شوهتموها بقولكم سلميّة

بقلم: خالد منصور


كنا اكثر من مائتي ناشط ضد الاحتلال والاستيطان، خرجنا بفعالية يوم 29/3/2013 نظمتها ودعت إليها اللجنة الشعبية لمقاومة الاستيطان في قرى شمال غرب نابلس، وتوجهنا سيرا على الأقدام من بلدة سبسطية نحو أراض تابعة للبلدة- تقع بمحاذاة مستوطنة ( شافي شومرون )- المقامة على أراضي بلدات سبسطية والناقورة ودير شرف، على بعد اقل من 5 كيلومترات غربي مدينة نابلس، حيث قام المستوطنون عمدا بترك مجاريهم تغمر الأراضي الفلسطينية وتتلفها، وكان شعار الفعالية ليرحل المستوطنون ولترحل معهم مجاريهم اللعينة.
سرنا بحماس شديد، نرفع الأعلام الفلسطينية واللافتات المكتوب عليها شعارات ترفض الاحتلال وكل إفرازاته، وتؤكد على مواصلة النضال وتعزيز المقاومة الشعبية حتى زوال الاحتلال، وعلت هتافات المتظاهرين وصدحت في سماء المنطقة .. وعلى مرأى منا كان جنود الاحتلال يقيمون حاجزا، وواضح أنهم قد استعدوا بقوة وبحشد كبير من جنودهم والياتهم .. لم يرهبنا رؤية الجنود ولم يثننا عن التقدم نحوهم، بل إن وجودهم أشعل نار الحماس لدى الشبان، وأصبحت خطوات تقدمهم أسرع .. وعند اقترابنا منهم أمرونا بالتوقف على بعد عشرة أمتار، لكننا لم نأبه لإنذاراتهم، وواصلنا التقدم إلى أن لامست صدورنا صدورهم واعتدتهم الحربية، وعندها تحدث قائد الوحدة الإسرائيلية باللغة العربية وقال : ( نحن نحب السلام ولا نمانع في تنظيم المسيرات السلمية، وها انتم أوصلتم رسالتكم فعودوا إلى بلداتكم ) .. فصرخنا جميعا بصوت عال بوجهه ( لن نتوقف هنا، ونحن جئنا لنصل إلى أرضنا التي أغرقتموها بمياه المجاري، وتخططون لمصادرتها وضمها لمستوطنتكم ) فقال : توقفوا هنا ولا تقتربوا من جدران المستوطنة وابتعدوا عن الجنود، وطالبنا بالمحافظة على سلمية الفعالية وكرر كلمة سلمية أكثر من مرة وبصورة ملفتة .. فصحنا بوجهه مرة أخرى : نحن نرفض وجودكم كليا على أرضنا ولن نتوقف مهما فعلتم .. وفعلا تدافعنا ودفعنا الجنود واخترقنا حاجزهم، وأكملنا مسيرتنا إلى أن وصلنا المكان الذي خططنا له بجوار المستوطنة، وكما توقعنا كان المكان محاصرا من كل الجهات بالجنود، حيث كانوا يقفون على المرتفعات وينتشرون بكثافة بين أشجار الزيتون .. وكان ميعاد صلاة الظهر ( صلاة الجمعة ) حيث أقام المتظاهرون الصلاة، وألقى الإمام خطبة الجمعة.. وفي نفس الوقت ظل العشرات من المتظاهرين واقفين بمواجهة الجنود .
ولأن لدي حساسية من رؤية الجنود أثناء الفعاليات الكفاحية فاشعر بالاستفزاز واهتاج غضبا، وجدت نفسي أتقدم نحو المكان الذي كان يقف فيه قائد القوة الإسرائيلي .. سمعته يتكلم عبر ميكرفون يدوي ويردد نفس الكلام عن السلام، ولكنه هذه المرة كان يحذرنا بقوله ( هذه تظاهرة غير شرعية وعليكم مغادرة المكان خلال نصف ساعة ) .. اقتربت منه أكثر وبشكل مستفز وبعصبية لم استطع ضبطها قلت له : ليست مظاهرتنا الغير شرعية .. إنما احتلالكم ومستوطنتكم ووجودكم كله هنا هو الغير شرعي .. ولن نغادر المكان حتى ولو أطلقتم النار علينا .. فتقدم ضابط إسرائيلي آخر كان يستمع لكلامي وتحدث بغضب وبحقد قائلا بالعبرية : معكم خمس دقائق لا نصف ساعة وعليكم المغادرة .. فرددت عليه لن نغادر وافعل ما تستطيع .. وعندها كانت الصلاة قد انتهت، فتقدمت جموع المتظاهرين نحو الجنود، وما هي إلا لحظات حتى غمرتنا سحب الغاز السام وغاز الفلفل، وأطلق الجنود وابلا من الرصاص المطاطي باتجاه الشبان، الذين ردوا على الجنود بإلقاء الحجارة عليهم، واستمرت المناوشات والكر والفر لأكثر من ساعتين .. سقط منا خلالها العديد من الجرحى بالرصاص المطاطي، واختنق العشرات بالغاز، وانهال الجنود على بعض الشبان بالهراوات واعتقلوهم.. ومع ذلك صمدنا في المكان حتى انهينا الفعالية وانسحبنا ونحن نتعاهد أن نعود مرة أخرى في الأسبوع القادم.
يومها اتضح لي ولكل المتظاهرين ما المقصود بالمقاومة السلمية، يومها ومع سماعي للضابط المحتل يردد كلمة سلمية كرهت لفظ السلمية لأبعد الحدود، فالسلمية تعني أن يجري التنسيق مع المحتل قبل القيام بأي نشاط، وان توضع الضوابط وترسم حدود التحرك، لتصبح الفعالية أشبه بفلم سينمائي متفق على كل شيء فيه، وحتى على تفاصيل السيناريو الخاص به ..
سالت نفسي كيف نسميها مقاومة إن لم يكن هناك احتكاك وتصادم مع المحتل ..؟؟ وهل هي مقاومة تلك المسماة سلمية والمنسق لها .. وهي التي يجري تفريغها من أي مضمون كفاحي تصادمي مع المحتل ..؟؟ وعاهدت نفسي أن أظل رفضا التنسيق لأي نشاط ضد المحتل .. وحتى لو شاركت فلن التزم بحدود التنسيق ..
فيا إخوتي المغرمين بلفظ السلمية .. قولوا عن تلك الفعاليات المنسق لها والموصوفة بالسلمية أي شيء .. لكن لا تقولوا عنها مقاومة.
مخيم الفارعة – 5/4/2013

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت