هل تنتهي أزمة قطاع غزة عقب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟.. سفيان أبو زايدة يكشف السيناريو الأقرب

الدكتور سفيان أبو زايدة

 بينما تواصل طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة انتشال رفات الشهداء من تحت ركام المنازل المدمرة، وتستمر الغارات وعمليات القصف وإطلاق النار الإسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع، يبدو المسار السياسي الذي كان يفترض أن ينقل غزة إلى مرحلة جديدة من وقف الحرب وإعادة ترتيب إدارتها وأمنها عالقًا عند نقطة شديدة التعقيد، في انتظار متغير قد يأتي هذه المرة من داخل المشهد السياسي الإسرائيلي نفسه.

وفي قراءة للمشهد، قال الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور سفيان أبو زايدة إن اتفاق غزة بات، من الناحية العملية، في حالة «تجميد»، معتبرًا أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل قد تتحول إلى نقطة فاصلة تحدد ما إذا كانت خطة إنهاء الحرب ستستعيد زخمها، أم أن الجمود الحالي سيصبح واقعًا طويل الأمد.

وجاءت تصريحات أبو زايدة خلال مقابلة مع الإعلامي صلاح الدين الوحيدي عبر قناة «الغد»، في وقت لا تزال فيه غزة تعيش تداعيات الحرب والدمار الواسع، إذ انتشلت طواقم الدفاع المدني رفات 17 شهيدًا من تحت أنقاض منازل مدمرة، بينهم شهيد في مخيم النصيرات وسط القطاع و16 شهيدًا من منطقتي اليرموك والزيتون بمدينة غزة، بالتزامن مع استمرار البحث عن المفقودين وسط نقص حاد في المعدات الثقيلة والآليات اللازمة لرفع الركام.

كما شهدت مناطق متفرقة من القطاع، الأحد 13 سبتمبر/أيلول، قصفًا وغارات وإطلاق نار من جانب قوات الاحتلال، في صورة تعكس هشاشة الواقع الميداني رغم المسار السياسي الذي انطلق أساسًا على قاعدة إنهاء الحرب والانتقال إلى ترتيبات ما بعدها.

اتفاق موجود على الورق.. ومجمّد على الأرض

وبحسب أبو زايدة، فإن المشكلة الأساسية لم تعد في وجود اتفاق سياسي من عدمه، وإنما في غياب التنفيذ الفعلي لبنوده.

وقال: «اتفاق غزة من الناحية العملية مجمد»، موضحًا أن ذلك يظهر في عدم حدوث انسحابات إسرائيلية إضافية، وعدم دخول قوة الاستقرار الدولية إلى القطاع، وعدم تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها، إلى جانب استمرار القصف والقنص والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

وتتطابق هذه النقاط، في جانب مهم منها، مع الملفات التي لا تزال معلقة في مسار تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025، الذي أقر ترتيبات انتقالية لقطاع غزة، من بينها الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية، ونشر قوة استقرار دولية، وانسحاب قوات الاحتلال على مراحل، إلى جانب ترتيبات نزع سلاح الفصائل وإعادة الإعمار. وينص المسار المعلن على تنفيذ عملية نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي عبر مراحل مترابطة، وليس باعتبار كل منهما مسارًا منفصلًا بالكامل عن الآخر.

وفي أحدث إحاطة أممية بشأن الملف، في 26 أغسطس/آب، أكد مسؤول أممي أن وقف إطلاق النار ما زال هشًا، وأن التطبيق الكامل لخارطة الطريق المؤلفة من 15 نقطة يشمل نزع سلاح حماس والفصائل، وانسحاب جيش الاحتلال من غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونقل مسؤوليات الإدارة الانتقالية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

عقدة السلاح والانسحاب

ويرى أبو زايدة أن أحد أبرز مفاتيح الأزمة الحالية يتمثل في ترتيب خطوات نزع السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي.

فوفق قراءته، جرى التفاهم على مبدأ غزة منزوعة السلاح وعلى وجود آليات لحصر السلاح وتسليمه، لكن الخلاف انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: من يبدأ أولًا؟

ويقول إن التصور الذي تم التوافق عليه يقوم على خطوات متزامنة، بحيث تبدأ عملية حصر السلاح وتسليمه وفق آليات محددة بالتوازي مع انسحابات إسرائيلية تدريجية، في حين يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته على جعل نزع السلاح شرطًا سابقًا لأي انسحاب.

وهذا الاختلاف في ترتيب التنفيذ ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل يمثل، وفق هذه القراءة، جوهر حالة الشلل التي أصابت الاتفاق؛ لأن مطالبة طرف بتنفيذ التزامه كاملًا قبل أن يبدأ الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته تغير عمليًا فلسفة «التنفيذ المتزامن» التي بُني عليها المسار.

وتشير وثائق الأمم المتحدة الخاصة بتنفيذ القرار 2803 إلى أن عملية نزع السلاح يفترض أن تتم على مراحل يقابلها تنفيذ متناسب من إسرائيل وبقية الأطراف، مع انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال مرتبط بالتقدم المتحقق والمتحقق منه في ملف السلاح.

واشنطن.. هل وضعت غزة في «غرفة الانتظار»؟

الأكثر خطورة، في تقدير أبو زايدة، أن الإدارة الأميركية لا تبدو في هذه المرحلة مستعدة لاستخدام ثقلها السياسي لإجبار الأطراف على كسر الجمود.

ويرى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر خلال الفترة الماضية تعكس قناعة أميركية بأن واشنطن حققت بالفعل إنجازًا رئيسيًا بوقف الحرب وإطلاق سراح المحتجزين، بينما لم تعد التفاصيل اليومية في غزة تحظى بالأولوية الدولية نفسها التي كانت تحظى بها خلال ذروة الحرب.

وبهذا المعنى، يخشى أبو زايدة أن تكون واشنطن قد قبلت عمليًا ببقاء الوضع الحالي ضمن مستوى تعتبره «قابلًا للاحتواء»، حتى مع استمرار سقوط الشهداء جراء القصف وإطلاق النار.

وقال إن استمرار سقوط الفلسطينيين منذ بدء وقف إطلاق النار لا يبدو كافيًا، حتى الآن، لإعادة غزة إلى رأس سلم الأولويات الدولية، وهو ما يدفعه إلى الاعتقاد بأن الجمود قد يستمر حتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

27 أكتوبر.. لماذا قد يكون التاريخ مفصليًا لغزة؟

الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 لا تجري هذه المرة بمعزل عن ملف غزة.

فنتنياهو يدخل السباق في مواجهة واحدة من أكثر المعارك الانتخابية تعقيدًا في مسيرته، بينما تشير استطلاعات حديثة إلى انقسام عميق في الخريطة السياسية، وعدم قدرة معسكره أو المعسكر المعارض له، وفق الأرقام الحالية، على ضمان أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة للسيطرة على الكنيست بمفرده.

ووفق استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية نُشر بعد إغلاق قوائم المرشحين، حصلت الأحزاب المناهضة لنتنياهو على 57 مقعدًا مقابل 52 لمعسكره، مع 11 مقعدًا للأحزاب العربية، بينما أظهرت استطلاعات أخرى تقاربًا أكبر بين المعسكرين.

وهنا تكتسب فرضية أبو زايدة أهميتها.

فهو يرى أن أحد السيناريوهات الأكثر واقعية يتمثل في حصول الأحزاب المعارضة لنتنياهو على ما بين 58 و59 مقعدًا تقريبًا، مقابل ما بين 50 و53 لمعسكر نتنياهو، بما قد يفتح الطريق أمام تشكيل حكومة تستند إلى شبكة أمان برلمانية تقدمها الأحزاب العربية.

ورغم أن هذا السيناريو يواجه تعقيدات داخل معسكر المعارضة نفسه، فإن فكرة تشكيل حكومة أقلية بدعم أو امتناع أحزاب عربية أصبحت بالفعل جزءًا من النقاش السياسي الإسرائيلي، وسبق أن طرحها سياسيون من معسكر المعارضة، وإن كانت لا تزال موضع خلاف بينهم.

هل تغيير الحكومة يعني تغيير السياسة تجاه غزة؟

مع ذلك، يحذر أبو زايدة من الاعتقاد بأن سقوط نتنياهو، إن حدث، سيعني انقلابًا جذريًا وفوريًا في الموقف الإسرائيلي من غزة.

ويشير إلى وجود مساحة واسعة من التوافق داخل الأحزاب الإسرائيلية بشأن قضايا مثل نزع سلاح الفصائل وربط إعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية.

وبالتالي، فإن الفرق الذي يتوقعه أبو زايدة بين حكومة نتنياهو وحكومة بديلة لا يكمن بالضرورة في الأهداف النهائية تجاه غزة، بقدر ما قد يكمن في طريقة إدارة الملف والاستعداد للتعامل مع الخطة الأميركية والدولية.

وقال إن «كلام الانتخابات شيء، وما بعد الانتخابات شيء آخر»، في إشارة إلى أن الخطاب المتشدد خلال الحملات الانتخابية قد يخضع لاحقًا لضرورات تشكيل الحكومة والعلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

السيناريو الأقرب: فرصة جديدة للخطة الأميركية

إذا أفرزت الانتخابات حكومة إسرائيلية مناهضة لنتنياهو، يعتقد أبو زايدة أن أولوياتها ستبدأ من محاولة ترميم صورة إسرائيل دوليًا، ولا سيما بعد الضرر السياسي والدبلوماسي الواسع الذي خلفته الحرب وما رافقها من توسع استيطاني واعتداءات للمستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ويتوقع أن تتحرك مثل هذه الحكومة للحد من اعتداءات المستوطنين، ليس بالضرورة انطلاقًا من تغيير جوهري تجاه الحقوق الفلسطينية، وإنما بسبب إدراكها أن تلك الاعتداءات أصبحت أحد العوامل التي عمقت عزلة إسرائيل وشوهت صورتها خارجيًا.

كما يتوقع أن يكون من أولوياتها تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما سبقها، إلى جانب محاولة معالجة الانقسامات الداخلية التي تفاقمت خلال سنوات الحرب.

لكن انعكاس التغيير الأبرز على غزة، وفق أبو زايدة، سيكون في منح الولايات المتحدة و«مجلس السلام» فرصة فعلية لتنفيذ الخطة وفق جدول زمني واضح.

ويعني ذلك، إذا تحقق السيناريو، العودة إلى صيغة متدرجة تجمع بين نزع السلاح والانسحابات الإسرائيلية ونشر قوة الاستقرار الدولية وتمكين الإدارة الفلسطينية الانتقالية، بدل إبقاء كل ملف رهينة للآخر.

اختبار ما بعد الانتخابات

لكن السيناريو الآخر أكثر قتامة.

فإذا انتهت الانتخابات من دون حكومة قادرة أو راغبة في كسر الجمود، أو بقيت واشنطن غير مستعدة لممارسة ضغط حقيقي، فقد يتحول الوضع الحالي من مرحلة انتقالية مؤقتة إلى صيغة مفتوحة: قوات الاحتلال تحتفظ بسيطرتها على مساحات واسعة، وإدارة غزة الجديدة عاجزة عن ممارسة صلاحياتها كاملة، وقوة الاستقرار الدولية غير مكتملة الانتشار، وإعادة الإعمار مؤجلة، بينما تستمر الضربات والضحايا.

وهذا تحديدًا ما يجعل انتخابات 27 أكتوبر أبعد من كونها شأنًا إسرائيليًا داخليًا بالنسبة إلى غزة.

فالمسألة، وفق قراءة أبو زايدة، ليست أن الانتخابات ستنهي أزمة القطاع تلقائيًا، بل إنها قد تزيل العائق السياسي الذي يمنع اختبار الاتفاق أصلًا.

ويختصر الوزير الفلسطيني السابق الاحتمالات في مسارين: إما أن تفرز الانتخابات واقعًا سياسيًا يمنح دفعة قوية لتنفيذ الاتفاق وخارطة الطريق، أو تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام فشل جديد في ملف غزة.

وفي الحالة الثانية، يحذر من أن ابتعاد واشنطن عن الملف سيحمل تداعيات لا تقتصر على الفلسطينيين، وإنما تمتد إلى استقرار المنطقة بأسرها.

وبين السيناريوهين تبقى غزة معلقة في منطقة شديدة الهشاشة: حرب قيل إنها انتهت، واتفاق لم يبدأ تنفيذه كاملًا، وإعمار ينتظر الأمن والسياسة، وسكان يواصلون في الوقت نفسه انتشال رفات ضحاياهم من تحت الركام.

وعليه، فإن السؤال بعد انتخابات إسرائيل لن يكون فقط: من سيحكم في تل أبيب؟ بل أيضًا: هل ستسمح الحكومة الجديدة، إن تغيرت، بتحويل اتفاق غزة من وثيقة سياسية مجمدة إلى مسار قابل للتنفيذ، أم أن القطاع سيبقى أسير مرحلة «لا حرب كاملة ولا سلام ولا إعمار»؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله