الأسير عصمت منصور يتذوق طعم الحرية ويقهر ظلام السجن والسجان

بقلم: وسام زغبر


استقبلت قرية دير جرير في رام الله أبنها الأسير عصمت منصور القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وأحد عمداء الأسرى الفلسطينيين بالفرحة والزغاريد بعد ان اعتقلته قوات الاحتلال الاسرائيلي في السادس والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول 1993 وكان شاباً يافعاً ابن سبعة عشر عاما، تنقل بين زنازين ومعتقلات الاحتلال وتعرض للتعذيب الشديد رغم صغر سنه إلا أن رباطة جأشه وصموده صنعت منه أسطورة وارادة صلبة في وجه سجانيه الذين أبوْ إلا أن يحاكموه 22 عاما لضلوعه في قتل المستوطن حاييم مزراحي قرب مستوطنة بيت ايل لتدمير معنوياته وهدر كرامته وعمره.
وقالت والدته الحاجة نعمة (62 عاماً)، أنها لم تستطع زيارة ابنها في الأعياد الماضية، 40 عيدا، طوال مدة سجنه التي استمرت عشرين عاما وأنه زارته في هذا العيد فقط للمرة الأولى، حيث كان العيد متزامنا مع ميعاد الزيارة وأن إدارة السجون الإسرائيلية سمحت لها فقط بالزيارة بدون والده، مضيفة أن الشعب الفلسطيني هو شعب من الجبارين ولا يستطيع أحد أن يقهره، متمنية من الله أن يسعد قلب كل أمهات الأسرى بالإفراج عن أبنائهم وتحرير من سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وأضافت الحاجة نعمة إنه كان يبلغ من العمر 17 عاما وقت اعتقاله وأنه حكم عليه بالسجن 22 عاما لاتهامه في قضية قتل أحد الجنود الإسرائيليين واعتقل في مكان وقوع الحدث وأنها ستسعى لتزويجه فور العودة إليها حتى يعيش حياته ويعوض ما حرم منه.
وقالت "اتمنى ان يعم السلام وتبيض السجون ويخرج كل الاسرى الى احضان أمهاتهم، ولكن الامل والصبر استطاع عصمت ومن معه الصمود داخل الاسر لان موعدهم مع الحرية آت لا محال، ولذلك ادعو جميع الامهات والاسرى الى الصبر وابقاء الامل ينير قلبوهم حتى تحين لحظة الافراج عن الاسرى."
فلم يستطع العدو الاسرائيلي في محاكمته للأسير عصمت منصور لفترة طويلة تمتد الى 22 عاما، كسر صموده وتحديه وتحويل حياة الأسير الى وحش بين الجدران، بل أن السجان اخطأ في ترتيب حساباته في ان الأسير داخل سجنه وزنزانته يتعلم معاني الانسانية ويتكيف مع سجنه ويرفض إذلال الاحتلال وجبروته ويصر على مشواره النضالي الذي أُسر من أجله وصولا الى تحقيق أماني شعبنا بالحرية والعودة والاستقلال.
كنت في مقال بتاريخ 26/10/2012 موسوم بـ" في ذكرى اعتقاله الـ20، الأسير عصمت منصور يقهر سجانيه"، إن الأسير عصمت منصور تعلم في مدرسة رفيق دربه عمر القاسم عميد الحركة الوطنية الأسيرة ومؤسسها "مانديلا فلسطين" الذي أعطى أمثلة للنضال والمقاومة في عملية معالوت ترشيحا وداخل المعتقل عندما أفرج عن رفاق دربه في قائمة الأسرى في صفقة التبادل عام 1985 ولم يفرج عنه، وأنتاب الاسير عصمت نفس الشعور في صفقة وفاء الأحرار عام 2011 عندما لم يجد اسمه في قائمة الأسرى المفرج عنهم، لأنه يدرك جيدا ان المناضلين لا ييأسون رغم أن رفاقه وأصدقاءه سيغادرون السجن الى الحرية.
عصمت منصور تسلم لقب عميد أسرى الجبهة الديمقراطية من رفيق دربه الأسير المحرر جمال أبو صالح الذي أفرج عنه في صفقة وفاء الأحرار بعد اعتقال دام 24 عاماً، ولكن حرية رفاق دربه جعلته يفتح جدار السجن بذاكرته وخياله وقلمه ليعود الى أمه وبيته وقريته دير جرير في رام الله ورفاقه، في جسر العبور الى الحرية التي يراها قاب قوسين أو ادنى ليحاكم الاحتلال ويدمر معتقلاته وزنازينه.
ففي ذكرى اعتقاله العشرين، دونَّ الاسير عصمت منصور القيادي في الجبهة الديمقراطية مذكرات اعتقاله ومحاكمته بتهمة المشاركة في عملية استشهادية ضد الاحتلال الاسرائيلي، والذي سجل أدق تفاصيل اعتقاله ومواجهته للسجان وغياهب السجون وزنازينه في كتابه "سجن السجن". حيث انه أمضى سنوات اعتقاله الطوال بمواصلة تحصيله العلمي والثقافي وبات من الرموز الأدبية والثقافية ليس على مستوى الحركة الأسيرة فحسب بل على مستوى الساحة الثقافية الفلسطينية بوجه عام، مما أغاظ وقهر ظلام السجن والسجان.
«سجن السجن» للأسير عصمت منصور هو محاكمة إنسانية لدولة الاحتلال ولكل السجانين الذي يغيبون العدالة ظانين انهم محميون بالقوة والغطرسة، واهداء الى رفاق دربه الأسرى المغيبين قسرا وظلما خلف القضبان بل يوقدون بغيابهم قناديل الأمل دون يأس أو ملل، ويطيّره الى الأسرى الأبطال الذين يواجهون الموت البطيء والتعذيب القاسي والاعتقال الإداري، الأسير إبراهيم أبو حجلة عضو المكب السياسي للجبهة الديمقراطية وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير، وأسرى الأمعاء الخاوية وفي مقدمتهم الأسير سامر العيساوي صاحب أطول إضراب مفتوح عن الطعام عرفته البشرية رفضا للإبعاد والاعتقال.
عصمت منصور يقول في روايته: هنا يسجنون السجين، يسجنون الظل، دون أن يدركوا أن هذا يحرره من أبشع أسر، لأن الاسير ينتصر في اللحظة التي يدرك فيها أن أحلامه وذاكرته غير مسجونة.
فالحرية كل الحرية لأي أسير يتم الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي وهنيئاً لهم لنضالهم الأسطوري ومعاركهم النضالية ضد سجانيهم. فالأسرى اليوم يتذوقون طعم الحرية ويقهرون سجانيهم وجلاديهم، رغم ان البعض يحاول نزع تلك الفرحة لحسابات فئوية ولا يعتبرونها انجازاً.
فالأسرى في سجون الاحتلال لهم مكانة سامية في ضمير الشعب الفلسطيني وتضحياته وقواه السياسية، ويملكون رسالة تضحية ونضال والذين عبروا عنها في وثيقة الوفاق الوطني "وثيقة الأسرى" التي حملت اسمهم تشريفا وتقديرا لدورهم الوطني، ولكنهم يواصلون مسيرتهم في قهر السجن والسجان ويدعون قوى الشعب الى الوحدة والتلاحم الوطني لأنهم يعون جيدا ان الانقسام والتجزئة في النضال والجغرافيا قد غيّب وأضر بمسيرة التضحية والمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي وأضعف من معنويات الأسرى في مواجهة سجانيهم.
• كاتب صحفي فلسطيني- قطاع غزة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت