بيعو وتريح منو

بقلم: طلال الشريف


كنا نغيظ الجندي الإسرائيلي في الانتفاضة الشعبية الأولى بهتاف " بيعو وتريح منو" بعد أن هزمناه بالحجر، وبعد عقدين ونصف جاء من يطلع لنا لسانه ليقول لنا بيعوا الوطن وتريحوا منو بعد أن هزمنا في ذاتنا، ومزقنا إربا.

نتأمل صورة الوطن في عيني المواطن الفلسطيني على الأقل فيما نحن على تماس يومي في هذه المنطقة التي تسمى قطاع غزة، تُظهر شاشة العرض المواطن يخفي مرارة غامضة أكثر مما يظهره من علامات التعب والغرق في مشكلات لم تكن تشكل أولويات أيام كانت أمنياتنا أجمل وأحلامنا أكبر بوطن محرر من الاحتلال.

يوم كان الزهو والفخر، كان الثائر جميلا، وكان المناضل طيبا، وكان الشيخ الأبيض مجاهدا، وكان الشهيد مسكا، والجريح عطرا، والأسير كبرياءً، وكان الكاتب مبدعا، والمفكر عبقريا، والشاعر مرهفا، والعالم مثابرا، كانوا جميعا نبراسا يُهتدي بهم.

أيام كان الفلسطيني يمشي مزهوا بانتمائه لحزبه أو حركته قبل الانكشاف الكبير، أيام كنا مخمومين أن الحزب أو الحركة هي الحبل السري الذي يربطنا برحم فلسطين الحنون، نتغذي من خلاله الحياة والكرامة والثورة، وعندما انفصل هذا الحبل السري في لحظة سقوط الإخلاص، ودون اكتمال الزمن المانح للحياة، انفلت القادة الفلسطينيين المخلصين كذبا، ووقعوا في مدار آخر غير الذي يدور فيه الوطن ورحم فلسطين الحنون.

بعد الانكشاف، انكشف الجميع، فاكتشف الجميع دون دهشة، أن الوطن راتب ووظيفة ومزاحمة على المكاسب، وأن النفق والنفاق والخيانة والقتل والكسب غير المشروع نبراسا للانتصار الفردي رغم هزيمة الوطن، فهل كان فعلا لدينا قضية؟ وكيف أضعناها إذاً؟

اليوم بعد الانكشاف الكبير، نُسِي الشهيد، إلا من تجارة إعلامية بسيرته لزوم الحصول على تمويل لمن يدير مشروع الذكرى ودم الشهداء، وصار الجريح منفرا حين تردده على مؤسساتهم مطالبا بالحياة، وتحول الثائر الجميل للمشاريع الربحية بقوة سلحته واستقدام التاريخ الماضي ، وتحول المناضل الطيب جلادا لمن أراد تحريرهم من شعبه فسلخ جلد مناوئيه،وانكشف الشيخ الأبيض كذابا لما يفتيه، وزاد الأسير هماً، فاختفى عن الأنظار خوفا من الإحراج راضيا بما هو فيه.

اليوم لم يعد أحد يشتري القيم للمتاجرة بها فأرباحها ضئيلة جدا جدا بل تكاد تكون معدومة الربح في دين أهل هذا الذي يسمى قطاع غزة، لم يعد أحد يشتري الإخلاص، لوطن، أو، لأخ، ،أو، لصديق، أو حتى لعشيقة.

الإخلاص يعني تجميد سعرك، ويعني أنك لا تتحرك مع السوق عند ارتفاع الأسعار، وما أكثر ارتفاعها في بلدنا التي تبيع كل شيء، من الإبرة حتى الصاروخ، ومن شعر الرأس إلى أخمس القدم، فقطاعنا ممر تدوس عليه حملة الخزائن منذ غابر التاريخ، وما أكثرهم في هذا العصر وهذا القطاع .

في بلد تتحول فيه التضاريس إلى تعاريص، فالإخلاص للوطن يجلب لك الخسائر الفادحة، وتصبح الخاسر الأول الذي يشار إليه بالبنان من المعرصين، وبأنك غبي، وساذج، فالتجارة مساترة أرخصها في ظل الهزيمة، تجارة الدم والأعراض، والبيع فرصة، إن لم تقتنصها تعش أبد الدهر بين الحفر، تنقب بين رمل الوطن عن سحتوت لم يعد له قيمة في التاريخ، وتجلب لعائلتك الضيق، وشظف العيش، بل لا تؤسس لهم مستقبلا، فالإخلاص للوطن لا ينتج مالا، ولا عقارا، ولا يضمن مستقبل لمن أنتجتهم من أبناء وأحفاد الوطن.

عندما تصبح الشقة تحتاج من الشاب 50 سنة عمل لو وجد هذا العمل، فهذه دعوة للدعارة والإدمان وبيع الوطن بأبنائه إلى الشيطان والجريمة وبيع كل شيء.

المنظر قبيح قبح الحكام المجرمين الذين ذبحوا الوطن من الوريد إلى الوريد، المنظر أقبح من قبيح وهذه الأحزاب التحررية تتاجر بالوطن والمواطن بمشاريع الكسب وتجارة العبودية في القرن الواحد والعشرين، المنظر أصبح أقبح من قبيح حين يتلاعبون بالكلمات وآلاف آلاف خريجي مستقبل الوطن يتضورون بلا زواج وبلا وطن وبلا وظيفة، يدفعونهم للجريمة والإدمان والضياع، كما أراد الصهاينة بالضبط، لذبح المستقبل الفلسطيني، بمجموعة من الحكام المعاتيه، المطبقين على رقاب الشعب، ينهشونه كالفريسة في وضح النهار، ويرقصون على خرابه، بعصابات مسلحة دون أن تهتز لهم قصبة.

في وطن أصبح البؤس الثقافي ظاهرة جماعية، وأصبح الكذب والنفاق ظاهرة جماعية، أصبحت الحياة وهمومها المؤجلة ظاهرة جماعية، أصبح اليأس من إصلاح النظام ظاهرة جماعية، أصبح هم الحياة يتقدم على كل شيء، وتراجع كل شيء جميل ، تراجعت الثورة، وتراجع الوطن، وتراجع الحب، وتراجع الأمل وتراجع الحلم.

كل التراجعات كانت بسبب تراجع الإخلاص، لقد ذبحوا وباعوا كل شيء، فهل من كفار جدد يخلصون لهذا الوطن بعد أن ذبحه المؤمنون والمجرمون، هل من مبايعة للإخلاص للوطن من جديد، ولمن يعيدون الجمال والحلم من أنياب الثعالب الضارية، ويمنعون دعارة الاحتياج، وإدمان الكارثة، فالانهيار وصل حد القهقهة، فيا من ضُيّعَ أبناؤهم ويباع وطنهم اتحدوا وثوروا، ولا تبيعوا.

15/7/2012م

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت