«الناجي الوحيد» لم يعد استثناءً في غزة.. طبيب نفسي: نرى أعراضًا لم نقرأ عنها في الكتب
قال استشاري الطب النفسي ومدير مستشفى الطب النفسي في غزة، الدكتور عبدالله الجمل، إن الحرب أحدثت تحولًا غير مسبوق في طبيعة الاضطرابات النفسية التي يواجهها سكان القطاع، إلى حد ظهور أعراض وحالات لم يكن معتادًا على رؤيتها خلال نحو 15 عامًا من عمله في الطب النفسي، فيما تضاعفت أعداد المراجعين لخدمات الصحة النفسية بصورة كبيرة مقارنة بما قبل الحرب.
وفي مقابلة رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» مع بودكاست «حديث الطبيب» عبر صفحة المنتدى الطبي الفلسطيني – الفرع الطلابي بموقع «فيسبوك»، قال الجمل إن الحرب ساهمت، في تراجع جزء من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمراجعة الطبيب النفسي، إذ بات كثير من الفلسطينيين ينظرون إلى طلب المساعدة النفسية باعتباره أمرًا طبيعيًا في ظل حجم الصدمات والفقد المتكرر.
وأوضح أن عدد الحالات الجديدة التي سجلتها العيادات الحكومية للصحة النفسية في قطاع غزة بلغ نحو 1500 حالة خلال عام 2023، بينما ارتفع في عام 2025 إلى أكثر من 7500 حالة جديدة. كما ارتفع عدد الحالات النشطة التي كانت تتابع خدمات الصحة النفسية من نحو 25 ألفًا إلى قرابة 75 ألفًا، وفق الأرقام التي أوردها خلال المقابلة.
وقال الجمل إن المشكلة لم تعد تقتصر على الوصمة الاجتماعية لدى المرضى، بل تشمل أيضًا نظرة بعض مقدمي الخدمات الصحية إلى الصحة النفسية، معتبرًا أن ظروف الحرب دفعت الخدمات الجراحية والطوارئ إلى صدارة الأولويات، لكن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من الرعاية الطبية.
مستشفى دُمّر ومرضى بلا مكان آمن
وأشار الجمل إلى أن مستشفى الطب النفسي الوحيد في غزة خرج عن الخدمة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد تعرضه للقصف والتدمير، ما ترك المرضى الذين يحتاجون إلى إدخال قصير للمستشفى من دون مكان مخصص وآمن للعلاج.
وأوضح أن غالبية المرضى النفسيين لا يحتاجون إلى دخول المستشفى، إلا أن نسبة محدودة تتراوح بين 2 و4 في المئة تحتاج إلى إقامة مؤقتة لحمايتهم أو حماية المحيطين بهم خلال المراحل الحادة من المرض.
وقال إن غياب هذا النوع من الرعاية كانت له عواقب «كارثية» خلال الحرب، مشيرًا إلى حالات مرضى فقدوا حياتهم بعدما تحركوا نحو مناطق خطرة وهم في حالات نفسية حادة لم يكن من الممكن السيطرة عليها من خلال العلاج الدوائي وحده.
وأضاف أن بعض المرضى كانوا في حاجة ماسة إلى التنويم، لكن عدم وجود مستشفى مخصص جعل التعامل معهم شبه مستحيل في بيئة تشهد قصفًا ونزوحًا مستمرًا وانقطاعًا للأدوية والخدمات.
وكشف الجمل أن هناك مباحثات مع الهيئة الطبية الدولية «IMC» لإنشاء وحدة استقرار للحالات النفسية الحادة تضم ما لا يقل عن 20 سريرًا، كحل مرحلي إلى حين إعادة إنشاء مستشفى متكامل للصحة النفسية.
«أعراض لم أقرأ عنها في الكتب»
ووصف الجمل التأثير النفسي للحرب بأنه يتجاوز الأطر التقليدية لاضطراب ما بعد الصدمة، موضحًا أن العاملين في المجال بدأوا يرصدون أعراضًا وحالات شديدة التعقيد لم يكونوا يشاهدونها بهذا الشكل قبل الحرب.
وروى حالة طفل فقد شقيقه إلى جانبه أثناء القصف، وقال إن الطفل فقد شعر رأسه وحاجبيه ورموشه بالكامل، إلى جانب أعراض الخوف والتبول اللاإرادي واضطرابات أخرى، قبل أن يبدأ شعره بالنمو مجددًا عندما ابتعد عن المكان الذي وقعت فيه الصدمة.
لكن عودة الأسرة لاحقًا إلى الغرفة ذاتها التي استشهد فيها الشقيق، بسبب تجدّد الحرب وعدم وجود مكان بديل للنزوح، أعادت الطفل إلى حالة نفسية أكثر سوءًا، وفق الجمل.
وقال إن المشكلة الأساسية في غزة تتمثل في أن كثيرًا من المصابين بالصدمات النفسية لا يستطيعون الابتعاد عن مكان الحادث أو البيئة المرتبطة به، لأن خيارات النزوح نفسها محدودة ومتغيرة باستمرار.
«الناجي الوحيد».. من حالة نادرة إلى واقع يومي
ولفت الجمل إلى أن بعض المصطلحات التي كانت نادرة قبل الحرب أصبحت جزءًا من الواقع اليومي، وفي مقدمتها تعبير «الناجي الوحيد».
وقال إن هذا المصطلح كان يمر عليه قبل عام 2023 مرة كل عدة سنوات، لكنه أصبح اليوم يتكرر بصورة شبه يومية، في إشارة إلى أطفال وأفراد فقدوا أسرهم كاملة أو معظم أفرادها وبقوا وحدهم على قيد الحياة.
وأضاف أن الحرب غيّرت حتى طبيعة الحالات العصبية والنفسية التي تصل إلى العيادات، مشيرًا إلى أن بعض الاضطرابات المرتبطة بإصابات مباشرة في الفص الجبهي من الدماغ، والتي كان يراها نادرًا للغاية سابقًا، باتت تظهر بصورة أسبوعية في غزة.
بين الفقد والصمود
ورغم شدة الصورة التي وصفها، تحدث الجمل عن قدرة لافتة على الصمود لدى كثير من مرضاه، قائلًا إن معظمهم يحملون «قصص صمود هائلة»، رغم معاناتهم النفسية السابقة وما تعرضوا له خلال الحرب من فقد ونزوح وانقطاع للعلاج.
ونقل عن مرضى فقدوا أبناءهم وأقاربهم قولهم إنهم لم يتخيلوا يومًا أنهم سيكونون قادرين على مواصلة الحياة بعد الفقد، قبل أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاستمرار.
وتحدث كذلك عن تجربته الشخصية، مشيرًا إلى أنه فقد اثنين من إخوته خلال الحرب، وأنه نفسه لا يزال يتساءل كيف تمكنت والدته من الصمود أمام هذا الفقد.
وقال إن الإيمان والرضا بالقضاء والقدر شكلا، في تقديره، أحد عوامل الصلابة النفسية والاجتماعية لدى المجتمع في غزة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحزن والبكاء والألم لا يتناقض مع الإيمان أو الرضا، بل يمثل استجابة إنسانية طبيعية للفقد.
وتكشف شهادة الجمل عن أزمة نفسية مركبة في قطاع غزة، لا تتعلق فقط بتزايد أعداد المرضى، وإنما بانهيار البنية العلاجية، والانقطاع المتكرر في المتابعة، وتعدد النزوح، واستمرار التعرض لمصادر الصدمة نفسها، في وقت باتت فيه الصحة النفسية جزءًا مباشرًا من معركة البقاء اليومية.
