مستشفيات خاصة بغزة.. "مسالخ" تُخرج جثثاً ومشوهين

بدأت منذ شهور طويلة المواطنة "حنين الشرفا" من مدينة غزة تحث الخطأ وتعد العدة والتجهيز لسماع كلمة "ماما" وليوم يملأ قلبها بالفرح والسعادة باحتضان طفلتها البكر بفارغ الصبر، والعائلة تنتظر لحظة وصولها، ولكنها لم تكن تعلم بأن دخولها إحدى المجمعات الطبية الخاصة سيقضي على حلمها في لحظة ويقتل ما بداخلها ويحول 9 شهور من المعاناة والانتظار إلى كابوس مظلم لم تتوقعه، ويضيع معالم الفرحة بسبب خطأ طبي حسب شهادة العائلة، وبعض الأطباء المتابعين للحالة .

فدقت الأبواب وتقصت الحقائق وجمعت الأدلة والبراهين وشكاوى المتضررين وآراء الأطباء بالإضافة لحصولها على تسجيلات صوتية وتقارير طبية وأوراق تثبت وتبين مدى حجم الأخطاء الطبية الفادحة داخل المستشفى المذكور.

ويقول إيهاب الشرفا زوج المواطنة المذكورة: " طالما حلمت زوجتي بطفل يملأ حياتنا فرحاً لذا قررنا أن تضع طفلنا الأول داخل مستشفى خاصة لتتجنب المتاعب والصعاب التي يمكن أن تواجهها داخل المستشفيات الحكومية، فتوجهنا لإحدى المستشفيات الخاصة في مدينة غزة الساعة 12:30 فجرا، لتخضع تحت فحص طبي كامل من قبل الحكيمة للاطمئنان على صحة الجنين لتبشرنا بأنه بأفضل حالاته وتطلب منا مغادرة المستشفى والعودة في تمام الساعة 3 فجرا".

ويتابع الشرفا بسرد باقي فصول المأساة بقلب يتفطر حزنا وألما "رجعنا مسرعين الساعة الثالثة فجراً للمجمع الطبي عندما أشتد الألم عليها لتدخل غرفة الولادة في حالة مخاض لتخضع لفحص طبي آخر من قبل "الشفت الليلي" المناوب ليبلغونا بأن الجنين بحالة صحية طبيعة وأنه تم فحص نبضه ودقات قلبه ولا يوجد أي مشاكل تدعو للقلق على الجنين ووالدته".

ضرب وشتائم

أوضح أنه في تمام الساعة الثامنة صباحا تم تبديل "المناوبات" بين الطبيبات، لتأتي الطبيبة (س، ه)، والقابلة (إ، ن ) لتجبرا والدتي ووالدة زوجتي على مغادرة غرفة الولادة فوراً بطريقة غير لائقة، لتصعد الطبيبة على مدرج بجوار سرير الولادة وقامت بالضغط على بطن زوجتي والضرب وتوجيه الشتائم والإهانات بصورة كبيرة ما يزيد عن عشر مرات محاولة إخراج الجنين بالقوة، فضلا عن محاولتها توسيع الرحم باليد بشكل فظيع جداً، حسب رواية والدتي التي كانت تنظر عبر فتحة صغيرة من باب الغرفة. وبين المواطن الشرفا أنه جراء الإهمال تفاجأت الطبيبة (س، ه)  بتدهور حالة الجنين وأمه لتهرع مسرعه باستدعاء الطبيب الاستشاري الخاص بالمستشفى (ن، ي)، ليتفقا سويا على إجراء عملية قيصرية عاجلة لها، ولكن التأخير والإهمال دق طبول الخطر جراء فقدان زوجتي الكثير من الدماء، ليتم إجراء العملية بعد فوات الأوان لتخرج "طفلتي "ليان" التي أعدونا لها هذا الاسم في وقت سابق عليها تشوهات غير مسبوقة جراء الضغط المستمر على بطن زوجتي.

جثة هامدة

وأضاف" طلب الطبيب الاستشاري(ن ، ي) نقل المولودة بسرعة إلى حضانة مجمع الشفاء الطبي لأن المستشفى لا يوجد به حضانة، مما زاد الطين بلة أنهم قاموا بنقلها في حالة صحية صعبة في صندوق متهالك لا يصلح لنقل الدجاج، مشيراً إلى أنه كان من المقرر نقل الطفلة لحضانة الشفاء حسب ما أقر الطبيب لنتفاجأ بأننا في مستشفى النصر للأطفال بسبب جدال بين السائق والطبيبة، ليقرروا ثانيا نقلها لمجمع الشفاء لتبدأ "ليان" بالتقاط أنفاسها الأخيرة .  وتابع" استغرق نقلها إلى مجمع الشفاء الطبي أكثر من نصف ساعة بسبب الازدحام، حتى وصلت الرضيعة جثة هامدة ولونها شاحب أزرق وتخرج منها مادة خضراء، وعندما نظر لها الطبيب المناوب في حضانة مجمع الشفاء قال لي إن هذه المادة التي تخرج من الطفلة تدل أن الجنين مخنوق ولم يصل له تنفس لتفارق الحياة لتبدد هذه الجريمة حسب وصفة "إيهاب" آمال العائلة وحول الفرح إلى حزن، وأحالت البيت إلى عزاء.

كوارث طبية

وقصة عائلة الشرفا لم تختلف كثيراً عن حال المواطن إياد الصباغ الذي واجه نفس تفاصيل المشكلة في ذات المستشفى جراء خطأ طبي تعرض له ابنها أثناء عملية الولادة أدى لحدوث شلل في يده وتوقفها عن الحركة بشكل كامل وحرمانه من التمتع بحياته كباقي الأطفال، لذلك لم يتوان ولو للحظة بكشف حقيقة هذه المستشفى للناس وما يحدث بداخلها من كوارث طبية.

عشر سنوات مضت على الطفل محمد إياد الصباغ وهو يتجرع مرارة الألم وقسوة المعاناة التي بدأ يرويها والده قائلا " بتاريخ 12/8/2004 دخلت زوجتي المستشفى السابق في حالة مخاض لتكشف عنها الطبيبة (خ، ع ) التي وصفت لها إبرة طلق لتسريع عملية الولادة لكنها لم تستجب لها لتوجه الأوامر وهي متكئة في قمة الاستهتار بزوجتي للممرضات بإعطائها إبره تلو الأخرى لتصل لثماني إبر طلق  دون جدوى ".

 معركة مفتوحة

وتابع الصباغ حديثه " فجأة استيقظت الطبيبة من غفلتها عندما رأت بأن الأم بدأت بحالة هستيرية وحالتها تدهورت، لتتوجه لمناداة الطبيب الاستشاري (ن،ي) حيث بدأ باستخدام جهاز الشفط لإخراج الجنين لأكثر من 7 مرات متتالية لكنه لم ينجح، ليخوض المغامرة النهائية باستعمال القوة في شد الجنين من رحم والدته ليخرجه إلى الحياة بيد واحدة والأخرى مشلولة .

وبين أنه خلال تلك السنوات تجرع ألوان العذاب والقهر وهو يركض خلف الأطباء من مستشفى لأخرى في مصر والأردن و"إسرائيل" لمعالجة ابنه، الأمر الذي سلب من حياته الوقت والجهد والمال ما يفوق 25 ألف دولار أمريكي جراء عمليتين تم إجراؤهما له في مصر.

وكشف الصباغ أنه خلال تنقله بين المستشفيات المختلفة في الداخل والخارج تم التأكيد له من قبل الأطباء بأن خطأ طبي ناجم عن سوء طريقة إخراج الجنين من رحم أمه عن طريق اليد أو بسبب كثرة استخدام جهاز الشفط أكثر من ثلاث مرات ، فضلا عن كثرة إعطاء الأم أبر الطلق.

استهانة وعدم مبالاة

أما المواطنة أم عماد أحمد من مدينة غزة، فقد أوضحت أنها عندما دخلت غرفة الولادة " الكشك"  لوضع نجلها الثالث، حيث استلقت على سرير العذاب تحضيرا وتجهيزا للولادة وبعد نصف ساعة أشتد عليها الطلق وهي تصرخ بأعلى صوت عندها بدأت الممرضة بالصعود على بطنها والضغط بكل ما لديها من قوة، بحسب الأم . وأضافت أحمد خلال حديثها والجنين عالق داخل الرحم وأنا أصرخ من شدة الوجع ورأيت ألوان العذاب وبدأت أحتضر والفظ الشهادتين وأصبحت أنتظر الموت في كل دقيقة وثانية على يد من لا يخاف الله" .

عذر أقبح من ذنب

وتابعت والدموع تنهمر من عينيها وهي تتذكر حجم القسوة وانعدام الرحمة لدى أطباء المستشفى "عندما رأت الطبيبة حالتي الصعبة ذهبت لتستنجد بمن لديه الخبرة داخل المستشفى ، ليتضح معه وبعد عناء طويل بأن الحبل السري ملتف حول رقبة الجنين ولم يخرج  ليسرعوا بإجراء عملية صغرى لرفع الحبل السري عن رقبة الجنين ليتمكن الجنين من الخروج ". وأشارت أنه وبكل بساطة وسهولة واستهتار تقدمت لي الطبيبة بالاعتذار قائلة " لم أكن أعلم بأن الحبل السري ملتف حول رقبة الجنين" رغم توفر جهاز التلفاز الذي من المفترض أن تستخدمه للاطمئنان على الجنين .

إقرار بالخطأ

وبدورها، أكدت الممرضة المناوبة خلال فترة ولادة المواطنة حنين الشرفاء والتي رفضت الإفصاح عن اسمها بأن وفاة الرضيعة "ليان" جاءت بسبب خطأ طبي تتحمل مسؤوليته الطبيبة ( ي، ع ) والدكتور المستشار (ن، ي) بسبب زيادة التخدير والاستهتار وعدم المبالاة بحياة الأم وجنينها، والتأخير في إجراء العملية القيصرية لها. وشددت في حديثها على أن هناك أخطاء طبية قاتلة تحصل داخل غرفة الولادة بالمجمع ولكن لا يمكن الحديث عنها خوفا من طردنا وقطع أرزاقنا من قبل إدارة المجمع .

تحميل المسؤولية

ومن جهتها، الطبية المناوبة والمتابعة لحاله المواطنة "الشرفا" حملت اللوم والمسئولية للمستشار الطبي بسبب تأخره لمدة 30 دقيقة لإجراء العملية القيصرية لها، رافضة تحميلها مسؤولية ما جرى للطفلة. وأضافت في حديثها "أنهم كلما طالبوا الاستعجال في إجراء العملية لحنين ولكنهم قالوا لنا "تمهلوا لعلها تلد بشكل طبيعي" مع العلم بان الأم دخلت غرفة العمليات والجنين بأفضل حالاته ولم يعان من أي شيء.

نفي تقصير

ومن جهته، نفى الدكتور (ن ، ي) في المجمع الطبي والموجه له تهم التقصير في متابعة حاله المواطنة الشرفا أن يكون قد تأخر عن إجراء العملية القيصرية لها عندما تم استدعاؤه بل تم إجراؤها على الفور وفي أقل وقت ممكن وعلى أكمل وجه دون أي مشاكل تذكر، محملا المسؤولية للطبية المسئولة في وفاة الطفل حيث تم أخذ قرار من قبل الإدارة بمحاسبتها، ولكنه لم يفصح عن اسم الطبية .

أوضح (ن، ي) "بأن الجنين نزل من رحم والدته مشوهاً ومتوفى وعائلته شهرت بنا وألقت اللوم علينا، وليس لديهم الحق بأن يحاسبونا، بل يجب عليهم أن يوجهوا أصابع الاتهام للحضانة داخل مجمع الشفاء الطبي الذي توفيت فيه بعد نقلها سالمة من المستشفى . وطالبت العائلات المتضررة الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ووزارة الصحة والقضاء الفلسطيني بفتح تحقيق عاجل وسريع لكشف الحقيقة الكاملة وتوضيح مدى حجم الأخطاء الطبية، مشددة على ضرورة وضع الأطباء المخطئين تحت طائلة المسئولية والمحاسبة القانونية.

تحقيق / ماهر المبيض

المصدر: غزة – وكالة قدس نت للأنباء -