من جائزة البندقية إلى التهديد بإسقاط الجنسية.. وزير إسرائيلي يهاجم مخرجي «نازا» بعد كشفه شهادات عن قتل المدنيين في غزة
أثار وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار، مساء الأحد 13 أيلول/سبتمبر 2026، جدلًا واسعًا بعدما أعلن عزمه العمل على سحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين يوفال أبراهام وراحيل شور، في أعقاب فوز فيلمهما الوثائقي «NAZA» (نازا) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي.
ويضع تهديد زوهار الجدل بشأن الفيلم في مستوى يتجاوز الخلاف الفني والسياسي إلى مسألة الحقوق المدنية وحرية التعبير، إذ وصف الوزير الإسرائيلي صناع العمل بـ«الخيانة»، بسبب فيلم يستند أساسًا إلى شهادات أدلى بها عسكريون وعناصر استخبارات إسرائيليون عن آليات استهداف الفلسطينيين خلال الحرب على قطاع غزة.
وقال زوهار، بحسب صحيفة «مكور ريشون» العبرية، إن فوز الفيلم في البندقية «صادم»، واتهم مخرجيه بالإضرار بإسرائيل للحصول على تأييد دولي، مضيفًا أنه سيعمل بصفته وزيرًا للثقافة على سحب جنسيتهما بدعوى «الخيانة للدولة».
لكن إعلان الوزير لا يعني امتلاكه صلاحية مباشرة لإسقاط الجنسية. فبحسب قانون الجنسية الإسرائيلي، فإن إلغاء جنسية شخص بدعوى «خرق الولاء للدولة» يخضع لمسار قانوني محدد ويكون من اختصاص المحكمة الإدارية بناء على طلب الجهة المخولة بصلاحيات وزارة الداخلية، وليس بقرار منفرد من وزير الثقافة.
فيلم يستند إلى شهادات من داخل الجيش والاستخبارات
و«نازا» فيلم وثائقي مدته 80 دقيقة، أخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل شور، وأنتجته صحيفة «الغارديان» وشركة JW Films، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر مهمة المنتج التنفيذي.
وأكد مهرجان البندقية رسميًا أن الفيلم يعرض شهادات تتناول ما يصفه صناعه بـ«الأنظمة التي تقف خلف القتل المحسوب للمدنيين الفلسطينيين في غزة». وسُجل الفيلم في المسابقة الرسمية بصفته إنتاجًا بريطانيًا.
ويعتمد العمل على مقابلات مع 24 جنديًا وضابطًا وعنصر استخبارات إسرائيليًا تحدثوا من دون الكشف عن هوياتهم، ويعرض شهادات بشأن اختيار الأهداف، واستخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتقديرات أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم خلال الغارات الإسرائيلية.
واسم الفيلم «NAZA» مأخوذ من الاختصار العبري لعبارة تعني «الضرر الجانبي»، وهو تعبير عسكري يتعلق بتقدير الخسائر المدنية المحتملة نتيجة استهداف هدف عسكري.
وعرض الفيلم عالميًا للمرة الأولى في البندقية في 10 سبتمبر/أيلول، وحظي بتصفيق طويل من الجمهور قبل أن تمنحه لجنة التحكيم، في ختام المهرجان السبت، جائزة لجنة التحكيم الخاصة. أما جائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم فذهبت إلى «Woman Unknown» للمخرجة ماي الطوخي.
«شاهدوا الفيلم قبل مهاجمته»
وفي أول رد له على الانتقادات الإسرائيلية بعد الفوز، قال أبراهام، الأحد، إن الهدف من الفيلم هو إيصال شهادات الجنود والضباط الإسرائيليين إلى المجتمع داخل إسرائيل.
وأضاف في رسالة مصورة نقلتها صحيفة «إسرائيل هيوم» أن المخرجين سيعملان على إتاحة الفيلم على أوسع نطاق داخل إسرائيل، ودعا منتقديه إلى مشاهدته قبل إنكار ما يعرضه من شهادات.
ويأتي ذلك بعدما تعرض العمل منذ عرضه الأول لسلسلة هجمات في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ركز بعضها على أن الفيلم يتناول بصورة شبه كاملة سلوك الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، من دون تخصيص مساحة مماثلة لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأبرزت القناة 12 الإسرائيلية هذا الانتقاد، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن مضمون الفيلم يستند إلى روايات عناصر شاركوا في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، وأن الادعاءات المتعلقة بعمليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي هي شهادات يقدمها صناع الفيلم ومصادرهم وليست استنتاجات مثبتة قضائيًا.
جدل يتجاوز الفيلم إلى حرية التعبير
وتمنح تصريحات زوهار القضية بعدًا سياسيًا وقانونيًا أوسع، إذ انتقل الخطاب الرسمي من الاعتراض على مضمون الفيلم إلى التلويح بإحدى أشد العقوبات المدنية الممكنة ضد صانعيه، وهي إسقاط الجنسية.
كما أعاد الوزير ربط القضية بخطته لإعادة هيكلة تمويل السينما الإسرائيلية، قائلًا إن الجدل حول «نازا» يؤكد، من وجهة نظره، ضرورة منع استخدام الأموال العامة في أعمال يرى أنها تلحق ضررًا بصورة الجيش وإسرائيل.
ويفتح ذلك نقاشًا داخل إسرائيل بشأن الحدود الفاصلة بين حق الحكومة في الاعتراض على أعمال فنية ممولة من المال العام وبين استخدام أدوات الدولة، بما فيها الجنسية، في مواجهة أعمال صحفية أو سينمائية تنتقد المؤسسة العسكرية وسياسات الحكومة.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى أن أبراهام وشور ليسا غريبين عن الجدل السياسي؛ فهما من بين صناع الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى – No Other Land» الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي، إلى جانب الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال.
شهادات من الداخل تقابلها تهديدات من الحكومة
وتبدو المفارقة الأبرز في الجدل أن «نازا» لا يقوم أساسًا على تحقيق أعده المخرجان من خارج المؤسسة العسكرية، بل على شهادات إسرائيلية من داخل الجيش والاستخبارات بشأن كيفية إدارة العمليات في غزة.
ولهذا، فإن المواجهة التي أشعلها الفيلم لم تعد تدور فقط حول صدقية روايته أو تقييمه الفني، بل حول سؤال أوسع داخل إسرائيل: هل يجري الرد على الادعاءات والشهادات التي يعرضها بتحقيق ومناقشة مضمونها، أم بملاحقة من ينشرها واتهامه بالخيانة؟
وبينما يواصل الفيلم مسيرته في المهرجانات الدولية بعد فوزه في البندقية، تشير تصريحات زوهار إلى أن الجدل حوله داخل إسرائيل مرشح للتصاعد، ولا سيما إذا نجح المخرجان في خطتهما لعرضه على نطاق واسع أمام الجمهور الإسرائيلي.
وفي المحصلة، حوّل الفوز في البندقية فيلمًا عن شهادات عسكريين إسرائيليين بشأن الحرب في غزة إلى مواجهة سياسية داخلية حول حرية التعبير وحدود النقد في زمن الحرب، بعدما وصل الرد الوزاري إلى حد المطالبة بإسقاط جنسية مخرجين بسبب مضمون عمل سينمائي.
