طهران تقول إن صواريخها استهدفت منشآت مرتبطة بمقاتلات أميركية في قاعدة موفق السلطي الجوية ومدمرتين ، فيما تؤكد واشنطن تدمير خمس ناقلات إيرانية ردًا على محاولات استهداف سفينة حربية أميركية؛ ولا تأكيد مستقل حتى الآن لحجم الأضرار التي أعلنتها إيران داخل الأردن.
دخل التصعيد العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من الاشتباك، فجر الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني إطلاق صواريخ باليستية باتجاه قاعدة الأزرق الجوية، المعروفة باسم قاعدة موفق السلطي، شرقي الأردن، و استهداف مدمرتين أمريكيتين ، ردًا على ضربات أميركية استهدفت خمس ناقلات نفط إيرانية، في وقت يتزايد فيه التوتر العسكري والاضطراب الملاحي حول مضيق هرمز وخليج عُمان.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس، في تحديث نشر اليوم، أن إيران أطلقت صواريخ باتجاه أهداف أميركية في الأردن عقب الهجوم الأميركي على ناقلات النفط، فيما قالت القيادة المركزية الأميركية، ردًا على سؤال بشأن الضربة على القاعدة الأردنية، إنها لا تملك في تلك اللحظة معلومات إضافية يمكن تقديمها بشأن نتائج الهجوم.
وقال الحرس الثوري، بحسب الرواية التي بثتها وسائل إعلام إيرانية، إن القوة الجوفضائية نفذت العملية باستخدام صواريخ باليستية تعمل بالوقودين الصلب والسائل، وإن الضربة استهدفت مواقع داخل قاعدة الأزرق تشمل منشآت لصيانة وتجهيز وإيواء مقاتلات من طرازات F-35 وF-16 وF-15، إضافة إلى ملاجئ وحظائر للطائرات.
وادعى الحرس أن الصواريخ أصابت أهدافها وألحقت «أضرارًا جسيمة» بالمنشآت العسكرية، متوعدًا بأن العمليات ضد القوات الأميركية ستستمر ما دامت، بحسب تعبيره، «الاعتداءات الأميركية» مستمرة.
كما أعلن الحرس عن استهداف مدمرتين أمريكيتين تحملان صواريخ كروز وإيجيس بصواريخ باليستية، ردا على "الإجراءات العدوانية الأمريكية" ضد ناقلات النفط والسفن الإيرانية وقال "ألحقنا بهما أضرارا كبيرة".
وقال الحرس: "عازمون على الرد على الإجراءات اليائسة للنظام الأمريكي ونحذر العدو من ارتكاب خطأ في حساباته".
ولا تتوافر، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أدلة مستقلة تثبت حجم الأضرار التي تحدث عنها الحرس الثوري، كما لم تؤكد القيادة المركزية الأميركية تضرر مدمرتين ومقاتلات أو منشآت عسكرية في قاعدة الأزرق جراء الهجوم الأخير.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء تعدد الروايات المتضاربة خلال جولات التصعيد السابقة؛ إذ سبق للحرس الثوري أن أعلن في مناسبات سابقة تدمير مقاتلات أميركية في القاعدة ذاتها، بينما لم تكن بعض هذه الادعاءات قابلة للتحقق المستقل. وفي 30 تموز/ يوليو، على سبيل المثال، ادعى الحرس تدمير ثلاث مقاتلات F-35 وإلحاق أضرار بثلاث أخرى في قاعدة الأزرق، فيما ظلت تلك الخسائر موضع خلاف ولم تُثبت بصورة مستقلة.
إطلاقات واعتراضات في أجواء الأردن
وترافقت الضربة الإيرانية الجديدة مع تقارير عن نشاط مكثف لمنظومات الدفاع الجوي واعتراضات في سماء مناطق أردنية، بينما تحدثت تقارير إعلامية عن سماع انفجارات في عمّان وإربد ومناطق شرقي وشمالي المملكة.
وحتى الساعات الأولى من صباح الأربعاء، لم يكن قد صدر في المصادر الرسمية الأردنية التي أمكن التحقق منها بيان جديد يحدد حصيلة الهجوم الأخير أو يؤكد إصابة منشآت عسكرية.
وكان الأردن قد تعرض خلال الأشهر الماضية لسلسلة من الهجمات الإيرانية المشابهة. ففي 2 أيلول/ سبتمبر، أعلنت القوات المسلحة الأردنية رسميًا أن 13 صاروخًا باليستيًا مصدرها الأراضي الإيرانية دخلت أجواء المملكة، وأن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت عشرة منها، بينما سقطت ثلاثة صواريخ في مناطق نائية، من دون وقوع إصابات أو خسائر بشرية.
كما سبق للجيش الأردني أن أعلن اعتراض صواريخ كانت متجهة نحو منطقة الأزرق في جولات سابقة، مؤكدًا أن المملكة ستتعامل مع أي اختراق لأجوائها باعتباره مساسًا بسيادتها، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءه.
وتُعد قاعدة موفق السلطي الجوية منشأة عسكرية أردنية تستخدمها أيضًا قوات أميركية في إطار التعاون العسكري بين البلدين، وقد أصبحت خلال الحرب الجارية أحد الأهداف المتكررة للهجمات الإيرانية. وتشير تقارير مستقلة إلى وجود عسكري أميركي واسع في الأردن، مع استخدام قاعدة موفق السلطي بصورة خاصة كمركز مهم للعمليات الجوية الأميركية في المنطقة.
واشنطن تضرب خمس ناقلات إيرانية
وجاء الهجوم الإيراني بعد ساعات من إعلان الجيش الأميركي تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، في أحدث رد عسكري أميركي على محاولات الحرس الثوري استهداف سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية بصواريخ باليستية.
ووفق أسوشيتد برس، أعلنت القيادة المركزية الأميركية استهداف ناقلات Kivik وCharminar وHorizon 1 وRiesco في خليج عُمان، إضافة إلى الناقلة Derya قرب جزيرة خارك، أحد أبرز مراكز تصدير النفط الإيراني. وقالت واشنطن إن أطقم السفن تلقت تعليمات بمغادرتها قبل تنفيذ الضربات.
وتقول القيادة الأميركية إن هذه السفن تشكل جزءًا من شبكة نفطية سرية بمليارات الدولارات تستخدم في تمويل الحرس الثوري وحلفائه الإقليميين، وهي رواية ترفضها طهران وتصف الهجمات الأميركية على ناقلاتها بأنها أعمال عدوان وانتهاك للقانون الدولي.
وبحسب الرواية الأميركية، جاءت الضربات بعدما حاول الحرس الثوري مرتين خلال اليومين السابقين استهداف سفينة حربية أميركية بصواريخ، إلا أن محاولتي الهجوم لم تسفرا عن إصابات في صفوف القوات الأميركية. وأفادت تقارير أميركية بأن السفينة تمكنت من تفادي الصواريخ وواصلت عملياتها.
وتأتي العملية بعد أيام فقط من ضربة أميركية أخرى في 5 أيلول/ سبتمبر استهدفت ثلاث ناقلات نفط خام إيرانية هي Downy وStark 1 وKylo، عقب إطلاق الحرس الثوري صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين. وأكدت «سنتكوم» حينها عدم إصابة أي عسكري أميركي.
وبذلك تحولت ناقلات النفط نفسها إلى أحد ميادين المواجهة العسكرية والاقتصادية بين واشنطن وطهران، في تطور يزيد المخاوف من اتساع الحرب إلى البنية التحتية للطاقة والملاحة التجارية في المنطقة.
طهران: الرد سيستمر
وقال الحرس الثوري إن الهجوم على قاعدة الأزرق يشكل ردًا مباشرًا على استهداف ناقلات النفط، مؤكدًا أن العمليات ضد القوات الأميركية لن تتوقف ما دامت العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران ومصالحها مستمرة.
وأضاف، وفق الرواية الإيرانية، أن القوات المسلحة ستواصل «عملياتها العقابية» ضد المواقع والقوات الأميركية في المنطقة، في مؤشر إلى أن طهران تتجه إلى ربط أي ضربة أميركية ضد أسطولها النفطي برد على منشآت وقواعد تستضيف قوات أميركية في دول المنطقة.
وكان مسؤولون إيرانيون قد حذروا في الأيام الأخيرة من أن منشآت الطاقة والمصالح الأميركية في الخليج ستكون عرضة للاستهداف إذا استمرت العمليات العسكرية، بالتزامن مع تهديد طهران بفرض منطقة بحرية مقيدة جديدة في مضيق هرمز.
غواصة أميركية مسيّرة بيد الحرس الثوري
وفي تطور متصل بالمواجهة البحرية، أعلن الحرس الثوري الثلاثاء الاستيلاء على مركبة أميركية غير مأهولة تحت الماء قرب مدخل مضيق هرمز، قائلاً إن قواته البحرية اعترضتها خلال عملية استندت إلى معلومات استخبارية.
وأكد مسؤول أميركي لوكالة رويترز أن مركبة عسكرية غير مأهولة تحت الماء تعطلت قبل أكثر من يوم، لكنه قال إنها من طراز أقدم ولا تحمل أجهزة سونار أو رادارات مصنفة سرية. كما أوردت أسوشيتد برس تأكيد الجانب الأميركي فقدان المركبة بعد تعطلها، وهو ما يثبت وقوع الحادثة في أصلها، مع اختلاف واشنطن وطهران بشأن كيفية وصولها إلى يد الحرس الثوري.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
ويتزامن التصعيد مع تراجع حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط العالمية.
وأظهرت بيانات نقلتها رويترز أن سبع سفن سلع فقط عبرت المضيق يوم الإثنين، مقارنة بثمان في اليوم السابق، وسط تهديدات إيرانية بالرد على الهجمات الأميركية ومخاوف متزايدة لدى شركات الشحن من إرسال سفنها إلى المنطقة.
وفي أحدث تحذير رسمي منشور يمكن التحقق منه من هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO، أفادت الهيئة في 5 أيلول/ سبتمبر بتلقي تقارير عن تعرض عدة سفن تجارية في شمال الخليج وخليج عُمان لنيران أدت إلى تعطيلها في إطار «نشاط عسكري مستمر في المنطقة»، من دون أن تتمكن حينها من تأكيد وجود خسائر بشرية أو أضرار بيئية.
ويأتي ذلك بعدما شهد مضيق هرمز في الأسابيع الماضية سلسلة حوادث استهداف لسفن تجارية، ما دفع السلطات البحرية إلى مطالبة السفن برفع مستوى الحذر ومتابعة التحديثات الأمنية بصورة مستمرة.
مواجهة تتسع من البحر إلى القواعد البرية
وتشير التطورات الأخيرة إلى انتقال المواجهة الأميركية–الإيرانية بصورة متزايدة بين مسارين مترابطين: حرب على الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز، وضربات متبادلة تستهدف المواقع التي تستخدمها القوات الأميركية في دول المنطقة.
وبينما تسعى واشنطن إلى فرض تكلفة اقتصادية مباشرة على طهران عبر ضرب ناقلات النفط وتقييد صادراتها، تراهن إيران على قدرتها الصاروخية واستهداف الانتشار العسكري الأميركي الإقليمي لرفع تكلفة استمرار العمليات.
وأكدت رويترز أن الضربات الأخيرة على الناقلات جاءت وسط اتساع نطاق المواجهة، في وقت لا تزال فيه قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة قادرة على الوصول إلى قواعد تستخدمها القوات الأميركية في المنطقة رغم شهور من الضربات التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية.
وألقت المواجهة بظلالها مباشرة على أسواق الطاقة؛ إذ اقترب خام برنت من مستوى 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات والملاحة عبر هرمز، فيما باتت أي جولة جديدة من الهجمات على الناقلات أو المنشآت النفطية قادرة على زيادة الضغوط على الأسواق العالمية.
وبينما تعلن طهران أن ردها سيستمر حتى توقف الولايات المتحدة عملياتها، تؤكد واشنطن أنها سترد على أي استهداف لقواتها وسفنها، ما يترك المنطقة أمام دورة مفتوحة من الضربات والضربات المضادة، مع ارتفاع احتمالات انتقال المواجهة إلى نطاق جغرافي أوسع وازدياد المخاطر على الأردن ودول الخليج والملاحة الدولية.
ولا يزال العنصر الأكثر غموضًا في هجوم فجر الأربعاء هو حجم الأضرار داخل قاعدة الأزرق واستهداف مدمرتين أمريكيتين؛ فإيران تعلن إصابات مباشرة وأضرارًا كبيرة في منشآت مرتبطة بالمقاتلات الأميركية، بينما لم يصدر حتى الآن تأكيد أميركي أو أردني مستقل يثبت هذه الخسائر، الأمر الذي يجعل حصيلة الضربة معلقة بانتظار البيانات الرسمية أو الأدلة الميدانية المستقلة.
