هل استوعب العرب أنهم المستهدفون من كل حروب المنطقة؟

إبراهيم أبراش.jpg
إبراهيم أبراش

إبراهيم ابراش
منذ قيام الجمهورية الإسلامية أو ثورة الخميني 1979 وهي تعلن أن أمريكا هي الشيطان الأكبر، وتهدد بتدمير إسرائيل ونشر ثقافة ونهج الثورة الإسلامية في المنطقة. وتم الرد على هذا الخطاب بخطاب أمريكي وإسرائيلي يقول بأن إيران ومشروعها النووي والإسلام المتطرف هما الخطر الذي يهدد السلام في الشرق الأوسط والعالم، ويهدد دول الخليج العربي ووجود دولة إسرائيل.
ولكن ما جرى ويجري عملياً وتحت هذه المزاعم من الطرفين يدل على أن هذه الادعاءات إنما هي لإخفاء الهدف الحقيقي من السياسة الأمريكية والإسرائيلية وحتى الإيرانية؛ والهدف هو العرب كمشروع قومي ومساعٍ وحدوية وبما يملكون من ثروات وموقع إستراتيجي، وصراع على تقاسم النفوذ في المنطقة وخصوصا في دول الخليج الذي لم تعترف إيران يوما بأنه عربي، وتصفية القضية الفلسطينية، وإقامة شرق أوسط جديد منزوع الهوية العربية والإسلامية وتحت الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
تحت مزاعم خطر إيران ومشروعها النووي والإسلام المتطرف – لم يثبت أن ايران تملك سلاحا نوويا وحتى إن امتلكته فلن تستعمله ضد إسرائيل الدولة النووية كما أن الجماعات الإسلامية الجهادية من جماعة الإخوان المسلمين إلى القاعدة وداعش من صناعة الغرب- عززت واشنطن تواجدها العسكري في الشرق الأوسط وخصوصاً دول الخليج ونهبت ثرواته وفرضت عليه شراء صفقات أسلحة بمئات مليارات الدولار لم تؤمن له حتى الحماية من الإيرانيين والحوثيين، وأصبح الخطر والعدو الذي يهدد السلام والأمن في المنطقة ليس إسرائيل التي تحتل فلسطين وأراضي عربية أخرى وما زالت تهدد أخرى، بل إيران والإسلام المتطرف، أيضاً تحت هذا الخطاب المضلل للعداوة بين ايران وأمريكا وإسرائيل تمددت إيران في المنطقة وعززت المذهبية والصراعات الداخلية .
 وهكذا في الوقت الذي كانت دول المنطقة والعالم منشغلون بالصراع والحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، كانت تجري تحولات استراتيجية تمس العرب ووجودهم الثقافي والجغرافي وأمنهم القومي بدأ من تدمير العراق واحتلاله، ونشر فوضى (الربيع العربي) الذي زرع الفتنة والحرب الأهلية في أكثر من بلد عربي؛ من سوريا وليبيا واليمن ولبنان والسودان والأراضي الفلسطينية المحتلة، وقبلهما الصومال. كما تم إضعاف بل وتغييب مفاهيم العالم العربي والأمة العربية وحتى الثقافة العربية ورموزها من حركات وشخصيات ومراكز أبحاث قومية، وشُلَّت جامعة الدول العربية العنوان الوحيد المتبقي لوجود أمة عربية،وانتشرت الشعوبية والنزعات المذهبية والعرقية والعشائرية، وطبّعت دول عربية علاقاتها مع إسرائيل، وصولاً إلى الحرب الأخيرة بين إيران وأذرعها من جانب، وأمريكا وإسرائيل من جانب آخر، وهي حرب تضررت منها دول الخليج والعالم العربي والاقتصاد العالمي أكثر مما تضررت إسرائيل وأمريكا.
في المشهد السياسي الراهن في المنطقة، بقيت دولة إيران قائمة واحدة موحدة ولم تُحلّ مشكلة القدرات النووية المزعومة، بل وما زالت تتفاوض مع واشنطن وتهدد بالرد على أي عدوان عليها، وما زالت أذرعها تعمل في اليمن والعراق ولبنان. وبقيت إسرائيل قائمة بل وتوسعت، وبقيت الجماعات الإسلامية المتطرفة قائمة ولها تواجد في العراق وسوريا والأردن ودول أفريقية، وآخر عملياتها كانت قبل أيام في كنيسة في الكرك بالأردن. وفي المقابل لنرى ما جرى ويجري  فيما كان يسمى العالم العربي.
فقد ساهمت أنظمةٌ عربية بجيوشها في تدمير العراق عام  ردا على احتلاله للكويت 1991، وهو ما ساعد على احتلاله أمريكياً وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، ولم يستفد شعب العراق من ذلك، بل أصبح وضعه أسوأ مما كان. كما لم تستفد الأمة العربية من سقوط نظام صدام؛ حيث حلَّ النفوذان الأمريكي والإيراني محله وانهار النظام الإقليمي العربي.
وساعدت وموَّلت دولٌ عربية -خصوصا خليجية- جماعاتِ الإسلام السياسي وما سُمي (الربيع العربي) عام 2011، كما موَّلت وساعدت على إسقاط نظام الأسد في سوريا، ليس دفاعاً عن الديمقراطية وحرية الشعوب العربية، بل انصياعاً لدورٍ وظيفي لصالح واشنطن والغرب.
وطبَّعت دولٌ عربية علاقاتها مع إسرائيل انصياعاً لمطلب ترامب وتحت الشعار المضلل (السلام الإبراهيمي)، وفي تجاوزٍ للمبادرة العربية للسلام التي تنص على أن الاعتراف العربي بإسرائيل يكون بعد انسحابها من الأراضي العربية المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية، وكانت النتيجة مزيداً من الحرب والعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني ولبنان وسوريا، وتهديد دولٍ أخرى باحتلال أراضيها للوصول إلى دولة (إسرائيل الكبرى) كما عرضها نتنياهو علنا أمام الملأ.
هذه التبعية العمياء لأنظمةٍ عربية لواشنطن وتقرّبها من إسرائيل لم تؤدِّ فقط إلى إضعاف الرابطة القومية العربية، بل أيضاً إلى إضعاف وتفكك الرابطة والهوية الوطنية الجامعة داخل الدولة الوطنية أو القُطرية نفسها، فانتشرت انتماءاتٌ ونزعات ما قبل الدولة من قبلية وطائفية ومذهبية وعرقية، بحيث انتقلت من كونها تشكل ثقافة فرعية منسجمة مع الثقافة العربية إلى ثقافة مضادة ومعادية للعروبة والدولة الوطنية، إلى درجة تشكيك بعض المكونات الثقافية المذهبية والعرقية بالانتماء للعرب والعروبة ومطالبة بعضها بالانفصال وتكوين كيانات مستقلة، وهي نزعات تجد الدعم من إسرائيل وواشنطن، هذا بالإضافة إلى ما أصاب القضية الفلسطينية من تراجع بل ومحاولات تصفيتها نهائياً من العدو الصهيوني.
فهل استوعب العرب أنهم المستهدفون أمريكياً وإسرائيلياً وليس إيران، وأنهم المستهدفون إيرانياً وليس إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؟
[email protected]

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت