كشف المدير التنفيذي لشركة «يافا.نت» الفلسطينية للبرمجيات، الدكتور يحيى السلقان، عن تطوير منصة مالية رقمية تحمل اسم «إمباكتومني» (ImpactoMoney)، تتيح للمتبرعين تحديد أوجه إنفاق مساعداتهم وتتبع وصولها إلى الجهات المستفيدة، دون اشتراط امتلاك المستفيدين حسابات بنكية، في ابتكار يستهدف تعزيز الشفافية والكفاءة في توزيع المساعدات الإنسانية.
وأوضح السلقان، خلال مقابلة إذاعية تابعتها وكالة «قدس نت للأنباء»، الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن المنصة تعتمد على مفهوم «الأموال القابلة للبرمجة»، الذي يسمح بتخصيص المبالغ المالية لأغراض محددة مسبقًا، مثل التعليم والعلاج والغذاء والأجهزة الطبية، بما يحد من إمكانية استخدامها خارج الغرض المخصص لها.
وقال إن الابتكار الفلسطيني يسعى إلى معالجة إحدى أبرز المشكلات التي تواجه المؤسسات الإنسانية والمتبرعين، والمتمثلة في صعوبة متابعة الأموال بعد تحويلها إلى المستفيدين، والتحقق من استخدامها وفق الأهداف المعلنة.
وأضاف أن المنصة تمنح التبرعات هدفًا محددًا قبل صرفها، بحيث تُستخدم الأموال لدى الجهات المعتمدة لتقديم الخدمة المطلوبة، مع تسجيل العمليات المالية وإتاحة تتبعها.
كيف تعمل منصة إمباكتومني لتوزيع المساعدات؟
شرح السلقان آلية عمل المنصة من خلال مثال يتعلق بدفع الرسوم الجامعية، موضحًا أنه في حال تخصيص تبرع بقيمة 500 دولار لمساعدة طالب على تسديد أقساطه، يُبرمج المبلغ بحيث لا يمكن استخدامه إلا لدى المؤسسة التعليمية المعنية.
وبيّن أن الطالب يتلقى المساعدة في محفظة رقمية، وعند توجهه إلى الجامعة يستخدم رمز الاستجابة السريعة (QR Code) لإتمام عملية الدفع.
وتتحقق المنصة، بحسب السلقان، من طبيعة الجهة المستقبلة للمبلغ والغرض المحدد للمساعدة، قبل إتمام تحويل القيمة المالية من محفظة الطالب إلى محفظة الجامعة.
وأوضح أن نظام البرمجة يتيح أيضًا تحديد مدة زمنية لصلاحية المساعدة، بما يتناسب مع مواعيد التسجيل الجامعي أو الفترة المحددة للاستفادة من الخدمة.
وقال إن إتمام العملية يتم بصورة إلكترونية سريعة، مشيرًا إلى أن انتقال المبلغ إلى الجهة المقدمة للخدمة قد يستغرق أقل من نصف ثانية، وفق آلية عمل النظام التي عرضها.
وأضاف أن الأموال تصبح متاحة للجامعة لاستخدامها بصورة طبيعية بعد إتمام عملية الدفع، بينما يحتفظ النظام بسجل يوضح وجهة المساعدة والغرض الذي صُرفت من أجله.
مساعدات مالية دون الحاجة إلى حساب بنكي
وأكد السلقان أن إحدى أبرز مزايا «إمباكتومني» تتمثل في إمكانية استفادة الأشخاص الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية من المساعدات المالية، وهي مشكلة تواجه فئات واسعة في مناطق الأزمات والنزاعات.
وأوضح أن المستفيد يحتاج، وفق نموذج عمل المنصة، إلى محفظة رقمية عبر التطبيق لاستقبال المساعدة واستخدامها لدى الجهات المعتمدة، بدلًا من الاعتماد على التحويلات المصرفية التقليدية.
وأشار إلى أن هذه الآلية قد تكون مفيدة في مناطق تعاني تعطل الخدمات البنكية أو صعوبة الوصول إليها، مستشهدًا بقطاع غزة والسودان وسوريا.
وبيّن أن تطبيقات المنصة لا تقتصر على دفع الأقساط الجامعية، بل تشمل المساعدات الغذائية والعلاجية وشراء الأجهزة الطبية والكراسي المتحركة وغيرها من الاحتياجات الإنسانية.
ولفت إلى أن المتبرع يستطيع تحديد نوع المساعدة والجهة المستفيدة منها، فضلًا عن النطاق الجغرافي، بما يشمل الدولة أو المدينة التي يرغب في توجيه التبرع إليها.
وفي المقابل، تتيح المنصة، وفق السلقان، إمكانية تقديم مساعدات مالية غير مقيّدة بغرض معين، بحيث يستطيع المستفيد التصرف فيها لتلبية احتياجاته المختلفة.
تقنية البلوكتشين لتعزيز الشفافية وتتبع التبرعات
وتعتمد منصة «إمباكتومني» على تقنية سلسلة الكتل «البلوكتشين» (Blockchain)، التي تتيح تسجيل المعاملات المالية رقميًا، إلى جانب استخدام عقود ذكية لتنفيذ شروط الصرف المحددة مسبقًا.
وأوضح السلقان أن المتبرع يستطيع متابعة انتقال المساعدة إلى المستفيد، ومعرفة الجهة التي صُرفت لديها والغرض الذي استُخدمت من أجله.
ويرى أن هذه الآلية يمكن أن تساعد المؤسسات الإنسانية على تقليل الإجراءات الوسيطة وتسريع إيصال المساعدات، مع توفير سجلات رقمية تسهّل عمليات التدقيق والمتابعة.
وأشار إلى أن المنصة تستهدف الحد من الهدر المرتبط بالوسائل التقليدية لتوزيع المساعدات، معتبرًا أن ضعف كفاءة بعض حلقات الوساطة قد يؤدي إلى فقدان جزء من الموارد المخصصة للمستفيدين.
وتحدث السلقان عن تقديرات تشير إلى هدر يصل إلى 25% في بعض آليات توزيع المساعدات التقليدية، دون أن يقدم خلال المقابلة دراسة مستقلة توثق هذه النسبة.
ورغم المزايا التي عرضها، فإن تقييم فاعلية المنصة على نطاق واسع يتطلب بيانات تشغيلية مستقلة بشأن كلفة المعاملات، وسهولة الاستخدام، وحماية بيانات المستفيدين، وقدرتها على العمل في المناطق التي تعاني ضعف الاتصالات والخدمات المالية.
عرض الابتكار الفلسطيني في معرض AidEx 2026 بجنيف
وكشف السلقان أن شركة «يافا.نت» شاركت في معرض ومؤتمر المساعدات الإنسانية الدولي «AidEx 2026»، الذي استضافته مدينة جنيف السويسرية يومي 21 و22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وقال إن الشركة اختيرت ضمن أربع شركات متخصصة في التكنولوجيا المالية للمشاركة في جناح الابتكار، حيث عرضت تطبيقات «إمباكتومني» أمام مؤسسات إنسانية وجهات دولية مهتمة بتطوير آليات توزيع المساعدات.
وأوضح أن المشاركة أتاحت عرض النموذج الفلسطيني على مؤسسات تعمل في مجالات الإغاثة والمساعدات الدولية، وفتحت المجال أمام مناقشة فرص استخدام المنصة خارج فلسطين.
وتأتي هذه المشاركة بعد أكثر من عامين من العمل على تطوير حلول تقنية تستهدف تحسين إدارة الأموال المخصصة للأغراض الإنسانية، بحسب تصريحات السلقان المنشورة بشأن المشروع.
مباحثات مع جهات قطرية لتوسيع استخدام المنصة
وأشار السلقان إلى وجود مباحثات مع جهات قطرية معنية بالمساعدات الدولية بشأن إمكانية الاستفادة من «إمباكتومني» في توزيع الأموال على المستفيدين، لا سيما في الدول التي تواجه تحديات في القطاع المصرفي.
وقال إن العرض الذي قدمته الشركة أثار اهتمامًا بإمكانية استخدام المنصة للوصول إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون حسابات بنكية، أو يعيشون في مناطق لا تعمل فيها المؤسسات المصرفية بصورة منتظمة.
وأكد أن النقاشات تتناول فرص توظيف التقنية في برامج المساعدات العابرة للحدود، بما يتيح للجهات المانحة تحديد الأغراض المخصصة للأموال ومتابعة صرفها.
ولم يعلن السلقان خلال المقابلة توقيع اتفاق نهائي لاعتماد المنصة في برامج المساعدات الدولية، مشيرًا إلى أن المباحثات لا تزال مستمرة.
وكانت شركة «يافا.نت» قد أعلنت، عقب مشاركتها في معرض جنيف، إجراء لقاءات مع جهات من قطر والإمارات ومؤسسة «ستيلار» المتخصصة في تقنيات البلوكتشين، إلى جانب اهتمام أولي من شركات دولية ببحث فرص التعاون.
استخدام المنصة في توزيع الزكاة والصدقات
وتناول السلقان إمكانية توظيف المنصة في إدارة أموال الزكاة والصدقات، موضحًا أن المتبرعين يمكنهم توجيه مساعداتهم إلى مستفيدين خارج نطاقهم الجغرافي المعتاد، مع تحديد طبيعة الإنفاق المطلوب.
وأشار إلى أن هذه الخاصية قد تساعد المؤسسات الخيرية ولجان الزكاة على إدارة برامج الدعم بصورة أكثر تنظيمًا، خصوصًا عند التعامل مع أعداد كبيرة من المستفيدين أو العمل في أكثر من دولة.
وأوضح أن المتبرع يمكنه اختيار تقديم مساعدة مقيدة لغرض معين أو مساعدة مفتوحة، وفق طبيعة احتياجات الأسر المستهدفة.
وشدد على أهمية توفير وسائل أكثر كفاءة لإيصال الدعم المالي إلى الأسر المتضررة من الحروب والأزمات الاقتصادية، مؤكدًا أن التكنولوجيا يمكن أن تسهم في تحسين العمل الإنساني إذا جرى توظيفها بما يتناسب مع احتياجات المستفيدين.
ابتكار فلسطيني يستهدف الأسواق الدولية
وأكد السلقان أن تطوير «إمباكتومني» جرى بجهود تقنية فلسطينية، مشيرًا إلى أن المشروع يعكس قدرة الكفاءات المحلية على إنتاج حلول تكنولوجية قابلة للتطبيق في قطاعات مالية وإنسانية خارج السوق الفلسطينية.
وأوضح أن خطط التطوير تستهدف توسيع استخدام المنصة وبناء شراكات مع مؤسسات إغاثية وجهات مانحة، بما يسمح باختبار التقنية في بيئات مختلفة وتعزيز إمكانات انتشارها.
وتتمثل القيمة التي تسعى المنصة إلى تقديمها في ربط المساعدة المالية بغرض إنفاقها، وتوفير أدوات رقمية لمتابعة انتقالها من الجهة المانحة إلى المستفيد ثم إلى مقدم الخدمة، مع تقليل الاعتماد على الإجراءات التقليدية.
ومع اتساع الحاجة إلى المساعدات الإنسانية في فلسطين ومناطق النزاعات حول العالم، يطرح المشروع نموذجًا فلسطينيًا في مجال التكنولوجيا المالية، بينما تبقى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة مرتبطة بتجارب التطبيق الفعلي والشراكات المؤسسية ومدى استجابته لمتطلبات الشفافية وحماية المستفيدين.