مصر تشتعل وإسرائيل تتوهج !

بقلم: عادل محمد عايش الأسطل


لعل الأحداث المؤلمة التي تشهدها الساحة المصرية، هي آخر ما كنا نتصوره أو حتى نذكره ولو على شكل الافتراض، فعبر التاريخ المصري منذ القِدم وحتى الآن، لم تسجل في مصر ولم يعهد شعبها حالة هي غاية في الألم كهذه التي نراها شاخصةً أمام أعيننا. التي ولا شك حاكتها القوى المناهضة لمصر وشعبها وساءها الوضع الجديد. ونقصد المخططات الأمريكية الناجحة والمهارات الإسرائيلية الموفقة ضد مصر والأمة المصرية، باعتبارها هي التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.

مصر ولا شك كانت ولا زالت مرتعاً خصباً للولايات المتحدة، وملعباً مختاراً لإسرائيل منذ زمنٍ طويل، فخلال عهد حكم نظام "حسني مبارك" لمصر والذي تجاوز ثلاثة عقود متتالية، لم تنقطع للحظة النشاطات الأمريكية والإسرائيلية عن تكبيل مصر وتوريطها في علاقاتها المختلفة، ومن ناحية أخرى العبث بجملة شؤونها الداخلية، بالرغم من حالة السلام التي كانت تسود فيما بينها منذ العام 1977، وذلك لتحقيق أمرين مهمين، الأول، تكريس روح السلام وتثبيت بنوده بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وثانياً، العمل المنهجي على تخريب الدولة المصرية ومؤسساتها إلى الدرجة التي لا يمكنها من أن تقوم بأي دورٍ فاعلٍ في المنظومة الدولية والعربية أو أن تقوم بدورها اتجاه شعبها على الأقل بمعزل عن الولايات المتحدة وإسرائيل.

لقد كانت كل مؤسسات الدولة المصرية مرتبطةً بالكامل في الأجندات الأمريكية والإسرائيلية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بدرجةٍ أهم، وقد رأينا بأم أعيننا كافة السياسات المصرية الموجهة أمريكياً في القضايا المهمة وأيضاً الاقتصادية وما يتعلق بمجموع التبادلات التجارية، إلى جانب العسكرية من حيث اتباع السياسات العسكرية الأمريكية وعمليات الإمداد والتسليح وغيرها.

طوال فترة نظام "مبارك"، لم نلحظ ولا غيرنا أيّة مناكفات أو مجرد رؤىً مختلفة يمكن ذكرها ويمكن أن تؤثر على العلاقات السلسة جداً فيما بينهما، بل كانت مصر بالنسبة للولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الأكبر في المنطقة الشرق أوسطية، والذراع الأيمن لدى إسرائيل العسكرية وأجهزتها الأمنية المختلفة. إلى جانب وصف النظام بالبوليسي وأنه لا تعاون أو انسجام بينه وبين الشعب ولا ثقة متبادلة مع المعارضة ومن ناحية أخرى كان متهماً بالعمالة وأنه موجود فقط لنهب الشعب المصري ولتنفيذ أجندة خارجية.

تفاجأت الولايات المتحدة أيما مفاجأة، وفقدت إسرائيل أنفاسها، حين ثار الشعب المصري وأسقط النظام، حيث لم تتوقعا أن تصل الأمور إلى تلك الدرجة وبتلك السرعة حتى بدت الأمور وكأن كل المصالح الأمريكية والمهمات الإسرائيلية قد فرّت من ثوانيها، ولم يعد هناك مصر التي تعودتا عليها طوال جيلين على الأقل.

في تلك الأثناء كان هناك عدة مواقف أمريكية مختلفة وهذا ما يعني أن هناك أجنحة للسان الأمريكي تتحرك في اتجاهات، كانت تلجلج بها الولايات المتحدة، فمن ناحية تريد مشاهدة الديمقراطية في مصر ومن ناحية أخرى تخشى صعود الإسلاميين والإخوان، ومن ناحية ثالثة تريد رؤية حاكم واحد بصوت واحد على هواها وكما رغبتها، وليس كما حدث في الانتخابات الفلسطينية التي أفرزت حركة حماس كقوة مخالفة. وهي الآن تعلن بالالتزام مع مصر من خلال عملية المصالح ولا ترتبط بأشخاص بعينهم، حيث أشار الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" إلى أن "مرسى" تم اختياره بصورة ديمقراطية، وشدد في نفس الوقت على أن الديمقراطية ليست انتخابات فقط، بل الاجتماع مع المعارضة والأقليات.

إسرائيل راقبت الأحداث بقلق شديد حيث خرق التلفزيون الإسرائيلي حرمة السبت لإذاعة التحاليل والتقارير الإخبارية والتطورات والتداعيات المنتظرة في مصر وتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتانياهو" ثلاث مرات في شأن الأحداث المصرية خلال يومين فقط، وأعرب في كل مرة عن قلق إسرائيل البالغ وشدد على أن ما يهم إسرائيل هو استمرار معاهدة السلام. ووصفت حكومته الأحداث بأنها كارثة رهيبة على إسرائيل لإمكانية وصول الإسلام الراديكالي، لأنه في نظرها سيحكم في الشرق الأوسط، وتوجهوا باللوم للولايات الأمريكية لموقفها الداعي إلى انتهاج الديموقراطية في مصر. ولكن الإسرائيليين يعرفون من أين تؤكل الكتف.

الكل يعلم يقيناً، أن الحاصل الآن في الديار المصرية من أحداث مأساوية، ليس مكتوب في الرسالات السماوية ولا المذاهب المختلفة والكل يعرف أنه مكتوب فعلاً في الأجندات الأجنبة والمعادية، وبرغم ذلك العلم وتلك المعرفة، فإن هناك من يقوم نيابةً عنها بترجمته على الأرض وهناك من يساعد في تلك الترجمة.

لقد أعلن الجنرال "عاموس يادلين" رئيس جهاز المخابرات العسكرية الصهيوني السابق (جهاز أمان) بأن المخابرات الإسرائيلية نجحت في اختراق الدولة المصرية وعاثت فيها فساداً، ونجحت في تصعيد التوترات الطائفية المذهبية والاجتماعية، يعجر أي نظام يأتي بعد "مبارك" في معالجة التداعيات المختلفة والانعكاسات المؤلمة التي ستعانيها مصر في المستقبل.

وكان يجب الوقوف عند النقطة التي تقول: أنه يلزم وفي هذه المرحلة بالذات، إثبات العروبة بمعانيها وقيمها، وأنه لا يجب أن نقتل بعضنا ليحيا الأعداء. ويتوجب أيضاً أن نأخذ بالدعوة التالية والصارخة التي يتفوّه بها الأعداء الإسرائيليين (دعهم يقتلون بعضهم) مأخذ الجد.

فهذه الدعوة من دون الدعوات السابقة، التي تهدف العرب والمسلمين، والتي نكاد نسمعها لأول مرة بهذه الصراحة المطلقة والعلنية الفجّة، تحمل في طيّاتها مفاهيم عنصرية ومدلولات قاتلة، بأن ليس هناك ما يدل على وجود أمة عربية إسلامية متحضرة، بل غابة همجية متوحشة، وهذه إذا ما أعملنا الفكر فيها، فهي في حد ذاتها لا تمثل سرّ بقاء إسرائيل حيّة فقط، بل تعني جثومها على الصدور العربية والإسلامية عموماً والسعي إلى كتم أنفاسها، ومن ثمّ العاقبة التي لا تُحمد بأي حال.

في الأصل، إن مصر هي البلد الأكبر والحامي لكل العالم العربي والداعم للعالم الإسلامي. والشعب المصري هو أقوى ما تملك مصر، وهو القادر على تغيير ما يُستقبل، لذلك فإنه يُعاب عليه أن ينجر إلى مسالك الفتن وإلى الرأي السوء، وهو يرى الأعداء يتربصون لمصر وشعبها كل مرصد. سيما وبعلم الكبير والصغير حيث نصّت عليه بروتوكولات حكماء صهيون، من زرع المكائد وبث الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، وسعيها حثيثاً إلى جرجرة الشعوب العربية والاسلامية إلى حالة الحروب المذهبية والطائفية والاقتصادية.

إن الأمم البائدة لم تفن بسبب الحروب خارج حدودها بقدر ما كانت تفتك بها صراعاتها فيما بينها، وإذا كان لا يُعلمنا التاريخ، ولا يوقظنا تخريب الأعداء فيما بيننا، فلا أحد منا جدير بالحياة الكريمة، حتى يتغير الحال وربما في أجيال قادمة.

إن استشراء الحالة المأساوية المصرية على هذه الشاكلة، ومن قِبل الأطراف، لن تكون كفيلة بخراب البيت المصري أو البيوت العربية ماضيها ومستقبلها فقط، وإنما سيكون لها الفعل الفاعل في مساعدة إسرائيل بشكل مباشر في استمرار قبضتها على الاراضي الفلسطينية، بل وتهويد القدس وبقية الاراضي الفلسطينية، ويثبت الدرجة العالية لتعمق الأيدي الإسرائيلية العابثة في المصير المصري وكل الدول العربية والإسلامية، وبالتالي يجعلها في قمة التوهج والازدهار، إن لم يرجع ممن يُسمون بالقادة والزعماء للعقل، فيما لو كان لديهم جزءاً من عقل.

خانيونس/فلسطين

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت