معلوم للجميع أن ما نظهر ونقول يسمعه ويراه الجميع وأن ما نبطن لا يعلمه إلا علام الغيوب والمطلع على القلوب ,من هنا معظم أحكامنا وقراءتنا لسير الأحداث تكون قائمة على الأفعال التي نرى والكلام الذي نسمع ,وهذا بكل تأكيد ما وضع شارعنا الفلسطيني في حيرة شديدة نتيجة ما مر من أحداث خلال الأيام الماضية وما أصطلح على تسمية بغزوة البنوك من قبل البعض والبعض الآخر أعتبر أنها الطريقة التي من الممكن أن تكون لكي يسمع صوته لمن هم أصحاب القرار دون إعطاء نفسه برهة من الوقت لسؤال كم من الوقت مضى على تشكيل الحكومة التوافقية لكي يطالبها بحل تلك المشاكل المتراكمة نتيجة حالة الانقسام الذي دام سبع سنوات ,وهل من الممكن أن تكون تلك الحلول تكمن بجرة قلم من وزير هنا او حكومة هناك.
وهنا يجب عدم تغييب الجانب الإنساني في هذه القضية لان هذا الجانب هو الأساس ومن حق جميع أطفال فلسطين أن يجدوا لقمة العيش الكريمة بغض النظر عن الحزبية ومناكفتها التي يحلو للبعض التعاطي بها باستمرار من باب الحضور الدائم ولكي يشعر أبناء شعبنا بأنه صاحب حضور ووجود بغض النظر عن الجراح التي من الممكن أن تتسبب للكثير من أبناء هذا الشعب .
لم يمضي على تشكيل حكومة التوافق أكثر من يومين حتى حضرت مشكلة المشاكل ,وهنا أقول مشكلة المشاكل (الرواتب)لأنها تعتبر بالنسبة الى الشخص الذي يعتمد عليه بشكل أساسي ودخله قائم عليه يعتبر أهم مشكلة فلا أعتقد أنه بإمكان الجائع الذي لا يجد قوت اطفاله قادر أن يفكر بشيء غير الراتب لان كل القضايا من الممكن أن يصبر الأنسان على حلها ولكن الجوع ونظرات عيون الأطفال الجوعا لا صبر عليها ومن الممكن التضحية بكل شيء من أجل تلبية احتياجاتهم ,فتحرير فلسطين صبر الشعب الفلسطيني ومعه الأمة العربية والإسلامية ما يزيد عن ستين عاما ,كما لا يعقل أن نكون قادرين على أعداد شعب قادر على مواجهة العدو الصهيوني وأفعاله وهم جوعا .
من هنا يجب أن تكون تلك القضايا خارج أطار التجاذبات والخلافات السياسية لأنها تمس الشريحة الأضعف في مجتمعنا .
ولكن بالعودة الى مشروع المصالحة والوفاق الوطني وتشكيل الحكومة التي هي عبارة عن القارب التي سوف يعبر شعبنا من خلاله الى بر الأمان والى عملية تجديد الشرعيات لكل الأطر القيادية المسيرة لحياة شعبنا في الوطن والشتات وفي كل المناحي أو أن يتم التوافق على أعادة تشكيل حكومة توافقية تتولى مهام أدارة الشأن العام الفلسطيني لفترة زمنية محددة نتيجة للعقبات التي من الممكن أن تواجه شعبنا من قبل حكومة الاحتلال الحريصة على وضع المطبات في الطريق لكل تقارب وطني .
وهنا بكل تأكيد كل من سعى وساهم وعمل على تشكيل تلك الحكومة والسير في هذا الطريق يعي جيدا أن هذا الطريق لن يكون مفروشا بالورود بل سوف تكون هناك الكثير من الأشواك التي هي بحاجة لتخلص منها دون أن تسبب أي ألام .
وهذا يتطلب عقلنة الخطاب بحيث يكون الخطاب توافقي لا توتيري يتماشاه مع الروح التوافقية وروح الشراكة بعيدا عن المزاودات والخطابات الجوفاء ,فلا يعقل أن تكون هنا في غزة هدنة موقعة مع الاحتلال وكان الحرص عليها قائما ويواجه كل من يخرج عن هذا الحرص بقوة ,والعمل في المحافظات الشمالية على تسخين الحالة الوطنية والعمل على وضع شرخ ما بين أجهزتنا الامنية الوطنية وشعبنا من خلال أفعال لن تقدم لشعبنا وقضيتنا شيء.
وهنا أذكر الجميع بأنه في انتفاضة الأقصى كان السواد الأعظم من الشهداء هم من أبناء أجهزتنا الأمنية ,وأن أول من أقتحم المستوطنات الصهيونية في غزة هم أبناء الاجهزة الامنية ,وأن الاجهزة الامنية تكون منفذة للأوامر حينما يكون هناك قرار وطني بالمواجهة مع الأعداد وهذه الأجهزة لا تعمل وفق برنامج ردة الفعل بل وفق رؤية سياسية تحددها القيادة السياسية لشعبنا والتي هي قيادة منظمة التحرير والرئيس محمود عباس .
وهنا يجب أن يعي الجميع بأن المصالحة التي مضت سنوات طوال من أجل الوصول أليها ليست نزوة ,أو لحظة دروشه ,ولكن يجب أن تكون قرار وطني نابع من مصالح شعبنا العليا دون النظر الى المكاسب والخسارة الحزبية ودون النظر الى غير فلسطين كهدف من أجله قدم شعبنا الشهداء ,من هنا يجب على الجميع العمل على تصغير كل الخلافات الداخلية وتصغير كل المصالح الحزبية والنظر الى الشراكة الوطنية وكيفية تقويتها من أجل عبور الجميع من خلالها الى بر الأمان ,لأننا مازلنا تحت الاحتلال ومازال عدونا يتربص بنا ومازال يعمل على محاصرتنا في الداخل والخارج ,وهذا يتطلب الحكمة في ادارة الشأن الوطني والحكمة في التعامل مع العالم الخارجي لكي نتمكن من محاصرة من يسعى الى حصارنا ,فلا يعقل ان يكون العالم بأسره يرحب بميلاد الحكومة التوافقية ويكون البعض منا بقصد او بدون قصد وحكومة اسرائيل تعمل على عرقلتها .
وأخيرا فلندع القيادة تتمكن من السير بخطى ثابتة نحو أهدافنا الوطنية من أجل تحقيق حلم شعبنا في الحرية والتحرر
نبيل عبد الرؤوف البطراوي
11-6-2014
