قبل نحو شهرين ونصف الشهر فقط من الموعد المقرر للانتخابات التشريعية الفلسطينية، وجد الاستحقاق المنتظر منذ عقدين تقريباً نفسه أمام سؤال لم يعد متعلقاً فقط بقدرة الفلسطينيين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، بل بمدى وجود قرار سياسي موحد داخل حركة «فتح» نفسها بالمضي إلى الانتخابات في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ففي الوقت الذي أعلن فيه أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» جبريل الرجوب أن إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها بات «مستحيلاً»، ودعا إلى حوار وطني شامل وإعطاء الأولوية للانتخابات الرئاسية، خرج المتحدث باسم الحركة جمال نزال ليؤكد أن الاستعدادات مستمرة، وأن الرئيس محمود عباس (أبومازن) لا يزال متمسكاً بإجراء الانتخابات، مقدراً فرص تنفيذها في موعدها بنحو «99%».
وبين «المستحيل» و«99%» لا يبدو الخلاف مجرد تفاوت في تقدير الصعوبات، بقدر ما يفتح الباب على تساؤلات بشأن حقيقة الموقف السياسي داخل «فتح»: هل تتجه الحركة بالفعل إلى الانتخابات؟ أم أن تصريحات الرجوب تمثل بداية تمهيد سياسي لاحتمال تأجيل جديد، فيما يبقى الخطاب الرسمي متمسكاً بالموعد إلى حين اتضاح الصورة؟

تناقض في قلب الحركة
وزاد من حدة هذا التساؤل أن تصريحات الرجوب لم تصدر عن قيادي بعيد عن مركز القرار، بل عن أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح»، الذي اعتبر أن الظروف الفلسطينية والإقليمية القائمة لا تسمح بإجراء الانتخابات في موعدها، وأن إصدار المرسوم الرئاسي كان ينبغي أن تسبقه طاولة حوار وطني تضم الفصائل ومكونات المجتمع المدني للاتفاق على شروط العملية الانتخابية وضماناتها.
وقال الرجوب في تصريحات نقلتها «العربية» إن إجراء الانتخابات في الظروف الحالية «مستحيل»، معتبراً أن الرئاسية يجب أن تسبق التشريعية، ومجدداً في الوقت نفسه موقفه بأن الانتخابات هي الطريق الطبيعي لتجديد الشرعية والوصول إلى الحكم.
لكن هذا التقدير اصطدم سريعاً بالرسالة الصادرة عن قيادة الحركة والرئاسة.
فخلال افتتاح أعمال الدورة الأولى للمجلس الثوري لحركة «فتح»، في 10 أيلول/سبتمبر، أكد الرئيس عباس أن 28 تشرين الثاني/نوفمبر لا يزال موعد الانتخابات التشريعية، مقدماً العملية الانتخابية باعتبارها «معركة سياسية وديمقراطية» لتأكيد وحدة الشعب والأرض وتجديد المؤسسات الوطنية، وليس مجرد استحقاق إداري أو إجرائي.

بدوره، قال نزال، في مقابلة مع برنامج «العاشرة» على قناة «العربية»، إن داخل الحركة إدراكاً حقيقياً لحجم العقبات السياسية والميدانية، لكنه شدد على أن التحضيرات «جارية على قدم وساق»، وأن الرئيس أكد أمام المجلس الثوري أن القيادة ذاهبة إلى الانتخابات التشريعية.
ورفض نزال قراءة تصريحات الرجوب باعتبارها إعلاناً ضمنياً لإلغاء الاستحقاق، معتبراً أنها تشخيص للمخاطر والتحديات، ومؤكداً وجود خطط بديلة للتعامل مع السيناريوهات التقنية والسياسية التي قد تواجه العملية.
اللجنة تتحرك وكأن الانتخابات قائمة
حتى اللحظة، لا تقدم الوقائع الإجرائية الرسمية مؤشراً على أن قراراً بتأجيل الانتخابات قد اتخذ.
فالمرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو حدد يوم السبت 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للاقتراع، ودعا الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية.
أما لجنة الانتخابات المركزية فتواصل العمل استناداً إلى هذا الموعد. وأكد رئيسها رامي الحمد الله في 9 أيلول/سبتمبر، خلال لقاء مع نائب الرئيس حسين الشيخ، أن اللجنة ماضية في تنفيذ مراحل العملية وفق الجدول الزمني المعتمد، بالتوازي مع معالجة القضايا المرتبطة بالقدس وقطاع غزة والقيود الإسرائيلية.
ووفق الجدول الرسمي، يبدأ تقديم طلبات ترشح القوائم في 26 أيلول/سبتمبر ويستمر حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، على أن تنطلق الدعاية الانتخابية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر ويجري الاقتراع في الثامن والعشرين منه.
وهنا تظهر واحدة من المفارقات اللافتة في تصريحات الرجوب المتعلقة بعدم وجود قوائم «جدية» حتى الآن؛ إذ إن باب الترشح الرسمي نفسه لم يُفتح بعد. وبالتالي، فإن غياب القوائم المسجلة قانونياً في هذه المرحلة لا يمكن وحده أن يشكل مؤشراً حاسماً على فشل الانتخابات، وإن كان قد يعكس، سياسياً، أن القوى الرئيسية لم تنتقل بعد بصورة معلنة إلى مرحلة الاستعداد الانتخابي الكامل.
جاهزية تقنية.. لكن ماذا عن القرار السياسي؟
المفارقة الأوسع أن الخلاف لا يتعلق على ما يبدو بالقدرة التقنية للجنة الانتخابات.
فاللجنة تقول إنها جاهزة، وتنشر الإجراءات والنماذج والجداول، وتواصل اجتماعاتها المحلية والدولية، بينما يأتي التشكيك الأساسي من داخل المستوى السياسي نفسه.
وهذا يعيد النقاش من سؤال «هل تستطيع لجنة الانتخابات تنظيم الاقتراع؟» إلى سؤال أكثر حساسية: هل توجد بيئة سياسية فلسطينية موحدة تسمح بوصول العملية إلى يوم الاقتراع؟
الرجوب يرى أن الحوار الوطني كان يجب أن يسبق المرسوم، فيما تقول القيادة الرسمية عملياً إن إصدار المرسوم وبدء الإجراءات لا يمنعان معالجة العقبات بالتوازي مع سير العملية.
وبين الطرحين تظهر مشكلة بنيوية: إذا كان أحد أبرز قادة «فتح» يرى، قبل أكثر من شهرين من الاقتراع، أن الانتخابات غير قابلة للتنفيذ، بينما يقول رئيس الحركة ومتحدثها الرسمي عكس ذلك، فمن هو الطرف الذي يعكس القرار الفعلي للحركة؟
وهل تصريحات الرجوب اجتهاد شخصي داخل حركة تسمح بتعدد الآراء، كما يوحي نزال، أم أنها تعبير مبكر عن نقاش يجري داخل دوائر القرار بشأن سيناريو التأجيل؟
قانون انتخابي يتغير قبل الاقتراع بأشهر
ولا يقتصر الجدل على الموقف السياسي، إذ شهد الإطار القانوني للانتخابات نفسه تعديلات متسارعة خلال أشهر قليلة.
ففي حزيران/يونيو أصدر الرئيس عباس قراراً بقانون رفع بموجبه عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وخفض سن الترشح، ورفع حصة تمثيل النساء في القوائم.
لكن تعديلاً جديداً صدر في آب/أغسطس ألغى زيادة عدد المقاعد وأعاد المجلس إلى 132 عضواً، مع الإبقاء على عدد من التعديلات الأخرى، ومنها ألا تقل نسبة تمثيل النساء عن 33%، واعتماد نسبة حسم تبلغ 1% وخفض سن الترشح إلى 23 عاماً.
وتثير سرعة تعديل القواعد ثم العودة عن جزء منها سؤالاً إضافياً حول مدى استقرار البيئة القانونية والسياسية المحيطة بالانتخابات، خصوصاً أن أي عملية انتخابية تحتاج، إلى جانب سلامة الإجراءات، إلى قواعد مستقرة ومعروفة مسبقاً لجميع الأطراف.
القدس وغزة.. العقبة التي يعرفها الجميع
في دفاعه عن استمرار العملية، لا ينكر نزال حجم العقبات، بل يضع العامل الإسرائيلي في مقدمتها.
وبرأيه، تستطيع إسرائيل التأثير في إجراء الانتخابات في القدس والضفة وحتى غزة، سواء عبر القيود الميدانية والحواجز والاعتقالات ومنع الحركة، أو عبر رفض ترتيبات تسمح بإجراء اقتراع فلسطيني في القدس الشرقية.
وهذه المخاوف لا تقتصر على «فتح». لجنة الانتخابات نفسها تشير رسمياً إلى أن القدس وقطاع غزة والقيود الإسرائيلية على الحركة والوصول تشكل ملفات تحتاج إلى معالجة سياسية وميدانية لضمان شمولية الانتخابات.
لكن الجدل هنا لا يتعلق بوجود هذه العقبات، فهي كانت معروفة قبل صدور المرسوم؛ وإنما بالسؤال عما إذا كانت القيادة أصدرت مرسوم الانتخابات وهي تمتلك تصوراً عملياً للتعامل معها، أم أن الموعد حُدد أولاً ثم بدأ البحث لاحقاً عن حلول للعقبات السياسية والميدانية.
وهذا تحديداً ما يستند إليه الرجوب في اعتراضه، عندما يقول إن الحوار الوطني وترتيب الشروط كان ينبغي أن يسبقا تحديد الموعد.

شبح انتخابات 2021 يعود
يزداد هذا النقاش حساسية لأن التجربة الفلسطينية تحمل سابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية.
ففي عام 2021 كان الفلسطينيون على موعد مع انتخابات تشريعية ورئاسية بعد سنوات طويلة من التعطيل، قبل تأجيلها إلى أجل غير مسمى على خلفية عدم الحصول على ضمانات لإجرائها في القدس الشرقية.
المفارقة أن الرجوب نفسه بات اليوم من أبرز منتقدي ذلك القرار، وسبق أن وصف تأجيل انتخابات 2021 بأنه من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها «فتح»، معتبراً أن التأجيل انتهى عملياً إلى إلغاء الاستحقاق.
ولهذا فإن أي تأجيل جديد سيواجه فوراً سؤالاً مضاعفاً: ما الذي تغير منذ 2021؟ ولماذا جرى تحديد موعد انتخابات جديدة إذا كانت الشروط الأساسية لإجرائها، ولا سيما في القدس وغزة، لم تكن قد ضُمنت مسبقاً؟
كما ستواجه «فتح» تحدياً في إقناع الشارع بأن التأجيل، إذا حصل، ناجم حصراً عن موانع موضوعية وليس عن حسابات حزبية أو مخاوف مرتبطة بالنتائج.
حماس ترفض التأجيل.. وفتح تتحدث عن رسائل معاكسة
ودخلت حركة «حماس» على خط السجال، معلنة رفض أي توجه لتأجيل الانتخابات، ومعتبرة أن استمرار تعطيل الاستحقاق من شأنه إبقاء النظام السياسي الفلسطيني رهينة لقرارات فصيل بعينه.
لكن نزال رد على ذلك باتهام «حماس» بازدواجية الموقف، وقال إنها أرسلت، بصورة مباشرة وعبر أطراف قريبة منها، رسائل تتضمن رغبة في تأجيل الانتخابات لفترات أطول.
وفي غياب إعلان علني مشترك من الفصائل يحدد موقفاً متفقاً عليه، يبقى كل طرف متمسكاً بروايته، ما يعزز الدعوات إلى حوار وطني يخرج ملف الانتخابات من دائرة التصريحات المتبادلة إلى تفاهمات مكتوبة وواضحة بشأن موعدها وشروطها واحترام نتائجها.
المجلس الوطني يضيف طبقة أخرى من التعقيد
بالتوازي مع الانتخابات التشريعية، تدفع القيادة الفلسطينية باتجاه إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، في إطار خطة أوسع لتجديد مؤسسات منظمة التحرير.
وأوضح الرئيس عباس أن التحضيرات تشمل انتخاب 150 عضواً يمثلون الفلسطينيين في الخارج، إلى جانب استكمال التوافق على 67 عضواً يمثلون فصائل منظمة التحرير ومؤسساتها والمستقلين من الداخل.
لكن هذا المسار نفسه أثار اعتراضات فلسطينية على آليات استخدام «المجمعات الانتخابية» أو التوافق في بعض ساحات الشتات، وسط مطالبات باعتماد قواعد موحدة تضمن أوسع مشاركة ممكنة.
ويرى نزال أن تلك المجمعات ليست تعييناً مباشراً، بل آلية تلجأ إليها التجمعات الفلسطينية حيث يتعذر تنظيم اقتراع عام مباشر، مؤكداً أن حواراً وطنياً أوسع سيجري بشأن تشكيل المجلس الوطني.
وهكذا تصبح الانتخابات التشريعية جزءاً من عملية أكبر لإعادة تشكيل بنية النظام السياسي الفلسطيني، تشمل المجلس الوطني والرئاسة والمؤسسات التمثيلية، الأمر الذي يرفع الرهان السياسي على نجاحها ويجعل فشلها أكثر كلفة من مجرد تأجيل موعد انتخابي.

انتخابات قائمة قانوناً.. معلقة سياسياً؟
حتى الآن، لا يوجد قرار رسمي يلغي انتخابات 28 تشرين الثاني/نوفمبر أو يؤجلها. المرسوم الرئاسي قائم، ولجنة الانتخابات تعمل وفقه، والرئيس محمود عباس أعاد تأكيد الموعد، والمتحدث باسم «فتح» يتحدث عن احتمال يبلغ 99% لإجرائها.
لكن في المقابل، فإن إعلان أمين سر اللجنة المركزية للحركة أن إجراءها في الموعد «مستحيل» لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً عابراً.
فالمشكلة لم تعد فقط في إسرائيل أو القدس أو غزة أو الانقسام الفلسطيني، وإنما أصبحت أيضاً في القدرة على تقديم خطاب سياسي واحد بشأن استحقاق يفترض أن يعيد بناء الثقة في النظام السياسي ومؤسساته.
ومن هنا يبدو أن الأسابيع المقبلة، وتحديداً وصولاً إلى فتح باب الترشح في 26 أيلول/سبتمبر، ستكون الاختبار الحقيقي: فإذا بدأت القوى الرئيسية بتسجيل قوائمها وانتقلت العملية من الجداول الإدارية إلى المنافسة السياسية الفعلية، فإن فرص تثبيت الموعد ستزداد. أما إذا بقيت القوى الكبرى خارج السباق، وتصاعد الحديث عن الحوار والشروط المسبقة وترتيب الانتخابات الرئاسية أولاً، فقد تتحول تصريحات الرجوب من «تشخيص للمخاطر» إلى إشارة مبكرة لما ينتظر الاستحقاق.
وبعد عشرين عاماً من آخر انتخابات تشريعية، لا يحتاج الفلسطينيون إلى موعد جديد على الورق بقدر ما يحتاجون إلى جواب واضح: هل قرار الذهاب إلى الانتخابات هذه المرة نهائي فعلاً، أم أن مشهد 2021 يستعد للعودة بصيغة أخرى؟
