صعوبة لا بل استحالة تبادل الأراضي

بقلم: محمد علي الحلبي


ثوابت المنطق عماد الفكر السليم ، والابتعاد، أو التخلي عنها يؤدي إلى خلل وجودي ، وأحياناً الى دمار وكوارث لا تحتمل،وضوابطه يُسترشد بها أكثر في الأزمات والملمات , إلا أن السياسات العربية ومنذ أكثر من عدة عقود راحت تغرق في متاهات الأحلام والرؤى الخيالية مبتعدة عن العقلانية , فبتنا نعيش يومنا على أمل أن يكون غدنا كيومنا،ولكن عبثاً ففي كل صباح جديد مأساة جديدة تدفع بالإنسان العربي ليستمطر شآبيب الرحمة على ما مضى متمنياً توقف الأرض عن دورانها ليتوقف الزمن .
ليس في ذلك مبالغة فمرض جديد راحت عدواه تنتشر في عقول أصحاب القرار....إنه التعامل مع المستحيلات ، ومع كل حدث يستحيل على الاستواء ليبقى معوجا ً، وكان الطريق إلى ذلك هينا وسهلا حيث ألفه القادة،وتآلفوا معه ألا وهو تقديم التنازلات....تنازل إثر تنازل خاصة بالنسبة للقضية الأساسية - القضية الفلسطينية- وأوضاع أهل الحق تنتقل من سيء إلى أسوأ،والاستحالة تتجسد في ترك القضية حولا ًأو أكثر،ومن ثم العودة إلى حلول عبثية تحيط بها موانع ووقائع مادية عميقة الجذور .

مسيرة آلام العربي الفلسطيني تجددت وتدافعت بشدة منذ توقيع اتفاقية أوسلو في13أيلول1993،وكان مهندساها شمعون بيريز عن الجانب الإسرائيلي والرئيس محمود عباس عن الجانب الفلسطيني، يومها تَركت نصوصها المواضيع الهامة:القدس- اللاجئون-المستوطنات- الترتيبات الأمنية- الحدود- العلاقات والتعاون مع الجيران للمفاوضات،وبعد مرور ما يقارب20عاماً من التفاوض أحياناً والتوقف حيناً،في حمى التراخي بل التغاضي عن الثوابت الوطنية من قِبل المفاوض الفلسطيني يقابله تعنت وتشدد من الجانب الإسرائيلي فكان الحصاد من كل ذلك هشيماً يابساً لا حياة فيه في جميع جوانبه،وفي إطار المفاوضات العبثية راح مرض التنازلات المجانية تزداد أعراضه ، ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي أثير اقتراح تبادل الأراضي أثناء اتصالات غير رسمية تمت عبر فنوات غير رسمية،وفي مؤتمر كامب ديفيد في تموز عام2000ثبتت إدارة كلينتون فكرة التبادل،وعن ذلك يقول الباحث والمؤرخ الفلسطيني الدكتور سلمان أبو ستة:″إن عنوان تبادل الأراضي هو اسم قبيح لشرعنة المستوطنات والتوسعات في القدس،وألفاظ لخداع الشعب الفلسطيني″ وفي اجتماع للوفد الفلسطيني مع وزيرة الخارجية ليفني في حكومة أولمرت جرى تقديم خرائط حصرت عملية التبادل في ما نسبته2% فقط لكن السلطة لم تتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل حول هذه النسبة لأن الجانب الإسرائيلي طلب أن تكون بين6% إلى10%،إنما نتنياهو كان أوضح في عرضه المُقدم للسلطة فقد وعد بالتنازل عن400ألف دونما من أراضي النقب على طول الحدود المصرية محدداً الإمكانات التالية:
1- تبادل أراضي تحت السيادة الإسرائيلية بالقرب من جنبن في الضفة الغربية (منطقة المقيبلة).
2- منطقة المثلث والتي تضم بلدات عربية- أم الفحم - الطيبة- ووادي عاره حيث تُمثل تلك المناطق كثافة سكانية عربية , وذلك يخفف من خطر التزايد السكاني الذي بات يقلق العدو .
أما المناطق التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها:
1- المنطقة الأولى : المحيطة بالقدس وفيها 12 مستوطنة .
2- المنطقة الثانية : تبدأ بتكتل تحت السيادة الإسرائيلية على طول الخط الأخضر وتضم مستوطنات عدة.
3- المنطقة الثالثة : تشمل كل مستوطنات غور الأردن الشمالية إضافة إلى مستوطنات في الجنوب.
وفيما يتعلق بالسيطرة على غور الأردن قدّم اقتراحان:
1- تقسيم السيادة على الغور ما بين منطقة سيادة فلسطينية يتم احتفاظ إسرائيل بها بصورة مؤقتة عن طريق الاستئجار، ومنطقة سيادة إسرائيلية عبارة عن قطاع ضيق على طول نهر الأردن يخضع بصورة دائمة للسيادة الإسرائيلية.
2- سيادة كاملة فلسطينية على منطقة الغور مع ضمان احتفاظ إسرائيل بمحطات إنذار مبكر على نهر الأردن تخدم أغراضاً استراتيجية وأمنية إسرائيلية لكن الاتجاه العام كان الاحتفاظ بقطاع ضيق بعرض100-50م على طول النهر،وفي هذا القطاع تتمركز قواعد الجيش الإسرائيلي وبذا ينقطع التواصل المباشر بين الأردن والأراضي الفلسطينية.
وفيما يتعلق باللاجئين أكد تمسكه بضرورة حلّ مشكلتهم في حدود الدولة الفلسطينية،وفي أماكن وجودهم بعيداً عن حدود دولة إسرائيل،وتوطين باقي اللاجئين في أماكن سكناهم في الأردن،سوريا،لبنان،ودول اللجوء الأجنبية،وحول القدس فالحل برأيه يكون في ضمّ المستوطنات الخمس إلى القدس،ونقل القرى الفلسطينية إلى السيطرة الفلسطينية،ومنح الأحياء العربية حكماً ذاتياً باستثناء المسؤولية الأمنية الشاملة والعلاقات الخارجية،ويظل الحيّ اليهودي والحيّ ألأرمني تحت السيادة الإسرائيلية.

أما ما يتعلق بإدارة المواقع الدينية في القدس فتتولى هيئات مخصصة إدارتها بمعنى أن يتولى المسلمون برعاية أردنية إدارة شؤون المسجد الأقصى والوقف الإسلامي،ويتولى المسيحيون ا دارة مراكزهم برعاية أمريكية أوروبية،وتكون إسرائيل هي المسؤولة عن رعاية المواقع اليهودية،وأبدى موافقته على وجود ممر من مناطق السيادة الفلسطينية في القدس الشرقية إلى المسجد الأقصى.
وبينما تزداد الأوضاع قسوة نتيجة التمسك الإسرائيلي بمواقف تزداد صلابة على مرّ الزمان بالنسبة للحدود وطبيعة الدولة الجديدة، وحق العودة أجرى الرئيس محمود عباس حديثاً مع القناة الإسرائيلية الثانية ركز فيه على نقاط ثلاث:
1- الحدود، وبرأيه أن " فلسطين الآن هي ضمن حدود عام1967وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الوضع الآن وإلى الأبد...هذه فلسطين...إنني لاجئ أعيش في رام الله...لقد زرت صفد مرّة ومن حقي أن أراها لا أن أعيش بها، وبهذا أسقط حقه بالعودة ".
2- ″أنا آخر رئيس فلسطيني يريد المفاوضات″.
3- شدد على أنه مادام في السلطة فلن تكون هناك انتفاضة مسلحة ثالثة ضد إسرائيل، وتابع:لا نريد أن نستخدم القوة، ونريد استخدام السياسة، ونريد أن نستخدم المفاوضات، ونريد أن نستخدم المقاومة السلمية.
ونسي، وتناسى الحكمة القائلة (بأن الحق الذي لا تدعمه القوة لا قيمة له، والقوة بلا حق يدعمها آيلة للسقوط)....إنه منطق التاريخ في ثوابته التي مرّت على البشرية منذ وجدت.

في المقدمة تحدثنا عن التعامل المستحيل مع أحداث تستحيل على الاستواء لتبقى معوجة في ظل ظروف عربية وإقليمية ضعيفة إمكانات القوة فيها،وعلى العكس فالتناقضات الثانوية فيها تبعث على نزاعات بينية تزيد من ضعفها ضعفاً....لقد بات من الجلي أن نقاطاً عدة يصعب حلها عن طريق التفاوض وهي:
1- المستوطنات،وعن ذلك نشر موقع فلسطينيو 48 دراسة ذكر فيها أن المساحة التي تحتلها المستوطنات ازدادت خلال العقدين الأخيرين182% أي من69كم2 في عام1990إلى194,7كم2 في عام2012،ومعهد أبحاث (أريج) وفي تقرير له أن عدد القاطنين فيها ارتفع من240ألف مستوطن إلى أكثر من656ألفاً في العام2012أي بزيادة قدرها189%،وكما هي العادة فالدجل والكذب السمة المميزة للسياسة الإسرائيلية فرغم أن نتنياهو جمّد البناء في شهر كانون الأول من عام2009واستمر حتى نهاية2010لكن فعلياً تمّ بناء1819مبنى ، وعقب انتهاء خطة التجميد تمّ بناء11516وحدة استيطانية خلال عام2011أي بزيادة بنسبة433%وبنى14699وحدة خلال عام2012أي بنسبة زيادة554%،وهذا النمو يتجاوز ما أطلقه الإسرائيليون من مصطلح النمو الطبيعي،وسلطات الاحتلال أوجدت نوعاً من التواصل الجغرافي بين البؤر الاستيطانية الأخرى والمستوطنات الأم مما ساهم في الاستيلاء على مزيد من الأراضي،وللزيادة في المعرفة فمساحة الضفة الغربية5844كم2 احتلت المستوطنات مساحة قدرها194,7كم2 وبذلك قاربت النسبة من10%ومازال التوسع مستمراً.
2- القدس...أحاط الجدار العازل بالقدس الشرقية لفصلها عن باقي مناطق الضفة،ومنذ عام1967واحتلالها بتاريخ28/6/1967عملت إسرائيل على مصادرة الأراضي لإقامة الأحياء اليهودية فأنشأت الحيّ اليهودي،وصادرت40%من مساحة القدس العربية،وأقامت على أرضها15مستوطنة تحيط بالمدينة المقدسة كحزام أمني من جميع الجهات إضافة إلى إقامة أحزمة مشابهة حول بيت لحم،الخليل،محافظة رام الله،وقلقيلية.
3- الجدار الفاصل والذي بُدئ به في حزيران عام2002حيث85%من مساره يمر في أراضي الضفة الغربية, وليس على طول الخط الأخضر الفاصل بين الضفة وإسرائيل، ويبلغ طوله709كم وهو طول يزيد عن ضعف طول الخط الأخضر.
4- منطقة الأغوار....غور الأردن سهل خصيب مساحته400كم2 ويوجد فيه البحر الميت،وعدد سكانه47ألف فلسطيني يعيشون في عشرين بلدة ثابتة،ومنذ عام2005فإسرائيل لا ترى فيه وحدة جغرافية واحدة مع باقي مناطق الضفة الغربية،ونجم عن ذلك أن الفلسطينيين الذين يسكنون خارج الأغوار ويمتلكون أراضٍ زراعية في مجالها جرى فصلهم عن أراضيهم،وفقدوا رزقهم كما أن سكان القرى الواقعة شمالي أريحا منعوا من استضافتهم لأقاربهم وأصدقائهم الذين يعيشون خارج الأغوار وفي أريحا، وأهمية هذه المنطقة إضافة إلى أنها تشكل حدود فلسطين مع الأردن فهي من المناطق المتميزة لوفرة مواردها المائية، ورغم الوفرة المائية وللتمادي في جرائم الاحتلال فالدراسات تشير إلى أن فلسطينيها الــ47ألفاً يستهلكون ما معدله27مليون م مكعب من الماء سنوياً بينما الــ8200مستوطن يستهلكون41مليون م مكعب،وعلى الجانب المحور الشرقي لغور الأردن توجد27مستوطنة تبدأ من الشمال حتى منطقة طوباس في منطقة بيت لحم يعيش فيها7500مستوطن.

واقع مأساوي ران على الأراضي الفلسطينية،ومرض التنازل تعمقت جذوره في كيان القادة ولم يعودوا يبصرون من حل إلا التفاوض،وقد مضى عقدان زمنيان على ″مسلسل″ أوسلو،والنتائج لا تراوح محلها،بل تسير إلى الأسوأ،ومؤخراً انتقلت عدوى المرض إلى لجنة المبادرة العربية فاقتدت بمنهج السلطة،وقبلت مبدأ تبادل الأراضي أثناء اجتماعها مع وزير الخارجية الأمريكي (جون كيري) وبذا أدخل وزراؤها تعديلا على المبادرة العربية،وليس لهم الحق في تعديلها فالمبادرة العربية التي اعتبرت خطة السلام الأساسية في عام2002 تم إقرارها في مؤتمر القمة العربية في بيروت، ولم يطل الرد على تلك الخطوة فجاء جواب نتنياهو معتبرا الخلاف متعلقا بيهودية الدولة , أُعلن فورا وبعد حديثه عن إقامة أكثر من200 وحدة استيطانية جديدة , والسؤال الكبير المهم الذي لابد من طرحه ؟000
هل غفل الوزراء عن المستحيلات التي ذكرنا صعوبة حلها في الحدود وحق العودة.....؟!.....وهل تاهت وضاعت معرفتهم بالواقع القائم حالياً حيث حولت السلطة بقدرة غير مألوفة التكتيك العملي الى استراتيجية تتشبث بها بدل البحت في إطار الجامعة العربية عن خطة أساسية ملزمة للجميع ووضع البرامج والخطط التنفيذية لها لإعادة الحقوق الفلسطينية كاملة , في إطار عملي و موضوعي قابل للتطبيق في طل مرتسمات الواقع القائم لأطراف الصراع .
الطرف الأول:العربي
الفلسطينيون أدمن قادتهم على تقديم العطاءات والمنح المنحة تلو الأخرى سيما وأن السلطة تعيش على المعونات التي يهدد بها مانحوها ويستغلونها أداة ضغط حال عصيان الأوامر،والمصالحة بين طرفي النزاع في غزة والضفة تراوح مكانها،وكان الأجدر إيجاد الحل لوحدة الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
الأقطار العربية:مع تنحيتنا جانباً الخلافات الهامشية التي تقوم بين أقطاره من حين لآخر إنما المصائب التي ورّثتها الأنظمة الشمولية لشعبها راحت تتفاعل عواملها فشغلت ابناء القطر الواحد في البحث عن ما يؤمن استقراره وتطوير أوضاعه.
الطرف الآخر:الإسرائيلي
يمتلك عناصر القوة، طارحاً حلولاً غير مقبولة ليستمر في مناوراته كسباً للوقت لتحقيق استراتيجيته القديمة الجديدة،والجانب الأمريكي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل وكما هو معلن يدعي الحياد،وفي ذلك كل التضليل فالرؤساء جميعهم منذ الإعلان عن قيام الدولة الإسرائيلية واعتراف الرئيس ترومان بها استمروا في نهجهم،ولم يخرج أحد منهم عنه لاعتبارات استراتيجية , ولكسب اصوات اللوبي اليهودي، فالسياسة الأمريكية أدت الى إفشال مسار التسوية من خلال مجلس الأمن ودعمها المطلق لإسرائيل على الأرض لتقطيع الضفة الى كنتونات, والرئيس الحالي أوباما لم ولن يشذ عن ذلك فقد أكد على يهودية الدولة،ولذا فهو يعارض حق العودة،ويتجنب الحديث من مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أقر في مؤتمر مدريد،وكان سابقا أقر بوجوب عدم تقسيم القدس في كلمة له أمام منظمة (الإيباك) لكن مصادره فسرت ذلك أن لا تكون القدس مقسمة بجدار عازل.

هذا فيض من غيض لو أردنا التعمق أكثر،إذاً فلا مجال للحل ضمن هذه المعادلات غير المتقاربة،بل هي متباعدة في المضمون والسياسات المتبعة لتنفيذها ، والحل يكمن في رأينا في العودة لوضع استراتيجية كفاحية تعتمد كل أساليب النضال بما فيها النضال المسلح , والعمل لتطبيق المبادرة العربية مرحلياً،ومن ثم الانطلاق مستقبلا لإعادة الحقوق كاملة لأصحابها فالتناقضات الرئيسية لا يمكن أن تتعايش مع بعضها مهما حاول البعض التلطيف من حدتها....إنها أعمدة الفكر الوطني السليم.

محمد علي الحلبي
دمشق: 20 - 5 - 2013

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت