مركز «شمس» يحذر من تفاقم الفقر في فلسطين ويدعو إلى حماية الدخل والسكن : بطالة غزة تجاوزت 77% وخطة حكومية مطلوبة لمواجهة الفقر
دعا مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية «شمس» إلى تبني استراتيجية حكومية شاملة لمواجهة الفقر والبطالة وتدهور الأوضاع المعيشية في فلسطين، تقوم على حماية الدخل، وتوفير فرص العمل، وضمان الحق في السكن الآمن، محذرًا من استمرار سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تؤدي إلى تدمير مصادر رزق الفلسطينيين وتعميق أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد المركز، في ورقة موقف أصدرها، بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الموافق 17 أكتوبر/تشرين الأول، تحت عنوان «حماية الحقوق المعيشية ومواجهة سياسات الإفقار: نحو استراتيجية حكومية تضمن الدخل والعمل والسكن الآمن»، أن معالجة الفقر تستوجب الانتقال من المساعدات الإنسانية المؤقتة إلى سياسات اقتصادية واجتماعية مستدامة تعالج أسبابه البنيوية وتحمي الحقوق الأساسية للفلسطينيين.
وأوضح أن مناسبة هذا العام، التي تركز على شعار «مساكن آمنة للجميع»، تكتسب أهمية خاصة في ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، حيث أدى الدمار الواسع للمنازل والبنية التحتية واستمرار النزوح إلى حرمان أعداد كبيرة من الفلسطينيين من حقهم في السكن الملائم، واضطرار عائلات إلى الإقامة في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى مقومات الحياة الكريمة.
وشدد على أن فقدان المسكن لا يقتصر على خسارة المأوى، بل يمتد إلى فقدان الاستقرار الأسري والأمان الشخصي، وتعطيل التعليم والعمل والحصول على الرعاية الصحية، ولا سيما لدى النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
البطالة وتدهور مستويات المعيشة
واستعرض المركز مؤشرات اقتصادية تعكس تفاقم الأوضاع المعيشية، مشيرًا إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية بلغ 27.9% خلال الربع الثاني من عام 2026، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بواقع 27.2% بين الذكور و30.5% بين الإناث، فيما بلغ إجمالي نقص استخدام العمالة 29.9%.
وفي قطاع غزة، أشار إلى أن البطالة تجاوزت 77% خلال عام 2025، بحسب البيانات المشتركة للجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد الفلسطينية، في ظل الانهيار الواسع للنشاط الاقتصادي وتدمير المنشآت ومصادر الإنتاج.
ولفت إلى تراجع إجمالي الاستهلاك في فلسطين بنسبة 24% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023، بواقع 12% في الضفة الغربية و81% في قطاع غزة، إلى جانب ارتفاع الأسعار في القطاع بنحو 22% مقارنة بعام 2024.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس تدهورًا حادًا في القدرة الشرائية ومستويات المعيشة، لكنها لا تمثل قياسًا مباشرًا لنسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر، داعيًا إلى تطوير أدوات قياس تأخذ في الاعتبار الدخل والغذاء والسكن والصحة والتعليم والمياه.
الاحتلال يفاقم الفقر ويقوّض مصادر الدخل
وحذّر المركز من التداعيات الاقتصادية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والحواجز العسكرية واعتداءات المستوطنين على المزارعين، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تؤدي إلى خسارة المحاصيل وتعطيل الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية في الأحواض الرئيسية الثلاثة بالضفة الغربية، وفق بيانات رسمية فلسطينية، الأمر الذي يحد من قدرة الفلسطينيين على تطوير الزراعة والأنشطة الإنتاجية.
وفي السياق المالي، أورد المركز بيانات لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» تفيد بأن الاقتطاعات والإيرادات الفلسطينية التي احتجزتها إسرائيل تراكمت إلى أكثر من 3.67 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2019 حتى مارس/آذار 2026، بما يعادل 83% من إجمالي صافي الإيرادات الفلسطينية لعام 2025.
وأكد أن استمرار احتجاز أموال المقاصة يفاقم الأزمة المالية الفلسطينية ويضعف قدرة المؤسسات على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية، داعيًا إلى تحرك قانوني ودبلوماسي لاسترداد هذه الأموال وحماية الإنفاق الاجتماعي.
71.5 مليار دولار لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، أشار المركز إلى تقديرات «أونكتاد» التي تضع احتياجات التعافي وإعادة الإعمار عند نحو 71.5 مليار دولار، تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، ولا تقتصر على إعادة بناء المساكن.
وشدد على ضرورة اعتماد برنامج شامل للسكن الآمن يتضمن فحص المباني المتضررة وتأهيل القابل منها للإصلاح، وتوفير بدائل سكنية ملائمة للعائلات المتضررة، وضمان حقوق الملكية والحيازة والعودة.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس، حذّر من استمرار عمليات الهدم والإغلاق والتهجير، مستشهدًا بتقرير أممي صدر في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وثّق هدم أو إغلاق أكثر من 70 منشأة فلسطينية وتشريد 93 شخصًا، بينهم 55 طفلًا، خلال الفترة التي شملها التقرير.
مطالب بخطة حكومية للحماية الاجتماعية والتشغيل
وطالب مركز «شمس» الحكومة الفلسطينية بإقرار خطة متكاملة لمكافحة الفقر والبطالة وأزمة السكن، تتضمن إجراءات عاجلة وأخرى متوسطة الأجل، مع تحديد الجهات المسؤولة والموازنات والأهداف والجداول الزمنية للتنفيذ.
ودعا إلى توفير حماية اجتماعية منتظمة للأسر المتضررة، وتحديث معايير الاستحقاق وقيمة المساعدات وفق تكاليف المعيشة وحجم الأسرة واحتياجاتها، وضمان العدالة والشفافية ومنع المحاباة في توزيع المساعدات.
كما أوصى بتنفيذ برامج تشغيل مدفوعة الأجر ترتبط بإعادة تأهيل المساكن وشبكات المياه والأراضي والمرافق العامة، مع ضمان حقوق العمال والعقود القانونية وشروط السلامة المهنية.
وشدد على أهمية حماية الأسر التي ترأسها نساء، من خلال توفير الدعم المالي والسكني والرعاية الاجتماعية، وتسهيل حصول النساء على حقوقهن ووثائقهن، وإنفاذ الحد الأدنى للأجور والمساواة في العمل.
ودعا كذلك إلى دعم الإنتاج المحلي والمنشآت الصغيرة والتعاونيات، وحماية الأراضي والموارد المائية، واسترداد أموال المقاصة، وتوجيه الإنفاق العام نحو قطاعات الصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية.
وأكد المركز ضرورة تفعيل المسؤولية الدولية لوقف تدمير مصادر الرزق والتهجير، وتأمين المساعدات ومواد إعادة الإعمار، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بحق الفلسطينيين.
واختتم ورقته بالتأكيد أن مكافحة الفقر لا يمكن اختزالها في تقديم المساعدات أو معالجة الأضرار المادية، بل تتطلب سياسات تعيد للفلسطينيين قدرتهم على العمل والإنتاج والاستقرار، وتحمي حقوقهم في العيش الكريم على أرضهم، محذرًا من أن استمرار الإفقار دون مساءلة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق آثارها على الأجيال المقبلة.
