أعاد تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الجدل المتواصل حول إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعدما كشف، وفق الرواية التي يعرضها، عن شبكة اتصالات وقنوات خلفية كانت قائمة بين إسرائيل وحركة حماس خلال السنوات والأشهر التي سبقت الهجوم، وعن رسائل تحذير نُسبت إلى رئيس حركة حماس في قطاع غزة آنذاك يحيى السنوار، وصلت بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى مستويات سياسية وأمنية إسرائيلية عليا.
ويرى الكاتب الصحفي والمتخصص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، في قراءة موسعة للتحقيق رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» ، أن أهميته لا تقتصر على الكشف عن وجود قنوات اتصال سرية أو شبه مباشرة بين الطرفين، بل تمتد إلى السؤال الأكثر حساسية: ماذا كان يعرف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل 7 أكتوبر، ومتى عرف، وكيف تعامل مع التحذيرات التي وصلت إليه؟
ويستند تحقيق «هآرتس» إلى مادة واردة في كتاب مرتقب للصحفيين شلومي إلدار وروت يوفال بعنوان «المختطفون: 843 يوما من الإهمال»، ويقول معدّوه إن العمل اعتمد على عشرات المصادر في إسرائيل وخارجها، إلى جانب وثائق وتسجيلات ومراسلات وشهادات مسؤولين في منظومات أمنية وسياسية إسرائيلية وأميركية وعربية.
وفي المقابل، نفى مكتب نتنياهو بصورة قاطعة الجزء المركزي من التحقيق المتعلق بتلقيه تحذيرا من رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، ووصف الرواية بأنها «كذب محض»، في حين قال مستشار نتنياهو توباز لوك إنه راجع سجلات مكتب رئيس الحكومة ولم يعثر على ما يثبت إجراء المكالمة المزعومة في الفترة المشار إليها.
وبين الروايتين، فتح التحقيق سجالا إسرائيليا جديدا حول المسؤولية السياسية عن أكبر إخفاق أمني شهدته إسرائيل منذ عقود.
قناة خلفية بين حماس وإسرائيل قبل الحرب
بحسب التحقيق وقراءة منصور له، لم تكن الاتصالات بين إسرائيل وحماس عشية الحرب مقتصرة على الوسطاء التقليديين، بل كانت هناك قناة شبه مباشرة، عملت بعلم نتنياهو وموافقته، هدفها في الأساس بحث تفاهمات طويلة الأمد في قطاع غزة وملف الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس.
وتعود جذور هذه الاتصالات إلى المفاوضات المتعلقة بإعادة الإسرائيليين أفرا منغيستو وهشام السيد وجثتي الجنديين هدار غولدين وأورون شاؤول، قبل أن تتوسع لاحقا لتشمل قضايا اقتصادية ومعيشية مرتبطة بقطاع غزة.
ووفق التحقيق، أسند السنوار إدارة جانب من هذه الاتصالات إلى القيادي في حماس غازي حمد، بينما شارك في نقل الرسائل مسؤول فلسطيني من حركة فتح، لم يُكشف عن اسمه، كان يحظى بثقة الطرفين ويتقن اللغة العبرية، فيما شارك عن الجانب الإسرائيلي مسؤول في جهاز الأمن العام «الشاباك».
وكانت وظيفة القناة، وفق الرواية المنشورة، تمكين الطرفين من التواصل من دون الانتقال إلى مفاوضات رسمية ومعلنة، وبصورة تقلل في الوقت نفسه من حساسية الدور المصري التقليدي في الاتصالات بين إسرائيل وحماس.
من تخفيف الحصار إلى صفقة أسرى
وتناول المسار السري في بداياته إجراءات لتخفيف القيود المفروضة على غزة، وزيادة دخول المواد الخام والسلع، وإنشاء مناطق تجارية توفر فرص عمل لسكان القطاع، إضافة إلى أفكار تتعلق بتسهيل الحركة عبر مصر وتطوير مشروع لتزويد غزة بالغاز الطبيعي.
وبحلول صيف 2023، وفقا للتحقيق، كانت الملفات الاقتصادية قد قطعت شوطا متقدما، فيما بقيت قضية تبادل الأسرى والمحتجزين العقدة الأكثر حساسية.
وتقول الرواية التي عرضتها «هآرتس» إن السنوار طالب في البداية بإطلاق سراح نحو 500 أسير فلسطيني مقابل الإسرائيليين الأربعة، ثم انخفض الرقم خلال المفاوضات إلى 250، وبعد جولات تفاوض إضافية وصل النقاش إلى نحو 50 أسيرا.
وفي الجانب الإسرائيلي، يقول التحقيق إن جهاز الشاباك أبدى استعدادا للبحث في إطلاق سراح نحو 30 أسيرا، بينهم محكومون بالسجن المؤبد، وإن نتنياهو وافق في نهاية آب/أغسطس 2023 مبدئيا على صيغة بهذا الاتجاه.
لكن تنفيذ الاتفاق كان يتطلب عرضه على اللجنة الوزارية المختصة بالأسرى والمفقودين.
وهنا، وفقا للمصادر التي استند إليها التحقيق، بدأت عملية تأجيل متكررة من جانب نتنياهو، ولم تُعرض الصيغة على اللجنة لإقرارها.
وينقل التحقيق عن مصادر أمنية أن الاعتبارات السياسية الداخلية، والخشية من اعتراض شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي، وربما الخوف من تسريب تفاصيل صفقة مع حماس إلى الإعلام، كانت من بين التفسيرات المطروحة لهذا التأجيل.
تعثر المفاوضات واختفاء السنوار
ومع مرور الأسابيع من دون تقدم، بدأت علامات الاستياء تظهر على موقف السنوار، بحسب التحقيق.
ويقول منصور إن هذه النقطة تشكل منعطفا مركزيا في المادة المنشورة، إذ تزامن تعثر المسار السياسي مع اختفاء السنوار في مطلع أيلول/سبتمبر 2023 من قناة الاتصال التي كانت قائمة مع الجانب الإسرائيلي.
ونقل التحقيق عن مسؤول في الشاباك قوله إن السنوار «اختفى تماما» من القناة التي اعتادت إسرائيل التواصل معه من خلالها.
وتعددت التفسيرات لاحقا بشأن هذا الاختفاء: هل كان نتيجة نفاد صبره من المماطلة الإسرائيلية، أم جزءا من عملية خداع أوسع بينما كانت حماس تستعد ميدانيا لهجومها؟
ولا يقدم التحقيق إجابة حاسمة، لكنه يعرض سلسلة من الرسائل التي يقول إنها أعقبت توقف الاتصال، وجميعها حملت إشارات تصعيدية متزايدة.
رسالة السنوار: «أخبروا الإسرائيليين أنني أعدّ لهم زلزالا»
في قلب التحقيق تأتي رواية تتعلق برسالة نقلها السنوار عبر الوسيط الفلسطيني إلى الإسرائيليين.
وبحسب «هآرتس»، التقى السنوار الوسيط الفلسطيني وأبلغه بأنه في حال لم يحدث تقدم، فإنه يُعدّ «مفاجأة كبيرة»، مستخدما تعبير «زلزال» لوصف ما قد يحدث.
وبحسب الرواية المنشورة، لم يتعامل الوسيط مع التعبير باعتباره تهديدا عاديا، وشعر بأن الرسالة قد تشير إلى حدث كبير يتجاوز جولة تصعيد محدودة.
لكن الوسيط، وفقا للتحقيق، تردد في نقل الرسالة بنفسه إلى الشاباك، خشية أن يُتهم لاحقا بالتواطؤ أو بأن يكون جزءا من ترتيبات غير واضحة.
ولذلك، لجأ إلى شخصية فلسطينية كانت تعيش في الإمارات وترتبط بعلاقة وثيقة مع القيادة الإماراتية.
ومن هنا، بحسب التحقيق، انتقلت الرسالة من غزة إلى أبو ظبي.
الرسالة الثانية: «مفاجأة من أرض المفاجآت»
لم تتوقف الرواية عند التحذير الأول.
فبحسب التحقيق، عاد السنوار إلى الوسيط وسأله ما إذا كان قد نقل رسالته إلى الإسرائيليين.
وعندما أبلغه الوسيط بأنه لم يفعل بصورة مباشرة، كرر السنوار التحذير بصيغة أكثر وضوحا، وقال، بحسب ما تنقله الصحيفة، إنه يحضر لـ«مفاجأة من أرض المفاجآت» و«شيء غير مألوف»، وكرر استخدام كلمة «زلزال».
وطالبه، وفق التحقيق، بنقل أقواله إلى الإسرائيليين «كلمة بكلمة».
ويرى منصور أن هذه الجزئية هي من أخطر ما يتضمنه التحقيق، لأنها، إذا ثبتت صحتها بالكامل، تعني أن الأمر لم يكن مجرد قراءة استخبارية لنوايا حماس، بل رسالة نُسبت مباشرة إلى السنوار وحملت تحذيرا صريحا بحدث كبير.
التحذير يصل إلى الشاباك
ويقول التحقيق إن الرسالة وصلت لاحقا بصورة مباشرة إلى الشاباك.
وبحسب الرواية المنشورة، جرى إبلاغ رئيس الجهاز آنذاك رونين بار بمضمون تهديدات السنوار، ومنها الإشارة إلى «الزلزال»، ووصل الأمر إلى نتنياهو عبر مكالمة تلتها اجتماعات أمنية.
وهنا تظهر مفارقة أساسية في التحقيق.
فالتحذير، وفقا لـ«هآرتس»، وصل إلى المؤسسة الأمنية، لكن تفسيره لم يتحول إلى تقدير بأن حماس تستعد لاجتياح واسع انطلاقا من قطاع غزة.
وبدلا من ذلك، بقي جزء مهم من التقييم الإسرائيلي مركزا على احتمال أن تكون حماس تسعى لتنفيذ هجوم أو عملية أسر في الضفة الغربية أو في ساحات أخرى.
وينقل التحقيق عن مسؤولين أمنيين قولهم إنهم، لو كانوا يمتلكون الصورة الكاملة لكل الرسائل والتحذيرات التي كانت تصل إلى المستوى السياسي من جهات أخرى، لربما أعادوا قراءة المعطيات الاستخبارية بصورة مختلفة.
تحذير من أبو ظبي.. ومكالمة من 45 دقيقة
أما الجزء الأكثر إثارة للجدل في التحقيق، فيتعلق بما تقول «هآرتس» إنه تحذير نقله رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد مباشرة إلى نتنياهو قبل الهجوم بفترة وجيزة.
ووفق التحقيق، وصل إلى القيادة الإماراتية مضمون تحذيرات السنوار عبر القناة الفلسطينية، فقرر بن زايد نقل الرسالة بنفسه إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية.
وتقول الصحيفة إن مكالمة سرية بين الرجلين استمرت نحو 45 دقيقة، حذر خلالها بن زايد من أن السنوار يُعد «تحركا كبيرا» يمكن أن يهز المنطقة ويتسبب في إراقة دماء ويؤثر في الاستقرار الإقليمي.
وبحسب التحقيق، أوصى بن زايد كذلك بمحاولة خفض التوتر، وإيجاد حلول اقتصادية لغزة وتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية.
لكن الرد المنسوب إلى نتنياهو كان أن إسرائيل مستعدة، وأن تقديره يميل إلى أن ساحة التصعيد الأساسية قد تكون الضفة الغربية، لا قطاع غزة.
السؤال الأخطر: لماذا لم يُنقل التحذير؟
لا تتوقف خطورة الرواية التي تقدمها «هآرتس» عند مضمون المكالمة المزعومة، بل في ما تقوله عن مصير المعلومات بعدها.
فالتحقيق يزعم أن نتنياهو لم يبلغ قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بمضمون التحذير الذي نقله بن زايد.
وقال رونين بار ورئيس الأركان في ذلك الوقت هرتسي هاليفي إنهما لم يكونا على علم بمثل هذا التحذير.
وهذا ما يطرح، وفقا لمنصور، سؤالا مركزيا يتجاوز مسألة «هل كانت هناك معلومات؟» إلى مسألة أكثر حساسية: هل كانت المعلومات الموجودة في مواقع مختلفة من المنظومة الإسرائيلية مجزأة، ولم تُجمع في صورة واحدة كان من الممكن أن تغير التقدير الاستراتيجي؟
مصر تدخل على خط التحذيرات
كما يعيد التحقيق تسليط الضوء على روايات سابقة بشأن تحذيرات مصرية وصلت إلى إسرائيل قبل الهجوم.
وبحسب المادة المنشورة، نقل مسؤولون مصريون إشارات إلى أن «شيئا استثنائيا» قد يحدث، وأن حماس ربما تستعد لتحرك كبير.
وكانت تقارير إسرائيلية تحدثت منذ الأيام الأولى للحرب عن تحذيرات مصرية سبقت الهجوم، وهي رواية كانت موضع نفي وجدال منذ ذلك الحين.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ضوء تراكم التحذيرات المنسوبة إلى أكثر من جهة: رسائل السنوار عبر الوسيط، تقديرات الشاباك، التحذير الإماراتي المزعوم، والإشارات المصرية.
اقتراح اغتيال قادة حماس
وبحسب التحقيق، فإن بعض الاجتماعات الأمنية التي سبقت 7 أكتوبر شهدت طرح أفكار لشن عمليات استباقية ضد قيادة حماس.
وتحدثت التحقيق عن اقتراحات لاستهداف قادة بارزين في الحركة، بينهم السنوار، في وقت كانت فيه الأجهزة الأمنية تراقب مؤشرات اعتبرتها دالة على ارتفاع مستوى الجرأة لدى قيادة حماس.
لكن نتنياهو، بحسب ما تنقله «هآرتس»، لم يمنح الضوء الأخضر لعملية واسعة من هذا النوع، وطلب من الجهات الأمنية إعداد خطط ودراستها، مع الحفاظ في تلك المرحلة على سياسة تهدف إلى احتواء الوضع.
ويرى منصور أن هذا الأسلوب يعكس، وفق قراءة التحقيق، نمطا كان يسمح بإبقاء الخيارات على الطاولة من دون اتخاذ قرار سريع بشأنها.
مساران متوازيان: تفاوض واستعداد عسكري
ومن أبرز الاستنتاجات التي يطرحها منصور في قراءته للتحقيق أن السنوار ربما كان يتحرك، خلال الأشهر السابقة لـ7 أكتوبر، في مسارين متوازيين.
المسار الأول كان سياسيا وتفاوضيا، يهدف إلى انتزاع تنازلات إسرائيلية تتعلق بالأسرى ورفع القيود الاقتصادية المفروضة على قطاع غزة.
أما الثاني، فكان عسكريا، يقوم على تطوير قدرات حماس والاستعداد لعملية واسعة يمكن استخدامها، إذا انهار المسار السياسي، لإحداث تحول استراتيجي يفرض مسارا جديدا.
لكن منصور يشدد على أن هذا يبقى استنتاجا في قراءة التحقيق وليس حقيقة مثبتة بصورة مستقلة، وأن المادة نفسها تترك مفتوحا السؤال حول ما إذا كانت تحذيرات السنوار تهدف فعلا إلى منع الحرب عبر الضغط للتوصل إلى اتفاق، أم كانت جزءا من خطة تضليل لاختبار درجة استعداد إسرائيل.
صباح 7 أكتوبر.. قناة جديدة لإطلاق المدنيين؟
ولا يتوقف التحقيق عند ما سبق الهجوم، بل يمتد إلى الساعات الأولى من يوم 7 أكتوبر نفسه.
وبحسب الرواية التي يعرضها، بدأت اتصالات قطرية مبكرة مع إسرائيل بشأن المدنيين الإسرائيليين الذين نقلتهم حماس إلى قطاع غزة.
ويقول التحقيق إن اتصالات جرت مع رئيس الموساد دادي برنيع، ونُقلت رسائل تفيد بإمكانية إطلاق مدنيين، وإن الدوحة حاولت فتح مسار سريع في هذا الاتجاه.
لكن نتنياهو، وفق ما نقله التحقيق، رفض الدخول في مفاوضات في تلك الساعات، وكان موقفه أن إطلاق المحتجزين ينبغي أن يتم من دون مقابل.
وتحدث التحقيق كذلك عن قناة أخرى سعى السنوار إلى فتحها عبر شخصيات فلسطينية على اتصال بالإمارات، بهدف بحث إطلاق المدنيين وفتح مسار تفاوضي.
لكن هذه القنوات لم تتحول إلى اتفاق، ومع اتضاح حجم هجوم 7 أكتوبر وبدء الحرب، انهارت المسارات المبكرة ودخل ملف الأسرى في مفاوضات أكثر تعقيدا استمرت طوال الحرب.
منصور: التحقيق يضرب رواية «لم يحذرني أحد»
يركز عصمت منصور في قراءته على البعد السياسي الإسرائيلي للتحقيق.
فمنذ هجوم 7 أكتوبر، ركز نتنياهو وأنصاره بصورة متكررة على إخفاق المؤسسة الأمنية والاستخبارية، وعلى فكرة أن رئيس الحكومة لم يتلق تحذيرا واضحا ومباشرا بشأن الهجوم المتوقع.
لكن إذا صحت التفاصيل الواردة في «هآرتس»، فإن النقاش ينتقل، بحسب منصور، من سؤال «لماذا لم تحذر الأجهزة نتنياهو؟» إلى سؤال مختلف تماما: «ماذا فعل نتنياهو بالتحذيرات التي وصلته بالفعل؟»
ويقول منصور إن التحقيق، بصرف النظر عن مدى ثبوت جميع تفاصيله، يضيف مواد جديدة إلى الجدل المتعلق بمسؤولية المستوى السياسي عن الإخفاق، خصوصا أنه يتحدث عن تحذيرات من أكثر من مصدر وعن اتصالات كانت على صلة مباشرة بالمستوى السياسي الأعلى.
ويرى أن هذه المعلومات يمكن أن تكون لها انعكاسات سياسية وانتخابية داخل إسرائيل، لأنها تمس مباشرة الصراع الدائر حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر.
مكتب نتنياهو: «كذب مطلق»
في المقابل، رفض مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية الرواية المتعلقة بالمكالمة الإماراتية رفضا قاطعا.
وقال المكتب إن نتنياهو لم يتحدث مع محمد بن زايد خلال الفترة المذكورة، ولم يتلق منه أي تحذير يتعلق بخطط حماس.
كما خرج مستشار نتنياهو توباز لوك لينفي ما نشرته «هآرتس»، مؤكدا أنه أجرى مراجعة ولم يجد دليلا على وجود المكالمة التي تحدث عنها التحقيق.
وقال لوك إن الاتصالات بين رؤساء الدول لا تتم عادة بمعزل عن الطواقم الرسمية، وإن مستشار الأمن القومي أو السكرتير العسكري أو مسؤولين سياسيين يكونون مطلعين عليها، فضلا عن وجود توثيق وملخصات للمحادثات المهمة.
وأضاف أن نتنياهو لم يكن، بحسب رأيه، ليحتفظ بتحذير من هذا الحجم لنفسه من دون إبلاغ الجهات الأمنية المختصة.
وبشأن المواعيد المحجوبة في جدول أعمال نتنياهو في أواخر أيلول/سبتمبر 2023، قال لوك إن المراجعة أظهرت أنها كانت لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين وليست اجتماعات مع ممثلين أجانب.
وبذلك، لا يقف الخلاف حاليا عند تفسير المعلومات فقط، بل يمتد إلى وجود بعض الأحداث التي يرويها التحقيق من أساسها.
المعارضة الإسرائيلية تطالب بتحقيق رسمي
وتلقفت أحزاب إسرائيلية معارضة التحقيق للمطالبة مجددا بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر.
وقال قادة ما يسمى «معسكر التغيير» إن الكشف المنشور يتطلب تحقيقا فوريا ومعمقا لمعرفة ماذا كان نتنياهو يعرف، ومتى تلقى المعلومات، وما إذا كان قد نقلها إلى المؤسسة الأمنية.
واعتبروا أن القضية لا يمكن حسمها عبر البيانات السياسية المتبادلة، وطالبوا بتحقيق رسمي يتمتع بصلاحيات كاملة.
كما هاجم رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت نتنياهو، وقال إن المعلومات المتراكمة تستوجب فحصا كاملا لدور المستوى السياسي في الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
أما رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، فأشار بدوره إلى أن قضية التحذيرات السابقة للهجوم تستدعي تحقيقا رسميا ومستقلا.
وتأتي هذه المواقف في سياق صراع إسرائيلي مستمر منذ الحرب بشأن طبيعة لجنة التحقيق التي ينبغي تشكيلها، وحدود مسؤولية الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية عن الإخفاق.
تحقيق يتجاوز «معلومة استخبارية» إلى بنية القرار
القيمة الأساسية في التحقيق، كما يقرأها منصور، لا تكمن فقط في إضافة تحذير جديد إلى قائمة التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر، بل في كشف طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين إسرائيل وحماس عشية الحرب.
فالصورة التي يقدمها التحقيق أكثر تعقيدا من التصور القائم على انقطاع كامل بين الطرفين: قنوات خلفية، وسطاء فلسطينيون، تدخلات إماراتية ومصرية وقطرية، محادثات بشأن هدنة طويلة، تفاهمات اقتصادية، نقاشات حول الأسرى، ورسائل انتقلت بين شخصيات من الدائرة المقربة للسنوار ومؤسسات إسرائيلية.
وفي قلب هذه الصورة يبرز التناقض بين كثافة الاتصالات وبين النتيجة التي وصلت إليها إسرائيل صباح 7 أكتوبر: مفاجأة استراتيجية واسعة رغم وجود مؤشرات ورسائل وتحذيرات متعددة، وفق ما يدعيه التحقيق.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرضه تحقيق «هآرتس» لا يتعلق فقط بما إذا كان تحذير بعينه قد وصل أو لم يصل، بل بطريقة معالجة المعلومات داخل منظومة القرار الإسرائيلية: من امتلك كل قطعة من الصورة؟ ومن نقلها؟ ومن احتفظ بها؟ وكيف تحولت إشارات عن «زلزال» و«مفاجأة كبيرة» إلى تقدير بأن حماس لا تزال مردوعة أو أن الخطر الأساسي موجود في الضفة الغربية؟
بين تحقيق الصحيفة والنفي الرسمي.. الملف لم يُحسم
ومع ذلك، تبقى أجزاء أساسية من التحقيق محل نزاع علني.
فمكتب نتنياهو ينفي وجود المكالمة الإماراتية من أساسها، بينما تقول «هآرتس» إن معلوماتها تستند إلى مصادر متعددة ووثائق وشهادات من داخل إسرائيل وخارجها.
كما أن المسؤولين الأمنيين الذين تحدثوا عن عدم معرفتهم بالتحذير الإماراتي لا يثبت موقفهم وحده أن المكالمة حدثت أو لم تحدث، لكنه يبرز جوهر الإشكالية التي يثيرها التحقيق: إذا وصلت معلومة حساسة إلى رئيس الحكومة ولم تصل إلى رؤساء الأجهزة الأمنية، فإن ذلك يمثل خللا شديد الخطورة؛ وإذا لم تصل أصلا، فإن على التحقيق إثبات روايته بالأدلة التي يقول إنه يمتلكها.
ومن هنا، فإن التقرير لا يغلق ملف 7 أكتوبر بقدر ما يفتحه من جديد.
فبعد قرابة ثلاث سنوات من الهجوم، يتحول النقاش الإسرائيلي تدريجيا من البحث عن «إشارة استخبارية ضائعة» إلى فحص أوسع لمنظومة صنع القرار السياسي والأمني، والقنوات غير الرسمية التي كانت تعمل خلف الكواليس، والمسؤولية عن قراءة المعلومات التي كانت متاحة عشية الهجوم.
أما قراءة عصمت منصور، فتخلص إلى أن الأهمية الحقيقية للتحقيق تكمن في تفكيك الروايات المبسطة التي سادت بعد 7 أكتوبر، وخصوصا المقولة التي تحصر الإخفاق في عدم وصول إنذار إلى المستوى السياسي.
فالتحقيق، إذا أثبتت الأدلة اللاحقة ما أورده، سيضع سؤال المسؤولية السياسية في قلب النقاش من جديد: لم يعد السؤال فقط من فشل في توقع 7 أكتوبر، بل من كان يعرف أن شيئا كبيرا يُطبخ، وكيف وصلت الرسائل إلى قمة السلطة، ولماذا لم تتحول إلى قرار يمنع الكارثة؟
