أكد جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، أن تحقيق سلام مستدام في قطاع غزة يتطلب إنهاء حكم حركة حماس، وضمان أمن إسرائيل، وتوفير مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني، في موقف يعكس تمسك الإدارة الأميركية بإحداث تغيير جذري في طبيعة السلطة التي تدير القطاع ضمن ترتيبات اليوم التالي للحرب.
ونقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية، مساء الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن كوشنر قوله إن "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب يعمل بالتعاون مع شركائه الإقليميين على تحويل هذه الرؤية إلى واقع، من دون أن يكشف عن خطوات تنفيذية جديدة أو جدول زمني لإنهاء حكم الحركة.
وتأتي تصريحات كوشنر بالتزامن مع تصاعد الضغوط السياسية المرتبطة بترتيبات إدارة غزة، وفي أعقاب مطالبات جديدة من الممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بالسماح الفوري بدخول اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع وقوة الاستقرار الدولية، لبدء تنفيذ الترتيبات الانتقالية التي تتضمن نقل السلطة المدنية والأمنية ونزع سلاح الفصائل.
ملادينوف: استمرار حكم حماس يعطل الانتقال إلى الإدارة الجديدة
وفي هذا السياق، كشفت تقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن رسالة وجهها ملادينوف إلى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، يورام هاليفي، طالب فيها إسرائيل بالسماح الفوري بدخول اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية وقوة الاستقرار الدولية إلى غزة.
وبحسب ما نقلته صحيفة "هآرتس"، اعتبر ملادينوف أن استمرار سيطرة حماس على القطاع يحول دون معالجة المشكلات المتعلقة بإدارة حركة البضائع والمساعدات، محذرًا من أن تعطيل القنوات التجارية لن ينهي الضغوط التي يتعرض لها التجار، وإنما قد يدفعها للانتقال إلى مسارات الإغاثة الإنسانية.
ودعا ملادينوف إلى إطلاق مشروع تجريبي في منطقة محدودة بمدينة رفح جنوبي القطاع، تخضع للسيطرة الإسرائيلية، تبدأ فيه اللجنة الفلسطينية وقوة الاستقرار ممارسة مهامهما، تمهيدًا لتوسيع نطاق الإدارة الجديدة إلى مناطق أخرى من غزة.
ويهدف هذا المقترح إلى اختبار ترتيبات الحكم والأمن على الأرض، وتوفير نموذج أولي لنقل المسؤوليات من حماس إلى إدارة مدنية فلسطينية بديلة، بالتوازي مع تنفيذ الترتيبات الأمنية المتعلقة بالسلاح.
غير أن المشروع لا يزال يواجه عقبات إسرائيلية، بعدما تراجعت الحكومة عن موافقة سابقة على دخول عناصر محدودة من قوة الاستقرار إلى رفح، وسط اعتراضات من وزراء في الائتلاف الحكومي.
أزمة البضائع تكشف تعقيدات إنهاء حكم حماس
وكان ملادينوف قد حذر، في تصريح نشره عبر منصة "إكس" في 15 أكتوبر، من التدخل في حركة الإمدادات التجارية والإنسانية، على خلفية اتهامات إسرائيلية لحماس بفرض رسوم مالية على الشاحنات التجارية وتهديد التجار.
وشدد على أن حماية الإمدادات المدنية والتجارية تتطلب الإسراع في نشر اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مدعومة بقوة الاستقرار الدولية، وتنفيذ الخطة الشاملة التي أقرها مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 2803، بما يشمل إنهاء الوجود المسلح للفصائل في ترتيبات الحكم، والانتقال إلى إدارة مدنية شرعية.
في المقابل، رفضت حماس الاتهامات الإسرائيلية بشأن ابتزاز التجار، وانتقدت تصريحات ملادينوف، معتبرة أنها تتبنى الرواية الإسرائيلية وتوفر مبررات لتقييد دخول البضائع. وطالبت بإلزام إسرائيل بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ورفع القيود المفروضة على القطاع.
وفي تطور لاحق، أعلنت السلطات الإسرائيلية، الاثنين 19 أكتوبر، استئناف التنسيق لإدخال الشحنات التجارية تدريجيًا، بعدما أفاد تجار بتراجع حماس عن المطالبة بدفع نحو عشرة آلاف شيكل عن كل شاحنة. وأقرت السلطات الإسرائيلية بأن هذه الإفادات لم يجر التحقق منها بصورة مستقلة.
ويعكس هذا الخلاف استمرار ارتباط حركة التجارة والمساعدات بالصراع على النفوذ الإداري والأمني داخل غزة، في وقت لم تبدأ فيه اللجنة الفلسطينية الجديدة ممارسة سلطاتها بصورة فعلية.
نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.. العقدة الأساسية
وتندرج تصريحات كوشنر وتحركات ملادينوف ضمن المساعي الأميركية للانتقال إلى المراحل التالية من خطة ترامب بشأن غزة، التي تستند إلى وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025، وتشمل نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، ونقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية انتقالية، ونشر قوة استقرار دولية، وتنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي وإطلاق إعادة الإعمار.
ورغم الإعلان عن خريطة طريق لتنفيذ هذه الترتيبات، لا تزال الخلافات بشأن تسلسل الخطوات وضمانات تنفيذها تحول دون إحراز تقدم حاسم.
وتصر إسرائيل على ربط انسحاب قواتها بالتحقق من نزع سلاح حماس، في حين تتمسك الحركة بضرورة تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، بما فيها وقف الهجمات والانسحاب وفتح المعابر، ضمن مسار متبادل ومتزامن لتنفيذ الاتفاق.
وسبق لملادينوف أن أكد أمام مجلس الأمن أن ترتيبات المرحلة الانتقالية لا تسمح لحماس بدور مباشر أو غير مباشر في حكم غزة، وأن التنفيذ ينبغي أن يقوم على التحقق من الوفاء بالالتزامات المتبادلة، وليس الاكتفاء بالتعهدات السياسية.
ضغوط سياسية وسط تصعيد ميداني وأزمة إنسانية
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار سقوط ضحايا في القطاع رغم وقف إطلاق النار، إذ أفادت وكالة رويترز بمقتل أربعة فلسطينيين على الأقل في غارات وإطلاق نار إسرائيلي، الثلاثاء 20 أكتوبر، بينهم زوجان قتلا في غارة على شقة سكنية بمدينة غزة.
كما أعلنت الأمم المتحدة تقليص المساعدات الغذائية المقدمة إلى نحو نصف مليون فلسطيني في غزة بسبب نقص التمويل، في مؤشر على استمرار هشاشة الأوضاع الإنسانية وتعثر جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وتزيد هذه التطورات الضغوط على مجلس السلام والوسطاء الإقليميين، في ظل الحاجة إلى معالجة الأزمات الإنسانية العاجلة بالتوازي مع الخلافات بشأن مستقبل الحكم والأمن في القطاع.
ومع استمرار التعثر في هذه الملفات، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الضغوط الأميركية والتحركات الدبلوماسية ستنجح في تحويل التفاهمات المعلنة إلى خطوات عملية على الأرض، أم أن الخلاف بشأن نزع السلاح وتسلسل الالتزامات سيواصل تعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق غزة.