب خصومها، كما لن تقبل بتمركز تنظيمات مسلحة على حدودها.

ويمثل هذا الخطاب تأكيدا إضافيا للاتجاه الذي يحاول الجيش الإسرائيلي ترسيخه منذ الحرب، والقائم على منح العمليات الوقائية والاستباقية وزنا أكبر في العقيدة العسكرية، في أعقاب الانتقادات الواسعة التي تعرض لها مفهوم «الردع والاحتواء» بعد إخفاق السابع من أكتوبر.

زامير يتحدث عن «الانتصار» بعد إخفاق 7 أكتوبر

وفي استعادة لمسار الحرب، قال زامير إن أكثر من ألف يوم مرّت منذ دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية طويلة ومتعددة الجبهات، بدأت بإخفاق السابع من أكتوبر، قبل أن تنتقل، بحسب وصفه، «من الفشل إلى الانتصار».

وهذا توصيف يعبّر عن تقييم رئيس الأركان الإسرائيلي لنتائج العمليات العسكرية، في وقت لا تزال فيه التداعيات السياسية والأمنية والإنسانية للحرب موضع جدل واسع داخل إسرائيل والمنطقة.

وادعى زامير أن الجيش ألحق أضرارا كبيرة بقدرات خصوم إسرائيل في عدد من الساحات، وأنه نجح في إزالة أو إبعاد تهديدات كان يجري بناؤها خلال السنوات السابقة.

كما وضع استعادة المحتجزين الإسرائيليين ضمن الأهداف المركزية للحرب، قائلا إن الجيش واصل عملياته حتى استعادة جميع الرهائن، الأحياء منهم والجثامين.

من غزة وبيروت إلى باب المندب

ومنح زامير سلاح البحرية موقعا متقدما في روايته عن العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب، قائلا إن البحرية شاركت في دعم القوات البرية بالنيران والقدرات العملياتية في الجبهات القريبة، بينما نفذت في ساحات بعيدة مهاما بصورة مستقلة.

وأشار تحديدا إلى عمليات في باب المندب وبيروت والموانئ اللبنانية وقبالة سواحل قطاع غزة، قائلا إن البحرية أثبتت قدرة إسرائيل على العمل لمسافات بعيدة.

وبحسب زامير، لم يعد مفهوم القوة البحرية بالنسبة إلى إسرائيل مقتصرا على حماية الشواطئ والمياه الإقليمية، وإنما أصبح جزءا من قدرة الجيش على تنفيذ عمليات استراتيجية بعيدة المدى.

البحر «شريان حياة» استراتيجي لإسرائيل

ووصف رئيس الأركان إسرائيل بأنها تشبه من الناحية الاستراتيجية «دولة جزيرية»، بالنظر إلى اعتمادها الكبير على طرق الملاحة والتجارة البحرية للاتصال بالأسواق العالمية.

وقال إن البحر يمثل «شريان الأكسجين الأساسي» لإسرائيل، وهو ما يفرض، وفق تقديره، على البحرية القدرة على العمل في أعماق البحار بصورة علنية وسرية، وفوق سطح المياه وتحته.

وحدد زامير مهام البحرية مستقبلا في حماية طرق الملاحة وإبقائها مفتوحة، ومواجهة الأخطار البحرية، وتعزيز الردع، وتوفير قدرة هجومية بعيدة المدى.

ويأتي التركيز الإسرائيلي المتزايد على الساحة البحرية في وقت تشهد فيه طرق الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب توترات أمنية وعسكرية متواصلة، ما زاد من الأهمية الاستراتيجية التي تمنحها إسرائيل للقدرات البحرية بعيدة المدى.

خطة «حوشن» تمنح البحرية مساحة أكبر

وقال زامير إن الخطة العسكرية متعددة السنوات «حوشن» تخصص حيزا واسعا لتطوير الساحة البحرية، بهدف الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في البحر خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن وصول «دراكون» يمثل بداية مرحلة أوسع من التحديث، ستشمل إدخال وسائل بحرية إضافية أكثر تقدما.

ومن أبرز هذه المشاريع، وفقا لزامير، سفن الصواريخ الجديدة من طراز «ريشِف»، التي يُفترض أن تمنح البحرية قدرة أكبر على العمل في مساحات بحرية واسعة والبقاء لفترات أطول، إلى جانب تطوير قوة النيران والقدرات العملياتية.

وكانت إسرائيل قد أعلنت بالفعل أن «دراكون»، إلى جانب ثلاث غواصات مستقبلية من فئة «داكار»، ستشكل عنصرا مركزيا في مستقبل أسطول الغواصات الإسرائيلي، مع التركيز على زيادة مدى العمليات وطول مدة البقاء في المهام.

ذراع جديدة للروبوتات والذكاء الاصطناعي

وفي إعلان لافت على مستوى الهيكل التنظيمي للجيش، كشف زامير أنه صادق خلال الأسبوع الماضي على إنشاء ذراع عسكرية جديدة متخصصة بالوسائل غير المأهولة والذكاء الاصطناعي.

ووصف القرار بأنه «خطوة تاريخية»، مؤكدا أن الذراع الجديدة ستتولى قيادة وتطوير المجال الذي يشهد، بحسب قوله، تغيرات سريعة في ساحات القتال الحديثة.

وحدد رئيس الأركان موعدا طموحا لبدء تشغيلها، قائلا إنه أصدر توجيهاته بافتتاحها بحلول عيد «الحانوكا» المقبل.

وكان الجيش الإسرائيلي قد بدأ خلال الأشهر الماضية نقاشات موسعة بشأن توسيع تطوير واستخدام الأنظمة الروبوتية والوسائل غير المأهولة ضمن خطط بناء القوة المستقبلية، في ظل توجه نحو دمجها بصورة أكبر بالوحدات القتالية.

روبوتات في البر والجو وتحت البحر

ووفقا لزامير، لن تقتصر الذراع الجديدة على الطائرات المسيّرة، وإنما ستعمل على تطوير منظومة متكاملة من الوسائل الروبوتية البرية والجوية والبحرية.

وأوضح أن التصور الإسرائيلي المستقبلي يقوم على تشغيل منصات غير مأهولة إلى جانب القوات والوسائط المأهولة، أو تكليفها بتنفيذ مهام بصورة مستقلة.

وقال إن توسيع استخدام هذه الوسائل سيتيح زيادة النشاط العملياتي وتقليل تعرض الجنود للخطر.

كما أشار إلى أن البحرية ستكون من أبرز المستفيدين من هذا التحول، من خلال إدخال منصات مستقلة وروبوتية تعمل فوق سطح البحر وتحته.

ووصف التحول نحو الذكاء الاصطناعي والروبوتات بأنه تطور يحدث «مرة واحدة في كل جيل»، معتبرا أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى أن يكون من الجهات العسكرية الرائدة عالميا في هذا المجال.

جيش أكثر اعتمادا على الآلة والخوارزمية

وتكشف تصريحات زامير عن تحول لا يقتصر على شراء منظومات تسلح إضافية، وإنما يشمل إعادة صياغة طريقة بناء الجيش نفسه.

فالتصور الذي عرضه يربط بين الغواصات بعيدة المدى والسفن الصاروخية والروبوتات والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة قتالية واحدة، يكون فيها العنصر البشري متداخلا بصورة متزايدة مع المنصات المستقلة.

وبذلك، تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى زيادة قدرتها على جمع المعلومات وتنفيذ الضربات والمراقبة والعمل لفترات طويلة في مناطق بعيدة، مع تقليل الاعتماد على القوات البشرية في بعض أنواع المهام الخطرة.

ويطرح التوسع العالمي في الأنظمة العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في المقابل، نقاشات قانونية وأخلاقية متزايدة بشأن درجة الاستقلال التي يمكن منحها للأنظمة العسكرية، ولا سيما في القرارات المرتبطة باستخدام القوة واستهداف الأشخاص.

إيران و«المحور» ما زالا في الحسابات الإسرائيلية

وفي قراءته لخريطة التهديدات الإقليمية، قال زامير إن إيران وحلفاءها تعرضوا لأضرار كبيرة خلال المواجهات الأخيرة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأنهم «لم يختفوا».

وادعى رئيس الأركان أن الخطط والقدرات التي طورتها إيران وحلفاؤها لتهديد إسرائيل تضررت بشدة، وأن العمليات الإسرائيلية أضعفت قدرات تتعلق بإطلاق الصواريخ والقذائف وبما وصفه بـ«تهديدات الغزو».

كما قال إن البرنامج النووي الإيراني تعرض لأضرار.

وتبقى هذه التقديرات جزءا من الرواية والتقييم العسكري الإسرائيليين، ولا سيما أن حجم الأضرار بعيدة المدى التي لحقت بالقدرات الإيرانية ومدى إمكانية إعادة بنائها يظلان موضع تقديرات متباينة.

معركة التفوق البحري لم تنته

ورغم اللغة التي استخدمها زامير في الحديث عن «انتصار عسكري تاريخي»، فإن خاتمة خطابه حملت إقرارا بأن إسرائيل لا تعتبر المواجهة الإقليمية منتهية.

وقال إن الصراع على التفوق في البحر مستمر، وإن طرق الملاحة نفسها أصبحت هدفا استراتيجيا في المواجهة الإقليمية.

وأكد أن الجيش يحافظ على حالة تأهب في مختلف الساحات تحسبا لتطورات جديدة.

وبهذا المعنى، يعكس خطاب زامير مفارقة أساسية في التصور العسكري الإسرائيلي بعد الحرب: فمن جهة تسعى قيادة الجيش إلى تقديم نتائج المواجهة بوصفها تحولا استراتيجيا أضعف خصوم إسرائيل، ومن جهة أخرى تواصل الاستثمار المكثف في الغواصات والسفن والروبوتات والذكاء الاصطناعي والقدرات بعيدة المدى، انطلاقا من تقدير بأن التهديدات لم تنته وأن جولة المواجهة المقبلة قد تكون أكثر اتساعا وتعقيدا.

ويضع وصول «دراكون» وإنشاء الذراع الجديدة للأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي هذا التحول في إطار عملي: جيش إسرائيلي يسعى بعد إخفاق 7 أكتوبر إلى استبدال عقيدة الاحتواء بعقيدة المبادرة الاستباقية، وفي الوقت نفسه توسيع ساحته العملياتية من الحدود البرية القريبة إلى أعماق البحر والفضاء الإقليمي، مع اعتماد متزايد على الخوارزميات والمنصات المستقلة في حروب المستقبل.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس