الثقافة.. والغزو الثقافي : د. لطفي زغلول

بقلم: د.لطفي زغلول

في أسبوع الثقافة الوطنية
الثقافة.. والغـزو الثقافي

بداية نود ان نطرح تصورنا لمفهومي الثقافة والغزو الثقافي.فالثقافة بموروثها ومعاصرها وما يمكن ان ينضوي تحت كنفها من إبداعات شتى في كافة المجالات مضافا إليها منظومة التقاليد والعادات والمثل العليا والقيم والنظم الحياتية والقوانين والسلوكات باعتبارها مجتمعة تشكل المكونات الرئيسة لأية ثقافة تمثل جماعة إنسانية.
إن الثقافة لا تقف عند حدود هذا التصور التحليلي لعناصرها،وإنما تتعداها إلى التفاعلات المستمرة لهذه العناصر،وما يمكن أن تفرزه من قيم خاصة بانتماء الإنسان إلى جماعته الإنسانية،واعتزازه بها كونها تمنحه التميز والتفرد على الخارطة الديموغرافية الإنسانية،وتبرز معالم شخصيته العامة،وتجسد هويته الإنسانية والسياسية،وتقوم بتفعيل مستمر لعواطفه وأحاسيسه في إطار عقلاني يدفع الفرد والجماعة في آن واحد للتضحية كل في سبيل الآخروالعمل المشترك لمصلحة بعضهما.
ثمة حقائق تخص الثقافات الإنسانية منذ بدء تكوينها حتى الآن.وتبرز الحقيقة الأولى في أن انفتاح الثقافات على بعضها هو الأساس،وهو العنصر الذي أمدها بقوة الديمومة والإستمرارية والتفاعل والتطوير،في حين أن الإنغلاق هو بمثابة التحجر وفقدانها لأهم صفاتها وهي الإنسانية وبالتالي اندثاره.
الحقيقة الثانية تتمثل في أن الجماعات الإنسانية على مدى العصور ناضلت من أجل الحفاظ على ثقافاتها المحلية وعدم ذوبانها في ذات الآخر، وهذا لا يعني أن هذه الثقافات لم تأخذ من بعضها،ولكنها بأية حال من الأحوال لا يمكن استبدالها. ثالثة هذه الحقائق أن الحضارة الإنسانية بعامة والثقافة بخاصة وهي الجانب غير المادي من الحضارة هما نتاج الإنسانية مجتمعة،ولا يجوز أن تنسب إلى جماعات إنسانية دون أخرى فكل جماعة إنسانية مهما كان حجمها وعطاؤها ساهمت في مجال بقدر ما في هذا الصرح الإنساني.
ليس ثمة داع هنا إلى التفصيل الذي قد يطول ولا يقف عند حد والأمثلة على ذلك كثيرة في كتب التاريخ. رابعة هذه الحقائق وقد لا تكون الأخيرة هنا يمكن أن نصفها بأنها الأخطر في تاريخ الثقافات،ذلك ان هناك صراعا ثقافيا دائما يقف جنبا إلى جنب مع الأشكال الأخرى من الصراع بين الشعوب والحضارات في ما بينها.
إن الشعوب الأقوى والمنتصرة كانت تسعى على الدوام إلى المساس بثقافات الشعوب المهزومة،إضافة إلى أنها كانت تفرض لغاتها وكثيرا من عاداتها وتقاليدها بقوة السلاح،في الوقت الذي كانت تحارب فيه لغات الشعوب المهزومة وتقاليدها وعاداتها ومعتقداتها الأخرى .وهذا بطبيعة الحال يشكل أساس الغزو الثقافي الذي سنتحدث عنه لاحقا.ونضرب هنا مثالا وليس على سبيل الحصر المغرب العربي إبان فترة الإستعمار الفرنسي.
في ما يخص الأمة العربية ثمة حقائق أيضا لا تقبل الشك في أن لها ثقافة خاصة مميزة تشكلت عبر التاريخ الطويل لهذه الأمة من عناصر أساسية عقائدية مستمدة من الديانة الإسلامية وعناصر أخرى عربية المنتمى، إضافة إلى عناصر مستقاة من ثقافات الشعوب سواء تلك التي فتح المسلمون بلادها ودخلت الإسلام، أو تلك التي كانت تجاور الحدود الإسلامية.
على أية حال فقد خرجت للناس ثقافة عربية إسلامية شاملة توازن ما بين الأسس الروحية والمادية منحت أتباعها تميزا وتفردا وشخصية وهوية شاملة. وعلى خلفية الإبداعات في شتى المجالات تجسدت صفات ومزايا وخصائص عربية قامت على الإعتداد بالنفس والإعتزاز بالكرامة والحمية واحترام الذات وعشق الحرية، والحرص الشديد على تبؤ أرقى مكانة مرموقة بين الجماعات الإنسانية الأخرى.
في أسبوع الثقافة الوطنية، نتناول في هذا الصدد التراث الفلسطيني باعتباره واحدا من مكونات الثقافة بصورة عامة. تعرض التراث الفلسطيني وما زال إلى موجة من السرقات والإنتحالات، فهو والحال هذه شأنه شأن الأرض التي نشأ عليها، واغتصبها الذين اغتصبوها، وادعوا أن كنوز تراثها هي من إبداعاتهم وعطاءاتهم، والتراث الفلسطيني منهم براء، ذلك أن له أصحابه الشرعيين الذين ينتسبون له، وهم لا يجهلونه ولا يتجاهلونه، إلا أن ظروفهم كانت قاسية ومريرة لا تطاق ولا تحتمل جراء هجرتهم القسرية، واقتلاعهم من على أرضهم الشرعية.
ثمة حقائق نود أن نستهل بها حديثنا عن التراث الفلسطيني في غمرة الإحتفاء به سنويا، وإيلائه مزيدا من الرعاية والإهتمام، وفي الأيام التي يحتفل به. إن التراث الفلسطيني ليس اكتشافا حديثا ولا هو مجرد صرعة عصرية نقلد بها الآخرين، ولا أي شيء من هذا وذاك سوى أنه أرشيف حياة عاشها الأجداد والآباء على هذه الأرض التي نفحوها أقصى ما لديهم من طاقات عمل وتفكير وإبـداع . فاستحقوا هم وأحفادهم من بعدهم الحياة على ترابها.
إن التراث الفلسطيني شأنه شأن كثير من القضايا الثقافية يحتل مساحة مرموقة من الذاكرة الفلسطينية، وهي بكل تأكيد لم تلتف عليه في مجمل المسيرة النضالية، بل إنه شكل لدى ورثته دافعا إنسانيا استقر في اللاشعور، وهم يغذون الخطى على طريق عودة ظهورهم على خارطة الوجود والإبداع الإنسانيين، باعتباره مكونا أساسيا من مكونات الثقافة الوطنية الفلسطينية.
إذا كان هناك من مبرر سابق لعدم إيلاء التراث الفلسطيني درجة من الأولوية يستحقها، أو إنزاله المكان اللائق به، فلكون الشعب الفلسطيني عبر مساحة عريضة من الزمن كان يخوض غمار نضالات أخرى تحت ظلال أحزانه وتوابع هزة نكبته الرئيسة عام 1948، مضافا إليها بيئات المنافي شبه القاتلة التي فرضت عليه، ومع ذلك فها هو شيئا فشيئا يصحو من نكبته على كل مقومات حياته ووجوده ومن أولاها تراثه الذي هو ثقافته.
تعود أهمية التراث الفلسطيني من أنه الوثيقة الدامغة التي لا تقبل الشك بها، والتي تثبت حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه بعد أن استولى الغاصبون على معظم هذه الأرض، ودمروا ما عليها من قرى وبلدات كانت تحمل أسماء فلسطينية عربية، وبنفس الوقت كانت مسرحا متواصل العطاء متوارثا لفعاليات إنسانية مارسها الأجداد والآباء عبر عصور وقرون من الزمان شكلت وجوده الإنساني وتميزه على مساحة من الجغرافيا العالمية إسمها فلسطين.
يوم حلت النكبة وهجر هذا الشعب قسرا، وكان التهجير، حمل الشعب الفلسطيني معه منظومة عاداته وتقاليده، أفراحه وأتراحه، قيمه ومثله، أساليب تعامله وتكيفه وردوده على تحديات البيئة إلى منافيه في الشتات الواسع، متعدد المناخات الثقافية والحضارية والآيديولوجية. صحيح أن التراث الفلسطيني لم يتعرض كله للإقتلاع من أرضه وبيئتيه الطبيعية والثقافية، ذلك أن جزءا آخر من الشعب الفلسطيني ظل مرابطا على ما تبقى من الأرض ومحتفظا بمخزونه من هذا التراث، وهذه الثقافة الوطنية.
إلا أن تراث الشعوب النامية بعامة، والتراث الفلسطيني وهو المقصود هنا قد تعرض في النصف الثاني من القرن العشرين إلى كثير من المتغيرات على خلفية التطورات التقنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، وموجات العولمة الثقافية باعتبارها ثقافة الشعوب الأقوى والأغنى والحائزة على التقنية المتطورة - ولسنا هنا بصدد الحديث عنها إلا في ما يخص التراث الفلسطيني، والثقافة الفلسطينية - إلا أنها بمجملها تدفعنا وتحثنا على أن نعيد حساباتنا مع التراث بهدف الحفاظ عليه من غائلة الذوبان أو التلاشي أو الهجر أو التنكر له أو الإهمال أو التفريط به.
إن النكبة التي فرضت على الشعب الفلسطيني تجاوزت الأرض واستهدفت الإنسان بهدف تجريده من تراثه الذي كان ولا يزال أحد مقومات وجوده الإنساني وهويته الإنتمائية إلى المكان المتمثل" بالارض الوطن" ،والزمان المتمثل بالتاريخ. في ما يخص التراث تعرض بشتى الوسائل والأساليب القهرية إلى حالات من الطمس والتعتيم عليه كونه مرتبطا بالأرض والوطن والدار والهوية ارتباطا وثيقا، ومن ناحية أخرى تعرض إلى الإستلاب والإنتحال من قبل الغاصب الذي نسب كثيرا منه إلى إبداعاته وتفكيره.
ثمة دوافع أخرى تخص المنافي والشتات التي يتواجد فيها الشعب الفلسطيني. إن الاجيال الفلسطينية الناشئة تعايش، أو أنها تفرض عليها ثقافات غير فلسطينية أو عربية، الأمر الذي يهدد بانقطاع الصلة والتواصل مع الوطن الأم بتراثه وثقافته ومحدثاته. وإذا ما أضفنا إلى كل ما أسلفنا عوامل تطور الحياة تطورا سريعا مثيرا شمل كاف النواحي التي عمل على تغييرها الأمر الذي دفع بالكثيرين للإلتفاف على التراث وعدم الوقوف عنده واعتباره شيئا من مخلفات الماضي تجاوزته روح العصر والحضارة والتقنية.
في هذا الصدد نشير إلى أن شريحة إجتماعية ثقافية تطعمت بالثقافات الغربية قد تنامت في الوطن العربي، ناظرة إلى التراث ومجمل الثقافة الوطنية نظرة دونية ومحملة إياهما تبعات التخلف الحضاري والثقافي في فلسطين، وقد تعزز هذا التوجه في غمرة الهزائم السياسية والعسكرية والإقتصادية التي حصدتها السياسات العربية خلال نصف القرن الماضي والتي دفعت بالعديد من مثقفي هذه الشريحة إلى المطالبة بإعادة النظر في كل الموروثات العربية المسؤولة عن تكون التفكير والسلوك العربيين ومجمل ردود الأفعال إزاء التحديات المفروضة.
وبمعنى آخر ضرورة الإنفلات من قيود التراث والثقافة الموروثة. وهذا بحد ذاته دافع رئيس يحث على رفض هذه المقولات المغرضة التي تهدف إلى تغريب المجتمعات العربية وتجريدها من خصوصياتها وتميزها وثقافاتها ومجمل موروثاتها، ومنها بطبيعة الحال المجتمع الفلسطيني.
إن الحديث عن التراث ذو شجون، إلا أن أهم ما يكن الحديث عنه هو يقظة الإهتمام الحالية لدى شريحة فلسطينية تعتبر أن العمل على اكتشاف مكتنزاته والحفاظ عليها وإعادة نشرها جزء لا يتجزأ من النضال لتثبيت الهوية الوطنية، والحق في الأرض الوطن، وسلاحا للأجيال يضفي على شخصيتها الوطنية والثقافية أبعادا تعمق كل مجمل انتماءاتها للأرض والإنسان ولكل الإبداعات الأخرى.
وإذا كان لنا من رؤيا تخص التراث الفلسطيني الذي هو مكون أساسي من مكونات الثقافة الوطنية في هذه الأيام بالذات، فهي تبدأ بالباحثين الذين أخذوا على أنفسهم البحث عنه ودراسته واكتشاف العبر منه وتوثيقه، وبهذا الصدد لا ينبغي بأي شكل من الأشكال التركيز على الجوانب القطرية منه بل إبراز الجوانب المشتركة مع بقية التراثات العربية بهدف أن تكون عاملا وحدويا لا تفريقيا.
وبالتالي فإن مسؤوليات كل الجهات الثقافية تتعدى مجرد الإحتفاء به في يوم واحد إلى إيجاد مؤسسات راعية ومطورة له في طار كوادر علمية وفنية وميزانيات مخصصة. كما أن خطر مسؤولية تقع على المناهج التربوية في كل المراحل التعليمية، إذ لا بد ن تكون هناك مناهج للتراث الذي هو الثقافة الوطنية جنبا إلى جنب مع مناهج التاريخين الفلسطيني والعربي. وبهذا الصدد فإن دور الإعلام أساسي في إبراز التراث والثقافة الوطنية ونشرهما وحتى تسويقهما.
كلمة أخيرة، إن الصراع على التراث والتاريخ في منطقتنا لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض والماديات الأخرى بل هو جزء لا يتجزأ منها. إن التراث الفلسطيني الذي هو جزء لا يتجزأ من الثقافة الوطنية يستحق منا نحن أحفاد مبدعيه أن نحافظ عليه، وأن نعيد له بهاءه ورونقه على طريق التواصل الذي هو مدخل الإنتماء إلى الإنسان والأرض الوطن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت