كانت عائلة "عبد النبي" تنتظر آذان الفجر إيذانا بالكف، عن تناول طعام السحور في اواخر شهر رمضان المبارك، بينما تدرج الطفل عبد الرحمن في الحديث اثناء تناول طعام السحور على تهجئة بعض الكلمات، مثل لبن، وننة، للحصول على بعض الطعام امام حضرة المائدة.
الطفل عبد الرحمن يبلغ من اللعمر عامين ونصف من زهور الاعوام،وهو مثل الدمية لشديد بياض وجهه وشعره،وكانه تمثال ابيض.
منزل رب عائلة الطفل عبد الرحمن يقع ملاصقا لمسجد صلاح الدين في حي الجرن شرق بلدة جباليا شمال قطاع غزة، تشدهم آذانهم، لسماع كفوا ايدكم عن الطعام، في اخر ليالي شهرمضان الكريم، فاتاهم من حيث لم يحتسبوا، من كف ارواحهم عن الحياة، واحالهم من انتظار اذان الفجر الى اذان الاخرة..
طائرة اسرائيلية مقاتلة من فئة F16 اغارت على المسجد الملاصق بقذيفة تزن 1000كغم من المواد المتفجرة المدمرة على رؤوس الاطفال والامنيين الابرياء فتدمر المسجد وضواحيه من منازل فلسطينية، وكان نصيب منزل عائلة محمود عبد النبي الاكبر والاكثر تضررا، حيث قضى طفلين واصيب كافة افراد العائلة بجروح وحروق واغلبهم اطفال.
اصحاب المنزل هم شقيقان (محمود وعبد الحميد) عبد النبي يعيشون مع عائلاتهم في هذا المكان المتواضع بدائي الانشاء من مواد "الكرميد" و"الاستبست" والواح حديدية، تكون مثل الاوراق امام طائرة حربية.
اصبحت العائلة المكولومة من سباتهم القسري على اصوات اجهزة العناية الالولية في مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة.
يقول محمود رب العائلة وهو مدرج بالضماضات واللفافات الطبية على جسده في منزل شقيقه الاكبر في نفس الحي السكني "حسبي الله ونعم الوكيل، شو ذنب الاطفال، ربنا ينتقم من الظالمين"، في اشارة الى اسرائيل.
ويضيف محمود والذي يتواجد مع شقيقه عبد الحميد الذي قضى نجله ايضا في الغارة على منزلهم وهو الطفل عبد الهادي( 4 اعوام) " احنا دائما المستهدفين، الاطفال اصبحوا اهداف اسرائيلية لقد فجعنا باطفالنا حسبيا الله ونعم الوكيل".
وقضى حتى كتابة هذا التقرير نحو ال250 طفل في العمليات العسكرية الاسرائيلية المستمرة على قطاع غزة لليوم ال21 تواليا، وما صاحبها من توغل بري اسرائيلي على تخوم قطاع غزة.
عائلة عبد النبي المكونة من 12 فردا وتعيش في المنزل الهرم انف الذكر اصبحت بلا مأوي في عيد الفطر السعيد الذي يصادف الاثنين اول ايامه، بعد ان سوي منزلهم بالارض واصبح ركام يساق الى قارعة الطريق.
يكمل محمود حديثه لمراسلنا "وكالة قدس نت للأنباء" الذي زار مكان تواجده الجديد مع عائلته وهو يتسطرون امام شاشة التلفاز منتظرين اي اعلان عن وقف اطلاق النار،او هدنة مؤقتة مع قدوم عيد الفطر السعيد " لقد كان الطفل المدلل الجميل عبد الرحمن الذي يحبه الجميع في المنزل والحارة، اشعر بعظيم الحزن والاسى،لا يسعني الا ان اترحم عليه صباح مساء"، بينما بدأت والدته، تذرف الدموع بصورة لافته وهي متواجدة وراء حجاب قماشي.
وحضر مراسلنا مراسم دفن الضحايا الاطفال بمقبرة بيت لاهيا تحت وقع القصف والغارات الاسرائيلية في صورة لم ينسى فيها مشهد الدموع وهي السبيل الوحيد للتعبير عن مصاب العائلة العظيم بفقدان طفلين ربيا امام اعين ابويهم، واصبحوا من ذكر الماضي مستذكرين بسماتهم وضحاكتهم فقط، حيث غادروهم في طرفة عين في غارة اسرائيلية،لم يكن فيها ذنبهم الا انهم اطفال سكنوا قطاع غزة الذي يهوي تحت الغارات الاسرائيلية من كل الجوانب برا وبحرا وجوا.
اما جدة الاطفال لوالدهم وهي سيدة طاعنة في السن تقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، في لهجة هسترية مفعمة بالحزن "شو ذنب الاطفال هذول، بينما تحمل صورهم وتبكيهم بحرارة وتردد والدموع حالها "حسبيا الله ونعم الوكيل" عدة مرات بصوت مرتفع.
وشارك في تشيع الجنازة اعداد من المواطنين الذين لم تمنعهم الغارات وسماع صوتها القريب من مواصلة مراسم الدفن.
وتقول وزارة الصحة الفلسطينية ان (1032) شهيدا فلسطيني قضوا في العمليات العسكرية منهم 60 % اطفال ونساء ومسنين في العدوان الاسرائيلي المستمر منذ 21 يوما مع توقف جزئي لهدن انسانية استمرت لساعات ثم يعود صوت المدافع الى اسماع اهالي قطاع غزة المحاصر منذ 8 سنوات وما تبقى من اطفالهم على قيد الحياة.
تقرير/ يوسف حماد
