بعد أقل من عامين ستبلغ جماعة الإخوان المسلمين مائة عام من عمرها، قضتها في تفتيت الدول العربية والعمل على الحد من تطورها والوقوف عثرة أمام نهضتها، وتفريخ المجموعات الإرهابية التي أثخنت جسد العرب والمسلمين جراحاً ولم تسجل يوماً إضافة للأمة إلا ما يرد على لسان خطبائها وقادتها.
والجماعة التي قيل الكثير عن تأسيسها وعن دور بريطانيا في خلقها من أجل غرسها متراساً في طريق استقلال الأقطار العربية لم تترك بلداً عربياً لم تكن عنصر هدم فيه.
لاحظوا أنه حتى الآن ترعى بريطانيا كل قادة الإخوان الهاربين، ومن لندن ينطلق تحريضهم على القيادة الفلسطينية والقيادة المصرية وغيرهما.
الفكرة ليست في الدين، فالدين هو ذروة السمو والأخلاق، وهو قمة الإنسانية، والدين الإسلامي الذي دعا للتسامح والتعايش وجسّده عبر الحضارة العربية الإسلامية في جهات الأرض الأربع ليس ملكاً للجماعة التي تحاول احتكاره، بيد أن مواصلة هذا الاحتكار تساهم في تعزيز غايات اليمين العالمي المتطرف وسياساته في كل مكان.
هذه البذرة معطوبة، ويجب العمل العربي المشترك لوقف تأثيرها في الحقل العربي. الفكرة أن استخدام الدين وتأسيس الأحزاب على أساس ديني يجب أن يكون مرفوضاً. الدين موجود في حياة الناس وفي ممارستهم اليومية والدولة توفر السبل الكفيلة بحماية حق العبادة للجميع، والدستور ينص على ذلك وعلى كون الدين مصدر التشريع، لكن ليس من حق أحد أن يدعى أن حزبه يمثل الدين، وبالتالي رب العالمين، لذا وجب وضع حد لهذا التوظيف الدنيوي والحزبي لدين يمثل إجماع مكونات المجتمع.
في فلسطين يبدو الأمر أكثر إرباكاً، فحركة حماس تعرف نفسها أنها شعبة من شعب الإخوان بالتالي فإن قيادة الإخوان غير الفلسطينية بالضرورة هي من تقرر للفلسطينيين ماذا يفعلون. تخيلوا شخصاًَ في لندن أو في كابول لا يعرف الفرق بين حي الشجاعية في غزة وعين سارة في الخليل.
تاريخياً كانت حسابات الإخوان في فلسطين ليست فلسطينية. من صراع الثمانينيات مع الحركة الوطنية في غزة (تحديداً الجبهة الشعبية والحزب الشيوعي) لمحاولة فرض تاريخ مغاير لانطلاقة الانتفاضة ووضع يوم إضراب مواز ليوم التاسع من كل شهر الذي كانت تتبناه الحركة الوطنية، إلى عدم المشاركة في الإضرابات التي كانت تنظمها الحركة الأسيرة لتحسين ظروف الاعتقال للعمليات التي تمت ليس لشيء وباعتراف قادة حماس بل لإفشال عملية أوسلو مناكفة للرئيس ياسر عرفات في تسعينيات القرن الماضي ومناكفة للرئيس محمود عباس في بداية الألفية ومن ثم الانقلاب الأسود في حزيران ٢٠٠٧، ومغامرات الحروب والبطولات الوهمية التي قادت للوضع الفلسطيني المأساوي.
ما يقود حماس هو توجيهات غير فلسطينية أو لا تنتظم ضمن المصلحة الوطنية، بل ضمن سياسات ومصالح الحركة الخاصة والضيقة والتي لا تتسع إلا لموقف الجماعة الأم.
مثلاً، صحيح أن العملية في الخليل قد لا تنجح في تغيير نتائج الانتخابات الإسرائيلية كثيراً لصالح نتنياهو لجملة أسباب ربما أهمها أن نتنياهو وعصابة اليمين هم من يقودون الدولة والأمن، لكنها مع ذلك تكشف بعمق المعنى الحقيقي للمثل القائل «الصديق وقت الضيق»، أما غزة التي تركت تذبح ثلاث سنوات بلا رحمة فستظل تنظر من خلف الخط الأصفر للمستقبل الذي ترى منه صور الماضي ذاته.
لا علاقة للأمر بالنضال الوطني ولا بالقتال ولا بالمقاومة التي يتم تشويهها عبر تلك التوظيفات الحزبية الضيقة ويتم إخراجها من سياقها الوطني لسياقات لا تتسع إلا لمصالح خارجية. فغزة التي تركت وحيدة لم ترَ قبل ذلك مساندة ولا تم تشتيت التركيز عنها بل تركت تذبح وحيدة فيما نتنياهو الذي بدأ يترنح وصار يتحدث عن الخسارة فيستحق النجدة.
هذا ليس تبريراً لما سيقوم به نتنياهو وسموتريتش ولا تفنيداً للحق الشرعي في المقاومة بل مقاربة لكيف يقوم الإسلام بصيغته الإخوانية (وليس الإسلام الحقيقي) بتبرير كل شيء من أجل مصالحه.
إنه نفس تدّخل قادة الإخوان في الداخل حين بدؤوا حملة لمواجهة جهود «المشتركة» لتشجيع التصويت من أجل خفض نسبة اليمين، بل إن كمال الخطيب ورائد صلاح علناً عبرا عن مواقف تشجع على إعادة انتخاب نتنياهو.
أيضاً ما جرى من إرهاب في الأردن فصادم مؤلم بشكل كبير ويشكل استمراراً لنهج الجماعات المتطرفة في تفتيت الحالة العربية وضرب المجتمع العربي، وما لم يتم التعامل بحزم شديد ستكون له عواقب وخيمة.
ومرة أخرى لا بد من تشكيل جبهة عربية موحدة لمواجهة هذه التنظيمات ووضع ميثاق عربي موحد جوهره حظر جماعي لهذه التنظيمات وبالطبع لجماعة الإخوان المسلمين التي شكل ظهورها البذرة الأولى لظهور كل المجموعات المتطرفة من التنظيم السري لعبد الرحمن السندي حتى المجموعات المنتشرة اليوم في كل مكان في العالم العربي.
هل تتذكرون كيف قصفت حماس مسجد ابن تيمية في رفح ودمرته على من فيه وقتلت العشرات، وكيف اغتال عناصر القسام بعض النشطاء وهم خارجون من الصلاة في حي الزيتون بغزة.
حين كان يتم احتجازنا خلال النهار في غزة في سنوات الانقلاب العشر الأولى من حكم حماس، كان بعض الإخوة من المواظبين على الصلاة والعبادات يحضرون مصاحف صغيرة يضعونها في جيوبهم يخرجونها ويقرؤون كلام الله، يزجون به الوقت الذي نمضيه في الزنازين من الصباح حتى الإفراج عنا بعد المغيب، وكان السجان يدخل بغضب إذا اكتشف الأمر، يتناول المصحف من بين أيديهم يحرمهم حتى من التعبد لله وذكره.
ووقت الصلاة إذا أطال البعض في السجود للدعاء لله يقوم بنهرنا ويطلب الاستعجال، كذلك منع أي تأمل أو إطالة في الوضوء فلا بأس لو كان الوضوء ناقصاً.
أما في مسالخ التحقيق في قصر الحاكم الذي حولته حماس لمركز لأمنها الداخلي فكان يحرم المعتقلون من الصلاة حتى لا يرتاحوا من «الشبح» الدين هو ما يقومون به.
لقد تم حظر تنظيم الإخوان في الكثير من بلدان عالمنا العربي إلا عندنا في فلسطين.