الإعلام الإسرائيلي يتحدث منذ يومين عن ملايين اليهود الذين يحتمون في الملاجئ، ومن لم يملك مقعداً في الملجأ نصحته الحكومة بالاحتماء في بيت الدرج، وفي صدر الصفحات الأولي للجرائد العبرية، ومقالات كبار الكتاب في إسرائيل منذ يومين لا يتحدثون إلا عن الملاجئ وبيت الدرج. وهذا يتطلب منا نظرة أعمق في فعالية الصواريخ الفلسطينية التي بدأت تنطلق على إسرائيل قبل عشر سنوات، وكيف أثرت على نظرية الأمن الإسرائيلي، وكذلك عن الخيارات الفلسطينية التي تواجه العدوان والتعنت الإسرائيلي، وأيهما يمثل الحل الأمثل للقضية الفلسطينية؟
منذ عشر سنوات بدأ إطلاق صواريخ فلسطينية الصنع تدك إسرائيل في مستوطناتها في قطاع غزة، وكذلك على الحدود المتاخمة لمدينة غزة التي لم تتعدى في بدايتها 2كم، غير أن هذه الصناعة تطورت كشأن تطور صناعة السلاح في العالم، فقد أصبحت تصل إلى غالبية المدن المحتلة، وخاصة عندما نتحدث عن جوهرة إسرائيل المقدسة تل أبيب، فلم تضرب هذه المدينة بالصواريخ في الحروب العربية الثلاثة في الأعوام 1948م، 1967م، 1973م، هذا وبالرغم من عدم تمكنها من إيقاع خسائر بشرية كبيرة في إسرائيل، إلا أن تطورها في عقد من الزمان ودقة أهدافها تؤهلها مستقبلاً بفعالية قتالية أكبر. إن هذه الصواريخ كان لها بالغ الأثر على نظرية الأمن الإسرائيلي، حيث كتبت الكثير من الدراسات الاستراتيجية والعسكرية الفلسطينية عن قرب الحدود مع إسرائيل وفشل صد الضربات الجوية و صواريخ طويلة المدى، فالرادارات والمضادات الأرضية الإسرائيلية لن تستطيع صد مثل هذه الضربات، وهذا ما حصل فعلاً عندما تحدت المقاومة الفلسطينية إسرائيل عسكرياً بأن توقف الصواريخ بالمضادات الأرضية "القبة الحديدية"، إلا أنها فشلت، وقد أصبحت عاصمتها مدينة أشباح، لأن دولة الكيان أصبحت في بيت الدرج والملاجئ. قامت نظرية الأمن الإسرائيلي على حماية سكان دولتها من الجيران الأعداء، فهي دولة نشأت من خلال هبه بريطانيا العظمى آن ذاك وبقرار أممي، وطبيعي لهذه الدولة الناشئة أن يكون كل الجيران أعداء، ومن هذه الفرضية انطلقت نظرية الأمن الإسرائيلي على أساس أي تقدم نحو الحدود يشكل خطراً على إسرائيل ويتطلب حرب لإبعاد هذا التقدم، لكن اليوم الصواريخ تقصف تل أبيب، وبهذا تكون نظرية الأمن قد فشلت.
بعد النكبة وهزيمة الدول العربية عام 1948، بدأ الفكر الفلسطيني يتبلور من خلال الجماهير وكذلك بدأت تتشكل الأحزاب السياسية الفلسطينية إلى أن تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وأصبحت الأحزاب السياسية في تلك الفترة تشكل جسم وبنيان المنظمة، وكان أهم اسهامات الفكر السياسي الفلسطيني آن ذاك هو الكفاح المسلح، والثورة الشعبية ضد المحتل، حتى بدايات التسعينيات فقد اختارت منظمة التحرير نظراً للظروف الدولية والإقليمية الحل الجزئي للصراع التاريخي مع المحتل، وهي التسوية السلمية وطريق السلام، وقد عارضت بعض الأحزاب السياسية ولا سيما الحركات الإسلامية وأبقت خيار الكفاح المسلح ضد الإحتلال الإسرائيلي لدولة فلسطين، واليوم نتحدث عن خيارات المواجهة المتمثلة بالسلام والمقاومة، خياران يمثلان طريق التحرير، وأنا أعتقد بأن الخياران المطروحان هم أساس التحرير، لأن صاحب الخيار الواحد فاشل لا محالة، وهذا الأمر يتطلب برنامج وطني مشترك يضم في طياته كافة الحركات والأحزاب السياسية الفلسطينية، حتى وإن اختلفت أيديولوجيتها وخياراتها لتحرير فلسطين، حتى خيار المقاومة يتطلب في نهاية المطاف إلى حل سياسي، لذا لابد وأن يكون هناك برنامج وطني، فهو القادر على تحقيق الأهداف لكلى الخيارين. فإن حجم التضحيات الفلسطينية في غزة، والجرائم التي تقترفها إسرائيل بحق المدنيين، وكذلك حجم الرد من قبل المقاومة يلزم القوى السياسية بتحقيق أهداف سياسية.
